كان تفاعل الصحابة -رضي الله عنهم- مختلف عن تفاعل الآخرين مع الجنة، حيث كانت الجنّة نقطةً محوريةً في حياتهم، وهذا ما جعلهم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من العمل في سبيل الله، ورقيّ الأخلاق، والاعتقاد بالله تعالى، وفي ما يأتي بعض الأمثلة على حبّهم للجنّة، وشوقهم إليها:
- كان أنس بن مالك -رضي الله عنه- أحد الحاضرين في معركة بدر، وعندما اقترب المشركون من المسلمين، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (قوموا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ)، فلمّا سمع ذلك عُمير بن الحمام، تعجّب من ذلك، كأنّه يسمع ذلك لأوّل مرةٍ، فقال: (يا رسولَ اللهِ، جنةٌ عرضُها السماواتُ والأرضُ؟)، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (نعم)، فقال عُمير: (بخٍ بخٍ)، وكلمة بخٍ تستخدم في لغة العرب لتعظيم الأمر وتفخيمه، ولكنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- خشي أن يكون عمير قالها وهو مشككٌ أو غير مصدّق للأمر، فسأله عن سبب قوله بخٍ بخٍ، فقال عُمير: (لا والله يا رسول الله إلّا رجاءً أن أكون من أهلها)، فلمّا لمس النبي -عليه السلام- الصدق في كلامه، قال له: (فإنّك من أهلها)، ثمّ أخرج عُمير بعض التمرات التي كانت بحوزته ليأكلها، وبينما هو يأكل التمرات تذكّر الجنة ونعيمها، وشعر بأنّ قبره سيكون روضةً من رياض الجنة، فألقى التمرات، وقال: (لئن أنا حَييتُ حتى آكلَ تمراتي هذه، إنّها لحياةٌ طويلةٌ)، وبقي يقاتل حتى قُتل.
- بايع الأنصار رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بيعة العقبة الثانية على شروطٍ ليست بالسهلة، بل كانوا يعلمون أن بيعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وخروجه مهاجراً إلى المدينة المنورة، تعني مفارقة العرب كافّة، وقتل خيارهم، وأنّ السيوف ستمسّهم، وعلى الرغم من ذلك كلّه بايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، على أن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم وأزواجهم، وينصروه عند قدومه إلى يثرب، وعلى أن يقوموا في الله لا تأخذهم لومة لائمٍ، وعلى النفقة في العسر واليسر، والسمع والطاعة في النشاط والكسل، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنّكر، وأمّا المقابل لهذه التضحيات والصعوبات كان وعد الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- لهم بالجنّة، وعلى الرغم من كلّ ما قدّموه كانوا هم الفائزون؛ لأنّهم كسبوا الجنّة، ومن يكسب الجنّة يكون قد فاز.
المصدر: mawdoo3.com