اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
سار كعب بن زُهير على نهج أبيه زُهير بن أبي سلمى في تحكيك الشعر، فهو أحد روّاد مدرسة الشعر الحولي المحكك التي بدأت بالشاعر أوس بن حجر، وقد عُرف شعراء هذه المدرسة بعنايتهم الشديدة بقصائدهم، فالقصيدة كانت تمكث عندهم حولاً كاملاً وهم ينقحونها ويراجعونها، كما أنّ كعباً لم يختلف عن سابقيه من الشعراء من حيث بناء القصيدة، فكان يبني قصيدته على أساس التعلق والارتباط الوثيق بالمكان إذ شكّل المكان بالنسبة للشاعرعاملاً لتحريك شاعريته، فجرى علی سنّة شعراء الجاهلیة في الوقوف علی الأطلال ومناجاتها والبکاء بین یدیها، ومثال على ذلك قول شاعرنا:
أَمِن دِمنَةٍ قَفرٍ تَعاوَرَها البِلى
تَعاوَرَها طولُ البِلى بَعدَ جِدَّةٍ
إنّ المكان عند الشاعر أيضًا كان مرتبطاً بالحبيبة، فكان يستحضر الغزل عند وقوفه على الأطلال فيصف حبيبته، ومثال على ذلك قوله:
أَمِن أُمِّ شَدّادٍ رُسومُ المَنازِلِ
وَبَعدَ لَيالٍ قَد خَلونَ وَأَشهُرٍ
أَرى أُمَّ شَدّادٍ بِها شِبهُ ظَبيَةٍ
ثمّ كان ينتقل الشاعر مباشرةً من وصف الحبيبةِ إلى وصف الحيوان، ومثال على ذلك وصفه الجميل للناقة:
حرفٍ تمدّ زمامها بعذافرٍ
غضبى لمنْسمِها صياحٌ بالحصى
ثمّ كان ينتقل الشاعر من وصف الناقةِ إلى وصف الطريق، وليس المقصود بالطريق هنا الطريق الواقع إنّما الطريق الذي رسمه الشاعر بأحاسيسه وانفعالاته، فقد كان يصوّر طريقه تصويراً يناسب حالته النفسية، فإذا كان خائفاً مضطرباً لا يعرف مصيره كان يأتي بألفاظ تناسب هذه الحالة، وهذا ما نجده في القصيدة التي اعتذر فيها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إذا كان مطمئناً هادئاً فكان يصوّر طريقه تصويراً جميلاً، ومثال على ذلك هذه الأبيات التي يعاتب فيها زوجته ويطلب منها ألا تلومه:
فَذَرِينِي من المَلامَة حَسْبِي
تتأوَّى إلى الثنايا كما شَكَّت
ثمّ كان يذكر الغرض من القصيدة، مدحاً، أو رثاءً، أو هجاءً، أو فخراً، أو عتاباً، أو غزلاً، أو اعتذارًا، ومن أجمل وأشهر اعتذاراته لاميّته التي اعتذر فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها يقول:
أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَني
مَهْلاً هَداكَ الذي أَعْطاكَ نافِلَةَ
لم يكن يخلو شعر كعب من الحكمةِ والأمثال أيضاً، فهو كان يختم قصائده ببعض الحكم وهو بذلك سار على نهج سابقيه من الشعراء، ومثال على ذلك قوله:
قَد يُعوِزُ الحازِمُ المَحمودُ نِيَّتُهُ
فَلا تَخافي عَلَينا الفقرَ وَاِنتَظِري