اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يعرّف الزُّهْد لُغةً بأنّه القدر اليسير من الشيء، وزهِد عن الشّيء أو زهِد في الشّيء: أي أعرض عنه وتركه خوفاً من العقاب والحساب؛ تحرُّجاً منه أو احتقاراً له، والزّاهد: هو العابد، والرّاغب عن الدُّنيا، والمُنصرِف إلى الآخرة، فلا يفرح إن ملك الدُّنيا ولا يحزن على عدم امتلاكها، أمّا الزُّهْد اصطلاحاً: فهو الابتعاد عن المعصية، وعمّا يُبعد المرء عن الله، ممّا هو زائد عن الحاجة، أو هو الإعراض عن أمور الدُّنيا كافّة، وذلك بتطهير القلب، وهو مُصطلح أشمل من الورع والقناعة، والزُّهد يتضمّن المعنى الروحيّ والماديّ والأخلاقيّ؛ لقوّة الرّابطة بينهم، فلا يزهد المرء في أمور دُنياه مع مُمارسته لما حرّمه الله، فلا معنى للزُّهد بلا اجتماع الفِكر والرّوح.
يُعدُّ شِّعر الزُّهد من الألوان الأدبيّة التي تحمل معانٍ سامية للرّوح على عكس بعض الأشعار الأخرى، حيث يتناول الحياة الدُّنيا باعتبارها داراً زائلةً مع الابتعاد عن ملذّاتها، ويُوجّه النّاس نحو الحياة الأبديّة باتّباع المناسك والعبادات، وقد تحدّث ابن خلدون عنه في مُقدّمته، فقال: "فلمّا فشا الإقبال على الدُّنيا في القرن الثّاني وما بعده، وجَنَح النّاس إلى مخالطة الدُّنيا، اختصّ المُقبِلون على العبادة باسم الصُّوفيّة والمُتصوّفة"، ويُشير كذلك أنّ هذه الجماعة اختصّت لنفسها هذا النّوع الأدبيّ من الشِّعر مبتعدين بذلك عن الأشعار التي يُقبِل عليها عوام النّاس، وما تتّسم به من بذخٍ ومالٍ، ومناصبٍ، ومُنصرفين عن الخَلْق بعبادة الخالق.
مرّ الزّهد بمراحل انتقاليّة ساهمت في نشأة التّصوف الذي سعى فيه شعُراؤه إلى الوُصول إلى الله، والاهتمام بالتّعرُّف على أسرار تتعلّق بالخالق، وإيجاد وسيلةٍ مناسبةٍ للمناجاة الإلهية، والتي تُشبه أشعار الغزل الإلهيّ للحلّاج، وفي النقاط الآتية توضيحٌ للمراحل الانتقاليّة التي مهّدت لتطوّر شِعر الزّهد:
يمكن تقسيم العصر الجاهليّ بحسب تطوّر شعر الزهد على مراحل كالآتي:
تُعرّف فترة العصر الإسلامي بأنّها الفترة التي بدأت من عهد الرسول محمد عليه السلام وامتدّت حتى خلافة عثمان بن عفان، وقد تميّز الشعر في بدايته بمحدوديته، إلا أنّه وبعد فترةٍ من الوقت ظهرت العديد من الأشعار التي تُدافع عن الإسلام وتسعى لنشره، وتدعو إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكر، وتذكّر بالجزاء عقاباً وثواباً، إضافةً إلى الأشعار التي اختصت بالمدح النبويّ، ومن شُعراء المديح حينها: النّابغة الجعديّ، وكعب بن زُهير، وحسّان بن ثابت، وبعد ظهور العديد من الفتن، أصبح النّاس ينصرِفون إلى العبادة، وتركها لله، فوجد الزّاهدون أنفسهم يلجأون إلى القرآن الكريم، والسُّنّة النّبويّة؛ هُروباً من القضايا السّياسيّة العامّة التي تحمل صراعاً مذهبيّاً وفساداً أخلاقيّاً؛ لذلك سعى الذين يدعون إلى الله إلى تعليم النّاس وتذكيرهم بأهميّة تطبيق الشّريعة الإسلاميّة.
تطوّر شِعر الزُّهد في هذه المرحلة؛ حيث ظهر الكثير من الشعراء الذين عَمَدوا إلى ترك الدُّنيا، والتّفرُّغ للعبادة؛ وذلك كردّة فعل على حركة الزّندقة التي شاعت بين النّاس حينها، ويجدر بالذِّكر أنّ الشُعراء تفرّغوا بشكل كامل للزُّهد، فلم يتطرّقوا إلى شيء غيره، وأدخلوا فيه الفلسفة والحكمة، الأمر الذي مَهّد لظهور شِعر التّصوف لاحقًا، ومن شُعراء هذا العصر أبو العتاهيّة الذي يُصوّر الآخرة، وما يحدث فيها من أهوال، بالإضافة إلى أبيات تحمل العظة، وتُعنَى بتقلُّبات الأزمان، وأبو نوّاس أيضاً، والذي عُرف بشِعر المُجون، إلا أنّه في آخر حياته تاب إلى الله، وظهر ذلك واضحاً في أشعاره، فكانت أشعاره تحمل زهداً نقيّاً خالصاً.
إنّ أول ظهور لشِعر الزُّهد بحسب ما يقول الدّكتور إحسان عبّاس في كتابه تاريخ الأدب الأندلُسيّ كان أثناء الثّورة على الحُكم الرّبضيّ عام 206هـ، وكان الشِّعر حينها يُنظَم من قِبل الأتقياء من الشُّعراء، ويُشيرُ الدّكتور إحسان إلى أنّهم كانوا يُضيفون إلى أشعارهم شيئاً من المُفردات التي تُدين أنظمة الحُكم وقتها، واستدلّ الدكتور في كلامه إلى ما قاله المراكشيّ عند تناوله موقف الزُّهاد من النّظام الرّبضيّ للحُكم، وبعد ظهور شِعر الزُّهد في القرن الثّاني، وتطوّره في مراحل لاحقة؛ نتيجة مجموعةٍ من العوامل التي تتعلّق بالجوانب السّياسيّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة، برز شُعراء الزُّهد، ويظهر هذا في تسلسُل مواضيع الأشعار بحسب العامل المؤثر فيها، فكانت الأشعار بدايةً تتناول الحديث عن النّفس البشريّة، والحياة، والحُكّام، وتقّلب الأحوال، ثمّ انتقلت إلى جانب الموعظة إلى أمور الدُّنيا، والحثّ على العبادة، وطاعة الله، وفيما يأتي أهمّ العوامل المؤثّرة في ظهور الزُّهد:
إنّ لهذا العامل أشكالاً وأصنافاً من السّلوكيات التي ترتبط به، ومنها: الانشغال بأمور الحياة، والبذخ خاصّةً في الطّبقات الحاكمة، وظهور الّلهو في المجالس، والشّراب، وانتشار السّرقات، والفساد في البيوع، وغيرها من الأمور التي شهدها العصر العباسيّ، والتي ساهمت بدورها في ظهور مجموعةٍ جعلوا لأنفُسهم قراراً خاصّاً تجاهها، فنبذوا كلّ الغايات الدُّنيويّة، وطالبوا بالعودة إلى الالتزام بالدِّين، والقيم الإسلاميّة العُليا، بالإضافة إلى اتّباع نهج الرّسول -صلى الله عليه وسلّم-، والصّحابة -رضوان الله عليهم-.
يتمثّل العامل الثقافيّ باختلاط العرب المُسلمين بعد القرنين الثّاني والثّالث في الحياة الفكريّة والثّقافيّة للدوّل المُختلفة مع الاطّلاع على ثقافتهم، مثل: اليونانيّة، والفارسيّة، والهنديّة، بالإضافة إلى ظهور حركات التّحرّر والفتوحات، والتّرجمة، ودخول المُسلمين في مراحل تُعنى بالأبحاث والعلوم، وبسبب انحياز كلّ ثقافةٍ إلى رأيها نشأت الفلسفة، ما أدى إلى ظهور حالة من الاندماج بين الفلسفات الغربيّة والعربيّة وحضاراتهم، ممّا مهّد طريقاً للزُّهاّد ليستفيدوا من هذه الحركة الفِكرية والثّقافيّة؛ لتكون زاداً لهم في كتابة أشعارهم الرّوحيّة المليئة بالعِبرة والموعِظة.
يعتمد هذا العامل على اتّخاد العزلة سبيلاً للابتعاد عن كلّ ما هو محظورٌ أو حرامٌ؛ حِفاظاً على أنفسهم وتحلِّياً بالعِفة، فذهب منهم إلى مناطق خالية؛ خشية ارتكاب المعاصي، إلا أنّ ذلك لم يمنعهم من ممارسة أعمالهم، أو أن يخرجوا للجهاد إذا تطلّب ذلك، ومن الأسباب التي جعلتهم يتّخذون هذا نهجاً لهم: الخوف ممّا ذُكِر في القرآن الكريم عن اليوم الآخر وعذاب جهنّم، والشّعور بالحُزن والهمّ بعد ارتكاب المعاصي، ليقضوا حياتهم في التّوبة والاستغفار.
يمتلك شعر الزّهد العديد من الخصائص التي تعكس مواضيعه وجمالياته العامة، ومن أهمّ ما يميز أتباع هذا المنهج التزامهم بمنهج دينيّ مستقيم، رافضين الدنيا وشهواتها، ويذكر من خصائص شعر الزهد ما يأتي:
دعِ الحِرص على الدّنيا
ولا تجمعْ مِنَ المال
أَنْســاكَ مَحْياكَ المماتا
وَثِقْـتَ بالدُّنيا وأَنْــ
هَـلْ فِيهما لكَ عِبْـرةٌ
يا من رأى أبَوَيهِ فيـ
الحمد و النعمة لك
ثمّ ذكر مَسلمة بعد ذلك أنّه لو فعل وكتب بأسلوب أبي العتاهية لكتب عشرة آلف بيت، ثمّ أتبعَ قوله بأبيات مليئة بالمُفردات الصّعبة، وهي:
موفٍ على مُهجٍ في يوم ذي رَهَجٍ
إلّا أنّ أبي العتاهية ردّ عليه قائلاً: " قل مثل قولي، أقل مثل قولك".
يا عجباً كُلُّنا يَحيد عن الحنين
كأنّ حيّاً قد قام نادِبُه
حسبُك ما تبتغيه القُوت
الفقر فيما جاوز الكِفافا
فيما يلي بعض الأمثلة والمواقف التي استدعت شعراء الزهد قول بعض الأبيات:
إنّما الدُّنيا غُرور كُلُّها
أدعوك ربّي كما أمرت تضرُّعاً
الصّمت أزين بالفتى
والصّدق أجمل بالفتى
أرى أُناساً بأدنى الدّين قد قنعوا
هبْ أنّك قد ملكت الأرض طرّاً
أليس غداً مصيرك جوف تربٍ
يا غافلاً ترنو بعيني راقد
تصل الذنوب الى الذنوب وترتجي
ولو قدّم أحزم في أمره
ينقسم شُعراء الزُّهْد إلى قسمين، وذلك بحسب تطرُّق الزُّهد إلى حياتهم، وهما: الشُّعراء الزّاهدون منذ نشأتهم، مثل: عبد الله بن المبارك، ومحمّد بن كناسه، ومحمود الورّاق، والإمام الشّافعي، والخليل بن أحمد، والقسم الثاني فهم الشُّعراء الزّاهدون التّائبون بعد المُجون، يُذكر منهم: أبو العتاهية، وأدام بن عبد العزيز، وأبو نوّاس، ومحمّد بن يسير الرّياشيّ.
هي أكثر الشّاعرات الزّاهدات شُهرةً، وتتميّز برِقة مشاعر الحُبّ الإلهيّ، وعُذوبة ألفاظه الذي تنقله إلى أشعارها، فتصف الخالق بأنّه حبيبُها مع دوام مُناجاتها له، وأنّ خاطرها مشغول به دائماً، كما أنّه الوحيد الذي يعلم بما في قلبها، وتؤكّد رابعة من خلال شِعرها أنّ قلبها مُتعلّق بالذّات الإلهيّة، وكان هذا نهجُها في الزُّهد، فهي تتعمّق في محبّة الخالق محبّة ينشأ معها اتّصال روحيّ بالله، فهي وإن جلست في حضرة النّاس، بقي قلبُها مع الله، وقد مهدت رابعة للتجديد في الشعر الصوفيّ، ومن أشعارها:
أحبّكَ حُبّيْن حُبَّ الهَوى
فأمّا الذي هو حُبُّ الهَوى
وأمّا الذي أنتَ أهل له
فلا الحمدُ في ذا وذاكَ لي
هو من الشُّعراء الذين تحوّلوا من شِعر الغزل إلى شِعر الزُّهد والتّصوّف؛ لأسباب اجتماعيّة، وشخصيّة، ويذكر أبو سلمة الغنوي أنّه سأل أبو العتاهية عن سبب تحوّله إلى الزُّهد، فأخبره أنّه عندما قال أبياتاً في الغزل، حلُم حُلُماً أشعره أنّ ما يقوم به معصية للخالق، وتاب من حينها عن قول الغزل، وكانت أبياتهُ تلك:
الله بيني وبين ومولاتي
منحتها مُهجتي وخالصتي
هيمنها حُبّها وصيّرني
نظم أبو العتاهية في الزُّهد قصيدة طّويلة يكشف فيها تجربة الحبّ التي مرّ بها، وكيف كانت سبباً في تغيُّره، وتظهر فيها فلسفته في الحياة بعد الذي ذاقه منها، ويتضّح جليّاً العزم في كلامه، والمشاعر الصّادقة، وممّا قال فيها:
قطعت منك حبائل الأمالِ
و يئست أن أُبقي لشيء نلت ممّا
فوجدت برد اليأس بين جوانحي
ولئن يئست لرُبّ بَرْقةِ خُلَّبٍ
ما كان أشأم، إذ رجاؤك قاتلي
فالآن يا دنيا عرفتك فاذهبي
والآن صار لي الزمان مؤدباً
والآن أبصرت السّبيل إلى الهدى
ولقد أقام لي المشيب نعاته
ولقد رأيت الموت يبرق سيفه
ولقد رأيت عُرا الحياة تخرّمت
ولقد رأيت على الفناء أدلة
وإذا اعتبرت رأيت خطب حوادث
وإذا تناسبت الرّجال، فما أرى
من أكثر شُعراء الزُّهد الذي اشتُهِروا بزُهدهم وورعهم، فكان يُقبِل سنة إلى الحجّ، ثمّ سنة إلى الجهاد، وقال فيه سُفيان الثّوري: "لو جهدت جهدي أن أكون في السّنة ثلاثة أيّام على ما عليه ابن المبارك لن أقدر". وكان ممّن يُضرب المَثل فيهم بأنّهم لا يفصلون الحياة العامّة عن الزُّهد، فكان يعمل بالتّجارة، ويُنفق الكثير من أرباحه على أصحاب الحاجة من فقراء وطُلّاب العلم، وهذا لم يمنعه من الابتعاد والخلوة مع نفسه، وله أشعار تسيل رِقّة وحُسناً وفصاحةً سواء كان ذلك بالألفاظ أو المعاني، ويُبغِض في أشعاره متاع الحياة الدُّنيا الزّائل وملاهيها، والتّذكير بالآخرة، كما أظهر جانباً للدُّعاة الذين يعفّون أنفسهم عن المناصب الدّوليّة، بالإضافة إلى الجمع بين العبادة والجهاد والموازنة بينهما، فيرى أنّ كِلاهما يُقدّمان شيئاً لله، فالعابد دُموعه، والمُجاهد دماؤه، ومن أشعاره:
ياعابد الحرمين لو أبصرتنا
من كان يخضب جيده بدموعه
أو كان يُتعب خيله في باطل
هو الحسن بن هاني، وهو من الشُّعراء الذين سبق لهم المُجون والاستهانة بأمور الدّين قبل تحوّلهم للزُّهد؛ إذ تم اتّهامه بالزّندقة، وبعقيدته حتّى سُجن في عهد الرّشيد والأمين أكثر من مرّة، وبعد شعوره بالذّنب حِيال ما قام به في ريعان شبابه تاب إلى الله، وطلب المغفرة منه، وهذا ما جعل أشعاره غارقة في الشّعور بالنّدم والذّنب، فكان بذلك المُوجد لقواعد شِعر النّدم والتّوبة والاستغفار، كما يستخدم في أشعاره أسلوباً عقليّاً مُقنعاً فيما يطرحه، ومن أشعاره في هذا الباب:
أراك يزيدك الإثراء شوقاً
تظلّ على الغنى أبداً حريصاً
وأغنى منك ذو طمرين راضٍ