اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قضّی الإمام الشيخ محمد الخالصي (1888-1963م) سبعة وعشرين سنة (1922-1949) من حياته منفياً في ايران وعاش في عدة مدن من مدنها بدءاً من طهران، ثم خراسان، فتويسـركان ونهاوند، فكاشان، فيزد، واحتك بالشعب الإيراني بمختلف صنوفه، علمائه وملوكه ووزرائه وأشرافه وسياسييه وعسكره وأحزابه وإعلامييه ومثقفيه وعامته وسوقته بل وحتی نزلاء سجونه، فخبره وشخّص داءه ووصف دواءه وميّز ما يصلحه مما يفسده، كما ورد مفصلاً في مذكرات المؤلف «في سبيل الله» وباقي تأليفاته التي نحيل اليها تجنّباً للإطالة.
وعندما فارق المؤلف إيران واستقرّ في بلده العراق، تسارعت الأحداث فيها وحصلت «فتنة» شبّهت الحق بالباطل ولم يؤمَن شرها علی إيران، فتصدى لها الإمام الخالصي الذي عُرف بنصحه للمسلمين، وإنارة الدرب لهم، عملاً بما عهد الله به علی العلماء أن لا یُقارّوا عَلى کِظَّةِ ظالِمٍ وَلا سَغَبِ مَظلوم، وإظهار علمهم، وقولهم الحق، دون أن يخافوا في الله لومة لائم. وهذه الفتنة هي تشريع الملك الإيراني (الشاه) محمد رضا البهلوي قانون «الإصلاحات الأرضية (الزراعية)» عام 1962م، باسم «الثورة البيضاء»، فاعترض بعض علماء ايران علی تلك الإصلاحات وألّبوا الشارع ضدها وعارضوها جملة وتفصيلاً دون ترشيد لها، لكن الخالصي صدى لها لغرض الترشيد والتوعية.
ويعزو المؤلف هذه الفتنة الی جهل طرفي النزاع؛ «الملك الإيراني» و «المعممين الإيرانيين» وأوجز ذلك بعبارات مقتضبة قال فيها: «أتى الشاه بجهل، وقاومَه المعممون بجهل، وضاعت الحقيقة بين الجهلين، وقُتل خلق كثير! وأصرَّ الشاه علی تنفيذ جهله، والعلماء علی بثِّ جهلهم» وقد أطلق المؤلف في الغالب لفظ «المعمّمين» علی الفئة الثانية لكي يميزهم عن علماء الدين، ولا يختلط علی القارئ حالهم، لأن هذه الفئة تنسب نفسها لعلماء الدين وتتزيا بزيّهم دون أن تكلّف نفسها عناء التفقه في الدين والبحث في القرآن والسنّة وباقي مصادر التشريع الإسلامي لتستنبط الأحكام الشرعية، حسب مقتضيات الزمان والمكان وضروراتها. وقد تعمّد حكام ايران وخاصة الملِكين الإيرانيين رضا البهلوي وابنه محمد رضا (الشاه) تشجيع انتشار ظاهرة المعممين التقليديين الجاهلين المتحجرين من الذين لا يفقهون فلسفة الأحكام الشرعية، ونسبهم الی علماء الدين للتشنيع عليهم وتضعيف موقف علماء الدين الحقيقيين، ويؤيد هذا الواقع قمعهما للعلماء الواعين وتحجيمهم طوال حكمهما لإيران، وما قاساه منهما الإمام الشيخ محمد الخالـصي خلال (27) عاماً من تواجده في ايران يُعدّ تجسيداً يسيراً لتلك السياسة.
وقد أفرد المؤلف حساب «علماء الدين» و «المجتهدين» ومكانتهم السامية، وضرورة الإستعانة بهم لتقديم الاستشارات الدينية للشاه وتمحيص القوانين كي لا تتعارض مع الشـريعة الإسلامية، عن «المعممين» فقال في نهاية الكتاب: «وإذا أراد الشاه إصلاحاً، فعليه ان يرجع إلی المجتهدين الاتقياء الأبرار، العالمين بالكتاب والسنة وبأحكام الفقه ويشكل منهم مشاورين، يعرض عليهم مقترحاته، فما صوّبوه أقرّه، وماردّوه ردّه».
وقد زاد في حراجة موقف الإمام الخالصي فيما أورده في كتاب «فتنة الجهل في ايران» وملخصه «شرر فتنة الجهل» (هذا الكتاب) وقوفه وحيداً - تقريباً- ضد شريحة واسعة من أمثال هؤلاء المعممين، دون أن يعزب عن فكره الثاقب تبعات ذلك من استغلال الشاه لهذا الموقف لصالحه ضد المعممين، أو استياء المعممين من موقفه الناصح، ويقول في ذلك: «لم يلقَ أحد أذىً من أحد كما لقيتُ أنا من شاه ايران مدة ثلاثين سنة، ولو أردت الانتقام لكان هذا الوقت أنسب الأوقات! ولكن يتوقف هذا الإقدام علی إخفاء الحق، لأن علماء الدين - كما يزعمون- خالفوا الشرع مخالفة ولو خالفتُ أنا الشاه لأعنتهم علی مخالفتهم، وذلك مما يُغضب الله ورسوله. والمؤمن بالله يجب أن يَغضب في الله، ويرضى في الله، ولا يجعل الباطل ذريعة للتشفّي. وما أنا والانتقام؟ غايتي رضوان الله، وأسأله أن يمُنَّ عليّ به». ولم يعزب عنه أيضاً ما قد يلاقيه من مصاعب من أجل قول الحق في هذا المقام، وتأليب الرأي العام ضدّه، فقال: «أقول كلمتي هذه، وربما نفعَت عدواً لي، أو أفقدتني صديقاً، وما عليَّ إذا كان الحق في ذلك! فالحق أحق أن يُتّبَع...».
كما تناول المؤلف أيضاً في هذا الكتاب الأحكام الفقهية للأراضي في الإسلام بأقسامها الثلاثة (المفتوحة عنوة، والتي أسلم عليها أهلها طوعاً، والأنفال) وتناول مقترحات الملك الايراني الستة؛ (الأرض، الغابات، جيش الثقافة، بيع المصانع، إشراك العمال في الأرباح، تعديل قانون الإنتخابات، والمرأة) بالبحث والجرح والتعديل وبيان الصواب منها كي لا يكون كتابه مجرد نقد بلا حلول.
أرسل الشيخ محمد الخالصي نسخة من مخطوطة «شرر فتنة الجهل في ايران» الی الأستاذ حيدرعلي قلمداران(( )) في ايران والمعروف بشجاعته ودأبه علی ترجمة العديد من تأليفات الخالصي، لترجمتها الی اللغة الفارسية، فقام بترجمتها ونشر قسم منها فيما يخص مظاهر الجهل التي يمارسها بعض العوام بلا اعتراض من علماء الدين، في نهاية ترجمة وصية الإمام الخالصي، وصدرت في كتاب تحت عنوان (آيا اينان مسلمانند؟) أي؛ «هل هؤلاء مسلمون؟». صدر الكتاب في مدينة قم المتشددة عام 1966م بعد ثلاث سنوات من وفاة المؤلف، وبالرغم من إحجام «قلمداران» عن نشر ترجمة الكتاب كاملاً تجنباً لردود فعل المعممين المتحجّرين الذين انتقدهم الخالصـي في كتابه، إلا أن الكتاب ومؤلفه ومترجمه لم يسلموا من أمثال هؤلاء المعممين الذين سلقوا الخالصي بألسنة حداد، وأصبح ذريعة للتشكيك بعقائد المؤلف والتشنيع عليه. يقول المترجم الأستاذ قلمداران في الصفحة (99) من ترجمته: «ألّف المرحوم العلامة آية الله الخالصي رضوان الله عليه في الأشهر الأخيرة من حياته الكريمة كتاباً باللغة العربية حول الثورة الإيرانية( ) أسماه «شرر فتنة الجهل في ايران» ومن منطلق حسن ظنّه بي كمترجم وتقديره لي أرسله الي لطبعه باللغة الفارسية أو العربية، ولا أری من المصلحة في الوقت الراهن نشره كاملاً، وقد ترجمتُه باسم «ايران در آتش ناداني» (ايران في نار الجهل)، وقد تضمّن الكتاب مواضيع في الردّ علی البدع الموجودة. ننشر للقراء في هذه الصفحات ما ورد في الكتاب حول الخرافات المنتشـرة للأسف في المراكز الدينية الإسلامية كالنجف الأشرف وسائر المعاهد الدينية، وسننشر الكتاب كاملاً عند اقتضاء الضرورة إن شاء الله».
وفي نفس الكتاب استشكل الإمام الخالصي أيضاً علی الخرافات المنتشرة في المراكز الدينية غير الشيعية مثل مكة والمدينة ومصر. يقول سماحته في الصفحة (9) من مخطوطة «شرر فتنة الجهل في ايران» مترجماً عن اللغة الفارسية ما نصه: «حضرتُ الی صلاة الجمعة في مكة، وجلست لاستمع الی خطيب الحرم المكي وكيف يدعو الی الإسلام، فلما ارتقى المنبر وإذا به يهذي بأمور شتی، نفّر فيها حوالي مليون مستمع في مكة ومئات الملايين ممن استمعوا الی الخطيب السعودي عبر المذياع من الإسلام! ومن جملة ما قال: إن الله ينزل من السماء الدنيا لاستقبال ضيوفه الحجاج!! ... ولا شك ان تبعة ذلك تقع علی عاتق الخطيب السعودي ورئيسه محمد بن ابراهيم ومحب الدين الخطيب في مصر وعلی أمثالهم».
ولم يكن همّ الشيخ الخالصي في كتابه انتقاد الشاه والمعمّمين بل قدم لهم الحلول الناجعة بعد أن نقد رأي الفريقين، ويقول في آخر عبارة من هذا الكتاب: «وعلی جميع المسلمين أن يطالبوا بإجراء أحكام الشريعة، وصدّ مَن لا أهلية له عن التدخل في أمور المسلمين، وبذلك تتقدم ايران أكبر خطوات، نحو الرُّقي والإصلاح الذي قررته الشريعة».
وبدوره يقول حسنعلي حدّادي ناشر الكتاب: « منذ طفولتي وبدافع الفطرة وأنا مولع بالقضايا الدينية... دون أن يروي غليلي منها شيء، حتى وقعت لحسن الحظ بيديّ قبل حوالي عشـرين سنة تأليفات العلامة الجليل الشهير المرحوم آية الله الخالصي رضوان الله عليه، فتركت أثراً طيباً في نفـسي، وكنتُ في الواقع قد عثرت علی ضالتي، لأن الكثير من العادات والتقاليد التي تجري في بلادي باسم الدين، هي ليست من الإسلام، بل ويدينها الإسلام، وهذه حقيقة يمكن الوقوف عليها في تأليفات العلامة الخالصـي... ولقد غمرتني السعادة بأن صاحبته في سفره للحج، ووفّقتُ لالتزام ركابه، فأفشيتُ بحضرة أبي الروحي ما كان يختلج ضميري ساعات من خلواتي، وطلبتُ منه حلّ ما استشكل من المسائل الدينية، فغمرني ذلك المحيط العظيم بعطفه، عندها عرفتُ حقيقة الدين، وها أنا وقد رأيت طوال حياتي رجلاً واحداً عالماً مؤمناً بكل ما تعنية الكلمة من معنى، عاهدتُ الله على أن لا أدّخر جهداً لنشر الحقائق التي كُشفت لي - ما استطعتُ الی ذلك سبيلاً- موقناً بأن سعادة جميع المسلمين، بل العالم بأسره رهن اتّباع هذه الحقائق...».
وقد حصل مركز وثائق الإمام الخالصي علی نسخة خطية من كتاب (شرر فتنة الجهل) في طهران من نجل المؤلف سماحة الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي عندما كان فيها، وهي عبارة عن أوراق حجم (A4) مكتوبة في (36) صفحة علی وجه واحد دون تاريخ وبخط اليد، ليس خط المؤلف، وهذا طبيعي إذ إن الشيخ لم يكتب بيده في نهايات حياته، وإنما كان يملي علی طلبته. لكننا توقفنا عن نشرها خلال السنوات الماضية للتأكد من أصالتها وانتسابها الی المؤلف، وقد ثبت ذلك من خلال القرائن، فقد وردت مواصفات المخطوطة في كتاب «مخطوطات خزانة جامعة مدينة العلم للإمام الخالـصي الكبير في الكاظمية» لحميد مجيد هدو، في الفقرة (16-16) صفحة (251) منطبقة علی الكراس، لذا قرر «مركز وثائق الإمام الخالـصي» نشـرها للمرة الأولی، بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة المؤلف، بهدف إكمال مصادر المكتبة الخالصية، وإطلاع القراء الكرام علی الأفكار الإصلاحية التي حملها الإمام الشيخ محمد الخالصي وبثّها بين المسلمين.