اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان إسكندر بك قد استغلَّ انشغال السُلطان مُراد بِمُحاربة الصليبيين وانكسار العُثمانيين في بضعة وقعات، كما أُسلف، فكشف عن نواياه الحقيقيَّة وأظهر ما ما يكُنُّه صدره، فانسحب مع 300 من جُنُوده الأرناؤوطيين، بُعيد هزيمة العُثمانيين في معركة نيش بِأُسبُوعٍ واحد، وقيل قبل نُشُوب المعركة بِفترةٍ وجيزة، واستولى على مدينة آقچة حصار من أعمال الأرناؤوط الشماليَّة، وألزم باشكاتب السُلطان على أن يمضي لهُ أمرًا بِتوجيه إدارة المدينة المذكورة إليه، وأخذ هذا الأمر المُزوَّر بعد أن قتل مُمضيه خوفًا من إفشاء سرِّه وسار إلى تلك المدينة ودخلها بعد أن أبرز الوثيقة إلى صاحب القلعة، ثُمَّ قتل كُل المُسلمين فيها، واستدعى إليه رُؤساء قبائل الأرناؤوط، واجتمع بهم في كنيسة القدِّيس نقولا في بلدة ليجه، التي كانت تحت إدارة البنادقة، وأظهر لهم مشروعه وهو استخلاص البلاد من يد العُثمانيين، فوافقه أغلبهم على ذلك وأمدُّوه بِالمال والرجال، فسار معهم وطرد الحاميات العُثمانيَّة من مُعظم أنحاء البلاد، وبسط نُفُوذه على شمالها. بعد ذلك ارتدَّ إسكندر بك عن الإسلام إلى المسيحيَّة، وعاد إلى اسمه السابق أي جرجس كستريو، رُغم أنَّهُ بقي مشهورًا باسمه الإسلامي. وفي يوم الإثنين 12 ربيع الأوَّل 848هـ المُوافق فيه 29 حُزيران (يونيو) 1444م، التقى إسكندر بك بِعلي بك بن أفرنوس في أوَّل معركةٍ له ضدَّ القُوَّات العُثمانيَّة، في قرية «تورفيوللي» بِجوار مدينة دبرة، ومع أنَّهُ خسر في هذه المعركة نحو أربعة آلاف مُقاتل، فإنَّهُ نجا من الموت؛ وعدَّ الأرناؤوطيين هذه النجاة انتصارًا. وفي 9 رجب 849هـ المُوافق فيه 10 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1445م، تقدَّم جيشٌ عُثمانيٌّ آخر تراوح تعداده بين 9,000 و15,000 جُندي بِقيادة فيروز باشا، لِقتال إسكندر بك الذي وسَّع نطاق غاراته حتَّى بلغت أطراف مقدونيا، فأدرك الجواسيس الأرناؤوطيين هذا التحرُّك العسكري وأعلموا إسكندر بك، فما كان منه إلَّا أن استدرج العُثمانيين إلى وادي يعقوبجه وسدَّ مُعظم معابره، ثُمَّ انقضَّ عليهم بِرجاله فقتل منهم نحو 1,500 رجُل من بينهم فيروز باشا. وفي 7 رجب 850هـ المُوافق فيه 27 أيلول (سپتمبر) 1446م، دفع السُلطان بِجيشٍ آخر لِقتال إسكندر بك وإعادته إلى الطاعة، لكنَّه انتصر عليه أيضًا.
ولمَّا فرغ السُلطان مُراد من المورة، واستتبَّ الأمن في بلاد اليونان، جمع جيشًا جرَّارًا وتوجَّه بِنفسه لِقمع الثائر الأرناؤوطي بعد أن تجاوز الحد في العصيان والتمرُّد، واستصحب معهُ في هذه الغزوة ولده الشاهزاده مُحمَّد، فسار واستردَّ من إسكندر بك بعض المُدن المُهمَّة، مثل «قوجه جق»، ثُمَّ حاصرة قاعدته آقچة حصار شهرين، وقاتل المحصورين أشدَّ قتال، ثُمَّ قطع مياههم، فاشتدَّ الأمر عليهم وطلبوا الأمان من السُلطان، وسلَّموه المدينة سلمًا. ولم يتمكَّن السُلطان من القبض على إسكندر بك لِهُروبه واعتصامه في الجبال، كما لم يتعقَّبه أو يسترجع باقي البلاد التي استولى عليها بسبب ما بلغه من عودة الاضطرابات مع بلاد المجر.
كان يُوحنَّا هونياد، الذي أصبح وصيًّا على عرش مملكة المجر لِصغر سن ملكها لاديسلاس، قد أغار على بلاد الصرب انتقامًا من العُثمانيين لِيُعيد لِنفسه بعض ما فقد من الشرف في واقعة وارنة، وقرَّر توجيه ضربته في ذاك الوقت بِالذات للاستفادة من المُشكلة الأرناؤوطيَّة، فطلب المُساعدة من الأوروپيين ووُفّق في تشكيل قُوَّةٍ من الألمان والإيطاليين والمجريين والبوهيميين والأفلاقيين، كما انضمَّ إليه بعض الأرناؤوطيين، وكان إسكندر بك نفسه قد تعهَّد بِالالتحاق بِالجيش الصليبي الجديد، على رأس قُوَّةٍ، إلَّا أنَّ الحركة السريعة التي قام بها الجيش العُثماني وإجبارهم إسكندر بك على الهُرُوب والالتجاء إلى الجبال، لم تمنح أي فُرصة لِتحقيق ذلك. توغَّل هونياد في بلاد الصرب حتَّى وصل إلى سهل قوصوه (كوسوڤو)، وأمل أثناء توغُّله بِمُساعدة الصربيين له، غير أنَّ جُريج برانكوڤيچ رفض الاستجابة إلى نداء التعاون والمُساعدة الذي وُجِّه إليه، وظلَّ أمينًا على قسمه الذي أعطاه لِمُراد الثاني سابقًا، وحذَّره من قيام حلفٍ صليبيٍّ ضدَّه، فارتدَّ السُلطان إلى صوب صوفيا واستنفر أُمراء الروملِّي، وكذلك أرسل إلى أُمراء الأناضول يأمرهم بإرسال الجُنُود إلى الجانب الأوروپي، ومن الجدير بِالذكر أنَّ الأمير القرماني إبراهيم بك بن مُحمَّد أرسل قُوَّات مُساندة لِلعُثمانيين دون أن يُطلب منه ذلك. وصل عدد أفراد الجيش العُثماني إلى حوالي 60,000 جُندي، بينما تراوح عدد أفراد الجيش الصليبي بين 22,000 و30,000 جُندي، وقضت خطَّة الحاكم المجري التوغُّل بعيدًا في عُمق الأراضي العُثمانيَّة لِتأمين اتصال مع حليفه إسكندر بك كي يتلقَّى مُساعدته، ورُبما لِكي يقطع المُمتلكات العُثمانيَّة في أوروپَّا إلى شطرين، وأرسل إلى أمير الأفلاق ڤلاد دراكول كي يُغير مع عساكره على أطراف نيقوپولس، فاتفق واليها مُحمَّد بك بن فيروز ومُصطفى بك بن حسن وعيسى بك بن أوزغور، فبيَّتوا عسكر الأفلاق (هاجموهم ليلًا) وأكثروا فيهم القتل والأسر، وتفرَّقت بقيَّتهم، فأرسل مُحمَّد بك جماعة من الأسرى مع رؤوس القتلى إلى ركاب السُلطان، فتفائل بِذلك السُلطان وفرح، وارتحل من صوفيا إلى جانب العدو حتَّى لقيهم في سهل قوصوه. فوجئ هونياد بِالقُوَّات العُثمانيَّة قد وصلت قبل أن تصل قُوَّات إسكندر بك، فاضطرَّ إلى دُخُول المعركة، التي دامت ما بين يومين إلى ثلاثة أيَّام. مرَّ اليوم الأوَّل، الذي صادف الخميس 18 شعبان 852هـ المُوافق فيه 17 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1448م، بِبعض المُصادمات. أمَّا في اليوم الثاني، أي الجُمُعة 19 شعبان المُوافق فيه 18 تشرين الأوَّل (أكتوبر)، فقد وقعت معركة كبيرة بدأت في ضُحوة ذلك اليوم وامتدَّت إلى الغُرُوب ولم تنقطع، فتحارب الفريقين إلى الصباح ثُمَّ إلى نصف النهار، فانكسر الأفلاقيُّون والمجريُّون انكسارًا عظيمًا، ولاذوا بِالفرار في حالةٍ بائسة، ولم يجد يُوحنَّا هونياد أمامه سوى الهرب لِلنجاة بِحياته من موتٍ مُحقق. وفي اليوم الثالث، الذي وافق السبت 20 شعبان المُوافق فيه 19 تشرين الأوَّل (أكتوبر)، دُمِّرت القُوَّات الألمانيَّة التي كانت تستند إلى المدافع، ووقع الكثير من أفرادها في الأسر. وهكذا، قُدِّر لِمُراد الثاني أن ينتصر نصرًا مُبينًا على جيشٍ صليبيٍّ في ذات الموقع الذي انتصر فيه جدُّ أبيه مُراد الأوَّل على حلفٍ صليبيٍّ آخر قبل 59 سنة. أمَّا هونياد، فقد حاول بعد المعركة أن يشُقَّ طريقه عبر نهر الطونة، فوقع في أيدي الصربيين، واضطرَّ أن يعقد صُلحًا لم يكن في مصلحته. وتجدر الإشارة إلى أنَّ حجم الآمال التي كان يُعلِّقها الصليبيُّون على وارنة أكبر بِكثير من حجم الآمال التي كانوا يُعلِّقونها على قوصوه، ولكنَّهم في كُل الأحوال قاموا بِالمُحاولة السادسة والأخيرة التي أملوا منها إخراج المُسلمين من البلقان، وذلك أنَّهم تحوَّلوا بعدها إلى موقف المُدافع وليس المُهاجم، وقد توقَّفت أوروپَّا بعد واقعة قوصوه الثانية لِعُصُورٍ طويلة عن التفكير في إخراج العُثمانيين من جنوب الطونة.
نتج عن انتصار مُراد الثاني سيطرته على شبه جزيرة البلقان بِكاملها تقريبًا، وبعد أن فتح مدينة آرتا في سنة 853هـ المُوافقة لِسنة 1449م، لم يبقَ عليه سوى القضاء على إسكندر بك المُتحصِّن في الجبال الغربيَّة مع ثُوَّاره، فعاد لمُحاربته واصطحب معه وليّ عهده مُحمَّد، وحاصرا مدينة آقچة حصار لِلمرَّة الثانية في 2 ربيع الآخر 854هـ المُوافق فيه 14 أيَّار (مايو) 1450م. دام الحصار العُثماني لِلمدينة المذكورة خمسة أشهر، دافعت خلالها حامية المدينة دفاعًا شرسًا عن مواقعها. ويُذكر أنَّهُ بِالإضافة إلى الأرناؤوطيين، كان هُناك مُرتزقةٌ ألمان وفرنسيين وإنگليز وصربيين يُدافعون عن القلعة، وكان معهم ثلاثون مدفعًا تُستخدم بِإدارةٍ فرنسيَّة، وتولَّى قيادتهم كونتًا نبلطانيًّا يُدعى «أورانا». قصف العُثمانيُّون أسوار المدينة بِمدافعهم، التي تزن قذيفتها قنطارين، طيلة الأشهر الخمس، لكنَّهم عجزوا عن فتحها، ولعلَّ سبب ذلك هو: موقع المدينة المُستحكم، إذ كانت تقع على تلَّةٍ مُرتفعة، وضعف الجُيُوش العُثمانيَّة التي أنهكتها الحُرُوب المُتواصلة، وقُرب حُلُول فصل الشتاء، كما وردت أنباء تُفيد باستعداد القُوَّات المجريَّة لِلقيام بِهُجُومٍ جديدٍ على الأراضي العُثمانيَّة. لِذلك، عرض السُلطان مُراد الصُلح على إسكندر بك مُقابل الاعتراف به أميرًا على بلاد الأرناؤوط لِقاء جزيةٍ سنويَّةٍ يدفعها لِلدولة العُثمانيَّة. لكنَّ إسكندر بك رفض عرض الصُلح، على الرُغم من أنَّهُ كان يُعاني من انفضاض زُعماء القبائل من حوله بِسبب سياسته المركزيَّة، كما لم ينجح في كسب تأييد البنادقة، فاضطرَّ مُراد الثاني أن يرفع الحصار في أواخر رمضان المُوافق لِأواخر تشرين الأوَّل (أكتوبر)، وعاد إلى أدرنة عاصمة ممالكه لِيُجهِّز جُيُوشًا جديدة كافية لِقمع هذا الثائر، لكنَّ الأجل كان لهُ بِالمرصاد.