English  

كتب سقوط بغداد

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

بعد سُقوط بغداد (معلومة)


خُروج الناس من مخابئهم

كان من بقي على قيد الحياة من أهالي بغداد قد أصبح في أسوأ حال، بعد أن مضى عليهم أربعين يومًا مُختبئين في الأقنية والمجاري تحت الأرض، ولمَّا نُودي بِبغداد بِالأمان خرج من كان تحت الأرض بِالمطامير والقُنيِّ والمغاير، كأنَّهم الموتى إذا نُبشوا من قُبورهم، وبلغ من هول صدمة الناس وخوفهم أن أنكروا بعضهم بعضًا، فلم يعرف الوالد ولدهُ، ولا الأخ أخاه، وظلَّوا على تلك الحال فترةً من الوقت حتَّى أدركوا نهاية محنتهم، فبادروا إلى دفن الضحايا المُتناثرين، وطهَّروا الطُرق من جُثث القتلى والحيوانات النافقة وفتحوا الأسواق من جديد.

ترتيبات المغول

أقرَّ المغول ابن العُلقُمي وعددًا من رجال الخليفة على مناصبهم، فأبقوا الأخير في منصب الوزارة، وأرسلوا فخر الدين الدامغاني لِيكون صاحب الديوان وجعلوا علي بهادُر شحنة لها وعينوا المُحتسبين لمراقبة المقاييس والأوزان ونصبوا عمادُ الدين عُمر القزويني نائبًا للأمير قراتاي وهو الذي عمَّر مسجد الخليفة ومشهد موسى الجوَّاد، وكذلك نُصب نجمُ الدين أبو جعفر أحمد بن عُمران الملقب بِـ«راست دل» واليًا على أعمال شرقيّ بغداد مثل طريق خُراسان والخالص البندنيجين، وأمر هولاكو بِأن يكون نظامُ الدين عبد المنعم البندنيجي قاضيًا للقُضاة واختار کوکه إیلگه وبوقا تيمور ومعهُما ثلاثة آلاف من فُرسان المغول وبعث بهم إلى بغداد لِيقوموا بالعمارة في الحال وليعملوا على استتاب الأمن. كما أقرُّوا بدرُ الدين لؤلؤ على إمارة الموصل، وفي يوم الخميس التاسع والعشرين من صفر حضر إلى الدركاة شرفُ الدين ابن الوزير ابن العُلقُمي ومعهُ صاحب الديوان لِتلقي التعليمات ثم عادا وفي يوم الجُمُعة الثالث من العشرين رحل هُولاكو ونزل بقية الشيخ مكارم، ومن هُناك كان يسير مرحلة بعد مرحلة إلى أن بلغ معسكراته في خانقين. وينقل ابن كثير أنَّ ابن العُلقُمي كان يعتزم تعطيل المدارس والمساجد والرُبط السُنيَّة بِبغداد، ويستمر بالمشاهد والمدارس الشيعيَّة فحسب، وأراد أن يبني للشيعة مدرسةٌ ينشُرون بها عُلومهم الفقهيَّة، لكنَّهُ لم يتمكَّن من ذلك، إذ لم يُعمِّر بعدها كثيرًا، فمات في مُستهل جُمادى الآخرة بعد شُهُورٍ يسيرةٍ من سُقوط بغداد، وخلفه ابنه في منصبه، لكنَّهُ مات أيضًا قبل انقضاء العام. وبعد سنةٍ عيَّن هولاكو عطاء الملك الجُويني حاكمًا على بغداد وجنوب العراق ومحافظة خوزستان.

انتشار الأوبئة والأمراض

رُغم اختلاف التقديرات حول عدد القتلى في بغداد إلَّا أنَّهُ من المُتفق أنَّها كانت أعدادًا ضخمةً جدًا، وقد تناثرت الجُثث في الطُرقُات كأنها التُّلُولُ، ثُمَّ تساقطت عليهم الأمطار فتغيَّرت صُورتهم، وأنتنت المدينة من جيفهم، وتغيَّر الهواء، واضطر هولاكو أن ينقل مُخيمه من المدينة بِسبب رائحة العُفونة التي انطلقت من جيف القتلى. وحصل بِسبب ذلك وباءٌ شديد حتَّى تعَدَّى وسرى في الهواء إِلى الشَّام، فمات خلقٌ كثيرٌ من تغيُّر الجوِّ وفسادِ الرِّيحِ في حلب ودمشق. يقولُ ابن كثير في هذا المجال: «فَاجْتَمَعَ عَلَى النَّاسِ الْغَلَاءُ وَالْوَبَاءُ وَالْفِنَاءُ وَالطَّعْنُ وَالطَّاعُونُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ». وسُرعان ما أُصيب بالوباء الكثير من الأشخاص الذين نجوا من المذبحة، فماتوا هم أيضًا. ويُقال أنَّ هولاكو كان قد عقد العزم على إحراق بغداد عن بُكرة أبيها قبل أن يُغادرها لِكثرة ما أنتن جوُّها وبعد أن لم يبقى فيها من معالم الحضارة والعمران إلَّا اليسير، لكنَّ كتبغا نصحهُ ألَّا يفعل لأنَّ بغداد مدينة كبيرة ومقصد التُجَّار من كُل حدبٍ وصوب، ويُمكنُها أن تأتي للمغول بالأموال الطائلة، فصرف هولاكو النظر عن إحراقها.

التحضير لِغزو الشَّام ومصر

  • طالع أيضًا: غزوات المغول للشام
  • معركة عين جالوت

بعد الانتهاء من بغداد، عاد هولاكو إلى خانقين للتجهيز لغزو الشَّام، وهُناك استقبل رُسُل النَّاصر يُوسُف الأيُّوبي صاحب حلب يسأله مُعاونته على غزو مصر للانتقام من المماليك الذين انتزعوا البلاد من الأيُّوبيين، على الرُغم من أنَّ الصُلح كان قائمًا بين الطرفين بِدعمٍ من الخليفة العبَّاسي المُستعصم، الذي كان قبل الغزو المغولي قد أرسل رسولًا إلى النَّاصر يُوسُف يأمُرهُ بِمُصالحة الملك المُعز أيبك وأن يتفقا على حرب المغول. ويبدو أنَّ موجة الرُعب التي أثارتها أخبارُ المغول ووحشيَّتهم جعلت الطرفين يستجيبان في سُهولةٍ لِدعوة الخليفة المُستعصم، فتمَّ الصُلح بِشرط أن يكون لِلمماليك مصر حتَّى نهرُ الأُردُن وللأيُّوبيين ما وراء ذلك من بلاد الشَّام، بِمعنى أن تستولي سلطنة المماليك على غزَّة وبيت المقدس ونابلس والسَّاحل كُلِّه فضلًا عن مصر. ولكن يبدو أنَّهُ كان لِسُقوط بغداد أثرٌ كبيرٌ في جعل الناصر يُوسُف يعدل عن الصُلح ويطمع في استرجاع مصر، فدعا هولاكو إلى التعاون. وكان أن استجاب هولاكو لِتلك الدعوة، وقرَّر إرسال قُوَّة من عشرين ألف فارس إلى الشَّام، ولم يلبث المغول أن زحفوا من العراق على الشَّام، فانتقلوا في سُرعةٍ مُذهلةٍ من ديار بكر إلى آمُد يُريدون حلب. ولم يُوفَّق المُسلمون في الدفاع عن حلب فدخلها المغول وقتلوا ونهبوا وسلبوا وفعلوا عادة فعلهم. وهُنا أفاق النَّاصر يُوسُف لِحقيقة خطر المغول، فأرسل إلى قريبه المُغيث عُمر صاحب الكرك والمُظفَّر قُطُز صاحب مصر يطلب منهُما النجدة السريعة. على أنَّهُ يبدو أنَّ كثيرًا من الأُمراء بالشَّام خافوا عاقبة مُقاومة المغول ونادوا بِأنَّهُ لا فائدة من تلك المُقاومة، فأخذ الأمير زينُ الدين الحافظي يُعظِّم من شأن هولاكو وأيَّد مبدأ الاستسلام له، ولكنَّ الأمير رُكن الدين بيبرس البندقداري - أحد أُمراء المماليك البحريَّة بالشَّام - لم يُعجبه ذلك القول، فقام وسبَّهُ وضربه وقال له: «أَنْتُمُ سَبَبُ هَلَاكُ المُسْلِمِيْن!» ولم يرضَ بيبرس ومن معهُ من البحريَّة عن مسلك الناصر يُوسُف وأُمراء الشَّام، فساروا إلى غزَّة، وأرسل بيبرس إلى السُلطان قُطُز يعرض عليه توحيد جُهود المُسلمين ضدَّ خطر المغول. وفي الحال استجاب قُطُز للدعوة، فأرسل إلى بيبرس يطلب منهُ القُدوم، واستقبلهُ بِدار الوزارة وأقطعهُ قليوب وأعمالها.

اضطربت أحوالُ الشَّام نتيجةً لِغزو المغول، إذ لم يمضِ على استيلاء هولاكو على حلب ستة عشر يومًا حتَّى أخذ في الزحف على دمشق، فدخلها المغول ونهبوها، ثُمَّ ساروا إلى بعلبك واتجهت طائفةٌ منهم إلى غزَّة، وخربوا بانياس وأسعروا البلاد حربًا وملأوها قتلًا ونهبًا. ولم يلبث أن وصل إلى قُطُز بِمصر خطاب تهديد من هولاكو يطلب منهُ التسليم ويقُولُ له: «يَعلَمُ المَلِكُ المُظَفَّرُ قُطُز وَسَائِرَ أُمَرَاءَ دَوْلَتِهِ وَأَهلَ مَملَكَتِهِ بِالدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الأَعمَالِ، أَنَّا نَحنُ جُندَ الله فِي أَرضِهِ، خَلَقَنَا مِن سَخطِهِ وَسَلطِهِ عَلَى مَن حَلَّ بِهِ غَضَبِهِ... فَاتَّعِظُوا بِغَيْرِكُمُ.. فَنَحْنُ لَا نَرْحَمُ مَن بَكَى وَلَا نَرُقُّ لِمَن شَكَى...». وختم رسالتهُ بِقصيدةٍ جاء في مطلعها:

ولكنَّ قُطُز لم يجبن أمام ذلك التهديد، فقتل رُسُل المغول وعلَّق رُؤوسهم على باب زويلة، فكانت أوَّل من عُلِّق على باب زويلة من رؤوس المغول. ولمَّا وجد قُطُز أنَّ بعض الأُمراء مُترددون في الخُروج لِحرب المغول صاح فيهم: «يَا أُمَرَاءَ المُسْلِمِين! لَكُم زَمَانٌ تَأكُلُونَ أَموَالَ بَيْتِ المَالِ وَأَنتُم لِلغُزاةِ كَارِهُون؟ أَنَا مُتَوَجِّهٌ فَمَن اخْتَارَ الجِهَادَ يَصْحَبُنِي وَمَن لَم يِخْتَر ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى بَيْتِهِ فَإِنَّ الله مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَخَطِيئةُ حَرِيْمُِ المُسْلِمِينِ فِي رِكَابِ المُتَأَخِرِين!» وهكذا التقى المغول بِجيش المماليك من مصر والشَّام يوم 25 رمضان 658 هـ المُوافق فيه 3 أيلول (سپتمبر) 1260م في عين جالوت الحاسمة التي أوقفت زحف المغول في الشرق الأوسط، وكانت البداية نحو تحريره من الهيمنة المغوليَّة.

بداية غُروب شمس الحضارة الإسلاميَّة

كان لِسُقوط بغداد دويٌّ هائلٌ وعميقٌ في مُختلف أنحاء العالم الإسلامي. واهتزَّ الحُكَّام المُسلمون في المناطق المُجاورة لِهذا الحدث الجلل. واعتبر المُسلمون في كُلِّ مكان، أنَّ سُقوط الخلافة العبَّاسيَّة صدمةٌ مُريعة، وتحديًا مُخيفًا، كان لهُ أسوأ الأثر في نُفوسهم. فعلى الرُغم من أنَّ الخِلافة ظلَّت مُنذُ زمنٍ طويلٍ تفقدُ قدرًا كبيرًا من سُلطتها الماديَّة، فإنَّ مكانتها الأدبيَّة والروحيَّة لا زالت قويَّة. فبكى بغداد الكثير من المُؤرخين والباحثين والعُلماء، منهم ابن الأثير الذي قال: «لَقَد بَقِيتُ عِدَّة سِنِينَ مُعرِضًا عَن ذِكرِ هَذِه الحَادِثَة اسْتِعْظَامًا لَهَا، كَارِهًا لِذِكرِهَا، فَأَنَا أُقَدِّمُ إِلَيهِ رِجلًا وَأُؤَخّّرُ أُخرى، فَمَن الذِي يَسهُلُ عَلَيهِ أَن يَكتُبَ نَعيَ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ؟ وَمَن الذِي يَهُونُ عَلَيهِ ذِكرُ ذلِكَ؟ فَيَا لَيْتَ أُمِّي لَم تَلِدُنِي، وَيَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبلَ حُدُوثَهَا وَكُنتُ نَسيًا مَنسيًّا». وعبَّر عن هذا الألم تقيُّ الدين إسماعيل التنوخي في قصيدةٍ مشهورة من 66 بيتٍ قال فيها:

وما حدث من استئصال الأُسرة العبَّاسيَّة وتدمير العاصمة، جعل خِلافة المُسلمين شاغرة يتطلَّع إليها كُل زعيمٍ طموحٍ من المُسلمين. فحاول البعض أن يتبوَّأ هذا المنصب لكنَّهُ فشل، ويبدو أنَّ الناصر يُوسُف صاحب حلب ودمشق فكَّر في الإقدام على إحياء الخلافة العبَّاسيَّة عقب سُقوط بغداد، من خلال استقطاب أحد أبناء البيت العبَّاسي الفارِّين من وجه المغول، فيُعلنه خليفةً في الشَّام. لكن سُرعة تطوُّر الأحداث، عقب قيام دولة المماليك البحريَّة، وبُروز الخطر المغولي، لم يُمكناه من تحقيق ذلك. ونهج المُظفَّر قُطُز نهج الناصر في التفكير، ذلك بأنَّهُ علم، حين قدم دمشق بعد معركة عين جالوت، بِوُجود أميرٍ عبَّاسيٍّ يُدعى أبا العبَّاس أحمد، قد وصل أخيرًا إلى دمشق، فأمر بِإرساله إلى مصر تمهيدًا لِإعادته إلى بغداد. وتذكر بعض الروايات أنَّ المُظفَّر بايع فعلًا هذا الخليفة وهو في دمشق، غير أنَّ حادثة اغتياله حالت دون تنفيذ هذا المشروع. وقد شاءت الظُروف أن يكون تنفيذ هذا المشروع على يد الظاهر بيبرس الذي شعر بِشدَّة تأثُّر المُسلمين بِسُقوط بغداد وخُلو منصب الخِلافة من خليفةٍ يكونُ لهُ المقام الروحيّ المرموق، وأصبح الوضع يتطلَّب أن ينهض زعيم إسلامي طموح يعمل على إعادة إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة لِتؤدي دورها القيادي الروحي في العالم الإسلامي، فوقع اختيارهُ على أميرٍ عبَّاسيٍّ آخر هو أبو القاسم أحمد، فأحضره إلى القاهرة واستقبلهُ استقبالًا حافلًا وبُويع بالخلافة صباح يوم الاثنين 13 رجب 659 هـ المُوافق فيه 15 حُزيران (يونيو) 1261م، وتلقَّب بِلقب «المُستنصر لله»، على أنَّهُ لم يرجع إلى بغداد حيث أضحت قاعدةً للحُكم المغولي، كما رأى بيبرس أنَّ إبقاء الخليفة في القاهرة من شأنه أن يجعل من الخِلافة سندًا للسلطنة المملوكيَّة ودعمًا روحيًّا لها يجعلها مهيبة الجانب.

وبناءً على هذا، فقدت بغداد قيمتها ومكانتها بعد أن دُمِّرت معالمها ولم تعد حاضرة الخِلافة، ولم يبقَ في ذهن المُسلمين سوى ذكراها وأخبار عظمتها ومجدها، ويشهد بذلك الرحَّآلة ابن بطوطة الذي زارها خِلال شهر حُزيران (يونيو) سنة 1327م، ووصفها قائلًا: «ذَهَبَ رَسْمُهَا وَلَم يَبْقَ إلَِّا إِسْمُهَا. وَهِيَ بِالإِضَافَةِ إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ قَبْلَ إِنْحَاءَ الحَوَادِثِ عَلَيْهَا وَالْتِفَاتِ أَعْيُنِ النَّوائِبِ إِلَيْهَا كَالطُلَلِ الدَّارِس، أَو تِمْثَالِ الخَيَالِ الشَّاخِص، فَلَا حُسْنَ فِيْهَا يَسْتَوقِفُ البَصَر، وَيَسْتَدْعِي مِنَ المُسْتَوفِزِ الغَفْلَةَ وَالنَّظَر، إِلَّا دِجْلَتَهَا الَتِي هِيَ بَيْنَ شَرْقِيِّهَا وَغَرْبِيِّهَا...». ولقد شكَّل سُقوطُ بغداد ضربةً قويَّةً ِللحضارة والثقافة، فقد كانت هذه المدينة مركزًا هامًّا لِلعُلوم والآداب والفُنون، وغنيَّة بِعُلمائها وأُدبائها وفلاسفتها وشُعرائها. فلمَّا حلَّت بهم النكبة على أيدي المغول، قُتل آلافٌ من العُلماء والشُعراء، وفرَّ من نجا منهم إلى الشَّام ومصر، كما أُحرقت المكتبات، وخُرِّبت المدارس والمعاهد، وقُضي على الآثار الإسلاميَّة. ويعتقد بعض المُؤرخين بأنَّ غزو المغول أثَّر كثيرًا على البُنية التحتيَّة لِأنظمة الري في العراق التي تواجدت مُنذ حضارات ما بين النهرين قبل آلاف السنين. فقد سُدَّت قنوات الري كتكتيكٍ عسكريّ، كما خُرِّبت سُدود وأنهار ونُظم إسقاء، ولم تُرمم بعد ذلك، مما تسبب في مقتل كثيرين أو هجرهم لأراضيهم، يقول المُؤرِّخ والباحث ستيڤن همسلي لونغريك في هذا المجال:

«العراق قبل سنة 1258 كان مُختلفًا جدًا عن عراق الحاضر. حيث اعتمدت أنظمة الزراعة على شبكة ري عُمرها آلاف السنين. وكانت بغداد من أفضل المراكز الفكريَّة بِالعالم. وتدميرُ المغول لِبغداد كانت ضربة معنوية لِلإسلام بحيثُ من القُوَّة لم تسترد عافيتها، الإسلام تحوَّل فكريًّا وازدادت الصراعات ما بين الدين والفكر وأصبح الدين أكثر تحفُظًا. باستباحة بغداد ذبُل النشاط الفكري. تخيَّل أثينا بمجدها وأرسطوها قد أُزيلت ومُحيت بقُنبُلةٍ نوويَّة فلنتخيل فداحة الضربة. ملأ المغول قنوات الري وأفرغوا العراق من السُّكَّان.»

ابتهج العالم المسيحي بالنصر المغولي على المُسلمين في بغداد، ورحَّب المُلوك والأباطرة والأُمراء النصارى المشرقيين بِهُولاكو وزوجته النسطوريَّة، أمَّا النصارى الغربيين الكاثوليك فعلى الرُغم من سُرورهم بِسُقوط حاضرة الخِلافة الإسلاميَّة، إلَّا أنَّهم آثروا البقاء على الحياد لمَّا رأوا من قسوة المغول ونهبهم مدينة صيدا التابعة لِهيمنتهم وكذلك انتظارًا لِنتائج الحرب بين المماليك والمغول، وأيضًا بِسبب التجربة السابقة بين الصليبيين والمغول، عندما أرسل البابا إنوسنت الرابع سفارةً إلى الخاقان كيوك خان يعرض عليه التعاون ضدَّ المُسلمين ويدعوه إلى اعتناق المسيحيَّة، فردَّ عليه الأخير أن يجمع أُمراء الغرب الأوروپي جميعًا لِيأتوا إلى مغولستان لِتقديم فُروض الولاء والطاعة للخاقان، وبعد ذلك يبدأ التعاون، وبالطبع رفض مُلوك أوروپَّا الغربيَّة هذا الطلب وتوجسوا خوفًا من جبروت المغول. تعرَّضت وحدة العالم الإسلامي لِضربةٍ قاسية، وأضحت وحدة المُسلمين من الأُمور التي يصعب أو حتَّى يستحيل تحقيقها، بعد أن خضع كثيرٌ من الحُكَّام المُسلمين لِلمغول مثل الأتابك سعد بن أبي بكر، وأتابك فارس، والسُلطانين عزُّ الدين كيكاوس بن كيخسرو وأخيه رُكن الدين قلج أرسلان بن كيخسرو حاكميّ دولة سلاجقة الروم. ويُشيرُ بعض المُؤرخين الإيرانيين المُعاصرين إلى أنَّ الغزو المغوليّ لِبغداد وإسقاط الخِلافة العبَّاسيَّة كان بداية «استقلال» إيران وانفصالها عن التأثير العربي القوي الذي بدأ مُنذ أيَّام الفُتوحات وُصولًا إلى العهد المغولي، على أنَّ الهويَّة الإيرانيَّة لم تتبلور تمامًا وتنفصل عن الهويَّة العربيَّة الإسلاميَّة إلَّا في عهد الشاه إسماعيل الصفوي.

المصدر: wikipedia.org
 
(1)
بغداد

بغداد

 

 
(1)
بغداد

بغداد