English  

كتب سبب موت المتنبي

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

سبب موت المتنبي (معلومة)


تختلف الروايات حول مقتل المتنبي، وعن الأسباب التي أدّت إلى ذلك، ومن المسؤول الأول عن مقتله، فمن الرواة من يذهب إلى القول بأن معز الدولة البويهي هو المسؤول عن مقتل المتنبي؛ لأنه أظهر استخفافاً به وبوزيره المهلبي، ولم يمدحهما حين وفد عليهما، بل حرّض ضدهم، واستهزأ بالعجم؛ الأمر الذي جعل معز الدولة البويهي يتربص به السوء، ويستعين بفاتك الأسدي؛ للتخلص منه، وهناك من ذهب إلى أنّ القرامطة هم الذين قتلوا الشاعر، لأنّه ارتدّ عن عقيدته القرمطية التي كان قد اعتنقها في صباه أمثال طه حسين. وفيما يلي عرض لأحداث يُعتقد بأنها السبب وراء مقتله.


كافور الأخشيدي وعلاقته بموت المتنبي

بعد أن التقى المتنبي بسيف الدولة الحمداني أمير حلب أقام عنده وأصبح شاعره المفضل، وكان كثير المدح له، غير أنه كان كلما أحس بالجفاء من سيف الدولة قال شعراً يشعر السامع بأنه ندّ له، وذلك كقوله:

ليعلمُ الجمعُ ممن لمّ مجلسنا

بأنني خير من تسعى به قدمُ

فحدثت فجوة بينه وبين سيف الدولة؛ بسبب الحاسدين الذين كانوا يترصدون الإيقاع به ليبعدوه عنه، فعزم الرحيل إلى مصر بعد تسع سنوات أمضاها بقرب سيف الدولة، وقال:

إِذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا

أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بِهِ

وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ

وكانت مصر آنذاك تحت حكم كافور الإخشيدي، فتوجه إليها يحمل آماله ببلوغ المجد، فوعده كافور بولاية من الولايات، لكنه لم يوفِ بوعده، فهجره المتنبي، وهجاه هجاءً لاذعاً بقصيدته الدالية المشهورة بقوله:

لاتشتري العبد إلا والعصا معه

إن العبيد لأنجاس مناكيد


فغضب كافور من المتنبي، وأرسل بعضهم في أثره كي يأسروه أو يقتلوه، ولكنهم فشلوا في ذلك، وقد ذكر الأستاذ محمد محمود شاكر أنّ مقتل المتنبي كان عبارة عن مؤامرة خطّط لها كافور بالتعاون مع البويهيين في العراق، وعلى رأسهم عضد الدولة، وذلك حتى قبل هجائه له، بسبب خوفه من أطماعه في ملك مصر، فبذل في سبيل ذلك الكثير من الأموال، فكيف لا يسعى إلى قتله ويبذل المزيد من المال بعد أن بلغه هجاءه له، وبذلك تمّ التخطيط لقتله بالاستعانة ببني أسد للقيام بهذه المهمة.


عضد الدولة وعلاقته بموت المتنبي

كان عضد الدولة أميراً على شيراز، وأديباً وشاعراً. سمع عن المتنبي وأحبّ لقاءه، وسعى إلى ذلك، فأرسل إلى وزيره ابن العميد في أرجان يطلب منه أن يدعو المتنبي ليأتي إليه، وبعد الإلحاح توجّه الشاعر إلى شيراز قاصداً بلاط عضد الدولة، فنظم المتنبي أثناء إقامته قصائد في مدح عضد الدولة، باستثناء واحدة كانت لتعزيته بوفاة عمته، وقد أغدق الأمير على المتنبي الهبات والأموال، وبعد ثلاثة أشهر من إقامته عزم على الرحيل، فقرأ على عضد الدولة ديوانه، وأنشده قصيدة الوداع، والتي شكر فيها الأمير، وأظهر رغبته في العودة إليه، بقوله:

أروح وقد ختمت على فؤادي

بحبك أن يحل به سواكا

وقد حملتني شكراً طويلاً

ثقيلاً لا أطيق به حراكا


غادر الشاعر شيراز في الثامن من شعبان متوجّهاً إلى الكوفة، وقد أخبر بعض الرواة إلى أن لعضد الدولة يد في مقتل المتنبي، منها تلك التي تقول إنّ عضد الدولة كان قد وهب المتنبي ثلاثة آلاف دينار، وثلاثة أفراس مزينة، فدس أحدهم ليسأل المتنبي عن عطاياه، وأيها أجزل عطاياه أم عطايا سيف الدولة الحمداني، فأجاب المتنبي: (إن سيف الدولة كان يعطي طبعاً، وعضد الدولة يعطي تطبّعاً)، فغضب عضد الدولة وأمر بقتله، وفي رواية أخرى تذكر أن عضد الدولة قال: إن المتنبي كان جيد الشعر بالغرب، فلما بلغ هذا المتنبي قال: الشعر على قدر البقاع، وقد نقد النقاد هاتين الروايتين، لاستبعاد أن يذم المتنبي رجلاً أكرمه وأحاطه بحفاوة كبيرة.


كما يؤكد فريق آخر من الباحثين أنّ عضد الدولة هو الرأس المدبر لمؤامرة قتل المتنبي، وذلك بسبب اعتزاز الشاعر بعروبته وحبه للعرب، وبسبب شعره الذي تناول به الحكام العجم بالسوء وقوله فيهم ما يعيبهم، فاتخذ عضد الدولة من حادثة فاتك الأسدي ذريعة تبعد عنه الشبهات، وكانت عطاياه التي وهبها للمتنبي حين كان في ضيافته وسيلةً ليثبت بها بأن لا علاقة له بمقتل ضيفه الذي أكرمه، أما الرواية التي تبرئ عضد الدولة من دم المتنبي، فهي تلك التي تقول: إن عضد الدولة كان قد أرسل بعض جلسائه إلى المتنبي وقال له: (سله كيف شاهد مجلسنا وأين الأمراء الذين لقيهم منا) فأجابه المتنبي قائلاً: (ما خدمت عيناي قلبي كاليوم)، ورأى النقاد أن مثل هذا القول أجدر أن يصدر عن المتنبي، ودليلاً على رضاه عن إقامته عند عضد الدولة، وعن امتنانه لرجل لقيه بالحفاوة والتكريم.


المصدر: mawdoo3.com