اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
توفيَّ يزيد بن عبد الملك في أواخر شهر شعبان من سنة 105 هـ (يناير سنة 724 م)، وكان قد وَصَّى بالخلافة من بعده لأخيه هشام، فابنه الوليد. كان هشام بن عبد الملك - على عكس أخيه الذي سبقه - خليفة قوياً ذا خبرة وحنكة سياسية، وأدار الدولة بكفاءة عالية، وقد تمكن من الحفاظ على استقرارها طيلة عهده الطويل. وعلى الرُّغم من عدم حدوث فتوحات كبيرة في عهده بضمِّ أراض جديدة للدولة - كتلك في عهد الوليد - فقد كانت الغزوات واسعة جداً، وكان القتال محتدماً على جبهة الشرق في السند وما وراء النهر والشمال في الأناضول والقوقاز والغرب في الأندلس وجنوب غالة (فرنسا). وعلى الرُّغم من ذلك فقد شهدَ عهد هشام بلوغ الدولة الأموية ذروة اتساعها وأقصى حدودها، التي امتدَّت من أطراف الصين شرقاً إلى جنوب فرنسا غرباً.
كان المسلمون قد بسطوا سيطرتهم على إقليم سبتمانية منذ سنة 101 هـ، وأصبحَ منذ ذلك الوقت مركزاً لهم للإغارة على مدينتي بورغندية وأقطانية في جنوب فرنسا الحالية، وقد انتصرَ عليهم دوق أقطانية في معركة طولوشة (تولوز) على أيام يزيد وقتل قائدهم عنبسة بن سحيم الكلبي، غير أن المسلمين استأنفوا القتال بعدَ أن عين عبد الرحمن الغافقي والياً جديداً للأندلس، والذي قادهم على رأس جيش من 8,000 جندي سنة 112 هـ (730 م)، فنهبوا بونة وفرضوا الجزية على سان وفتحوا أبينيون. وقد تابع المسلمون تقدمهم، فانطلق عبد الرحمن على رأس جيش سنة 112 هـ وفتح برديل (بوردو) فأقطانية وبرديل وغيرها، وفي النهاية خاض معركة بلاط الشهداء سنة 114 هـ (732 م) التي انهزم فيها المسلمون، ولم يُتابعوا زحفهم، فوصلت بذلك فتوحات الأمويين في المغرب أقصاها في عهد هشام، وظلَّ المسلمون محتفظين بحدودهم هذه بجنوب بلاد الفرنجة (عندَ سفوح جبال البرانس الشمالية) حتى سنة 181 هـ.
استمرَّت الغزوات والصوائف والشواتي ضد البيزنطيين في عهد هشام بن عبد الملك كما كانت الحال طوال العهد الأموي، غير أن هذه الغزوات - كالعادة أيضاً - لم تغير حدود الدولتين الأموية والبيزنطية. وقد قطعت صائفة سنة 107 هـ البحر إلى جزيرة قبرص، وفتحَ مسلمة بن عبد الملك مدينة قيصرية سنة 108 هـ، ووصلَ سعيد وسليمان بن هشام إليها أيضاً في سنة 111 هـ، وقد نجحَ الثاني في هزم قسطنطين وأسره خلال الغزوة. وفي البحر الأبيض المتوسط غزا أمير أفريقية «حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع» جزيرة صقلية وفتح بها مدينة سرقوسة سنة 121 هـ، كما غزا عبيد الله بن الحبحاب جزيرة سردينيا سنة 117 هـ وتمكن من السطيرة على قلعتها. غزا المسلمون أيضاً منطقة أرمينيا والقوقاز مراراً وتكراراً في عهد هشام، حيث غزاها الحجاج بن عبد الملك بداية وفرضَ عليها الجزية، غير أن غزوها أعيد بعدَ نقضها العهد مرات كثيرة، فقد حدث ذلك في سنة 110 هـ، ثم 112 هـ، ثم 113 هـ، فقتلَ ابن خاقان الترك في الأخيرة، فتوجَّه لقتال المسلمين انتقاماً لابنه سنة 114 هـ غير أنه هزم، ثم نقض العهد مجدداً سنة 117 هـ فغزاهم المسلمون مجدداً، ثم تكرَّر الأمر ذاته سنة 120 هـ، وأخيراً غزى مروان بن محمد بلاد السرير سنة 121 هـ وفرض عليها الجزية، كما شهدَ ذلك العام وفاة مسلمة بن عبد الملك بعد أن قاتل بشدة لعقود ضد الأتراك والبينزطيين.
وعلى جبهة الشرق استمرَّت الغزوات طوال الوقت لكن دون تحقيق فتوحات كبيرة، فقد غزى المسلمون فرغانة سنة 106 هـ، ثم بلاد الجبل وجبال هراة وبلاد الختل، غير أن أهل الأخيرة نقضوا العهد فأعيد غزوها سنة 112 هـ، فرد سكانها بالأتراك بأن جاءوا وغزوا سمرقند فاقتتل معهم المسلمون قتالاً شديداً وانتصروا عليهم. وأعيد غزو بلاد الختل سنة 119 هـ وقُتلَ ملكها «بدر طرخان»، كما قتل ملك الترك سنة 120 هـ. وقد غزى المسلمون ما وراء النهر ثلاث مرات سنة 121 هـ وفرغانة مرتين سنة 123 هـ.
لم تتوقف ثورات الخوارج في عهد هشام كما كانت الحال في أغلب فترة حكم الأمويين، وكان من أبرز ثوراتهم عليه ثورة «شبيب بن صحاري» الذي قُتلَ في معركة بالعراق سنة 119 هـ، كما شهدت السنة نفسها ثورة في الجزيرة، وشهدَ عهد هشام أيضاً ثورتين في المغرب وثالثة في الأندلس للخوارج. غير أن أكبر الثورات في عهده على الإطلاق كانت ثورة زيد بن علي بن الحسين. وقد بدأت ثورته بأن أرسلَ إليه أهل الكوفة يقولون له: «إنا لنرجو أن تكون المنصور وأن يَكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية». فردَّ عليهم: «إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلتكم بأبي وجدي». لكنه استجابَ لهم على الرغم من ذلك وأعلنَ الثورة على هشام سنة 121 هـ وبايعه 15,000 رجل، وكانت تلك أول ثورة للشيعة منذ عهد مروان بن الحكم. وقد أمرَ هشام والي الكوفة «يوسف بن عمر الثقفي» بإخماد الثورة، فتوجَّه إلى زيد بن علي، وهُنا انفضَّ عنه أغلب من بايعه فلم يبقى ممن كان معه سوى 200 رجل، وقد هُزمَ وقُتلَ زيد في المعركة، ومع ذلك فقد حزنَ هشام على موته لكرهه سفك الدماء.