اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لقد اعتبرت الدراسات الاستشراقية، وتابعها كثير من المؤرخين العرب، قيام الدويلات في العصر العباسي الثاني سبباً لانتعاش الحركة الفكرية والحضارية في العالم الإسلامي، وقد بولغ في ذلك؛ إذ كيف يكون ضياع وحدة العالم الإسلامي السياسية عاملاً في تقدمه الحضاري؛ حتى كأننا نرسب في عقول الأجيال الإسلامية أن التمزق السياسي له مزايا من حيث يدري أو لا يدري.
ألا ينبغي دراسة الأسباب وفق القوانين الاجتماعية وسنن نشأة الدول وارتقائها وضعفها؟ الدورة التاريخية كما يشرحها ابن خلدون. أو عوامل ازدهار الحضارة وضمورها وفق عوامل التحدي كما يطرحها توينبي. وإذا كنَّا لا نقبل هذين التفسيرين في تعليل تاريخ الحضارة الإسلامية. فلماذا لا نعود إلى التصور الإسلامي المنبثق عن القرآن والسنة للتعرف على أسباب انهيار الحضارات التاريخية .. وتطبيق ذلك على الدولة العباسية؟
لذا التراث بحاجة إلى نظرية شاملة للتفسير التاريخي. وقد آن الأوان لدراسة التاريخ دراسة علمية بعيدة عن الارتجال.
ويعتقد بأن التنظير في العصر العباسي كان عاجزاً عن مواكبة التقدم، وأن تغذية الجمهور بمعاني الوحدة كان ضعيفاً .. بمعنى تخلف الفكر السياسي عن مواكبة الأحداث، رغم تميزه عن الفكر السياسي الوضعي باستقائه من الوحي. لكن المهم أن تسري معاني الوحي في القلوب والعقول؛ فتتشرب الشعوب بالوحدة وتحافظ عليها من منطلق العقيدة، وتقاوم عوامل التجزئة والتشرذم التي تقف وراءها الأنانية الفردية والجماعية بنزعاتها المحلية.
وبالطبع عند الكلام عن تخلف الفكر السياسي وخاصة في التنظيم فينبغي أن لا ننطلق من مفاهيم ونظم القرن العشرين. وإنما تتم المقارنة مع الكيانات الأخرى المعاصرة للعباسيين، مثل: الدولة البيزنطية والصين.
وأيضاً فإن التجربة الإنسانية لها دور كبير في استيعاب مفاهيم الوحي الإلهي من ناحية، وفي إيجاد الوسائل الكفيلة باستمرار تأثير الوحي على الحياة من ناحية أخرى.
ومن هنا فمن الخطأ في نقد الوضع السياسي في العصر العباسي أن يقاس بدول القرن العشرين مثلاً. فوسائل الاتصال والانضباط الآن أقوى بكثير منها في العصور الذهبية الإسلامية، والعصور الوسطى الأوروبية، ولا يتنافى هذا القول مع خيرية القرون الأولى فهي خيرية التقوى، وتَمَثُّل روح الإسلام في الواقع بصورة لا يمكن بلوغها في الأعصر اللاحقة من حيث (النوعية)؛ ولكن يمكن تحقيقها بنطاق كمي أوسع بحكم قوة وسائل الاتصال التي تقدمت كثيراً. وبحكم نمو التجربة الإنسانية أو الرشد الإنساني المستمر؛ والذي سيلتقي في نهاية المطاف مع الوحي الإلهي في جوانب كثيرة.
وعلى وجه التحديد:
لعل من أهم ما يظنه العديد من المؤرخين من إيجابيات ظهور الدويلات هو نمو الحركة الفكرية؛ بسبب التنافس على العلماء وتقديم الإغراء المادي لهم للالتحاق بهذه الدويلة أو تلك!
ولكن هل كان التمزق السياسي هو الوسيلة الوحيدة لإنعاش الفكر؟ وهل تخلف الفكر عندما كانت الدولة واحدة في العصر الذهبي؟ وهل ظهرت مدارس الفقه المتنوعة إلاَّ في العصر الذهبي؟ وهذا الازدهار ينطبق على مجالات الحركة الفكرية الأخرى.
إن ما حدث من ازدهار فكري في القرن الرابع الهجري هو ثمرة طبيعية للتطور التاريخي للحركة الفكرية، وكان يمكن أن يكون الازدهار أعظم لو صاحبته الوحدة السياسية، فلا يمكن لأجواء الفتن والحروب الداخلية وما تتطلب من نفقات اقتصادية وبشرية أن تدفع للازدهار الفكري .. إن الإسلام يوحد الطاقات الداخلية ويصَرِّفها في حركة الجهاد . .
فهل كان لضعف حركة الجهاد أثر في نمو الحركات الانفصالية؟ ربما لم يكن استنهاض الأمة يتم بالقدر الكافي لمواجهة العالم الخارجي؛ ويرجع ذلك إلى غياب الوعي أو ضعفه أو عجز وسائل الاتصال المتاحة آنذاك عن توجيه الأمة في العالم الإسلامي الفسيح.
إن الوحدة الإسلامية تقوم أساساً على بناء شخصية المواطن المسلم، وتعميق انتمائه للأمة الإسلامية، وتجاوزه للوطنية والإقليمية والقومية وتمايزه عن الأممية والعالمية.
والتعليم هو الوسيلة لصياغة هذه الشخصية، وإذا كان التعليم في المراحل الابتدائية والثانوية يغرس الإرث الثقافي للأمة؛ فإن التعليم الجامعي يبلور ذلك ويفلسفه بسبب الارتقاء العقلي للطالب وازدياد قدرته على التجريد.
إن المطلوب من الجامعات الإسلامية إذَنْ أن تُقَوِّي في نفوس طلابها الانتماء لأمة الإسلام، وَتُكَوِّن شخصياتهم وثقافاتهم وفقاً للعقيدة والشريعة.
وقد كان التعليم الإسلامي في حلقات المساجد وبيوت العلماء في القرون الخمسة الأولى للهجرة ناجحاً في هذه المهمة؛ فرسخ العقيدة والشريعة ونشر اللغة العربية في ما بين وراء النهر وطنجة ... فهل تقوى الجامعات الإسلامية ـ وإمكاناتها أكبر من إمكانات العلماء في القرون الأولى .. والتحديات أمامها أخطر أيضا ً ـ هل تقوى على صياغة الشخصية وتحقيق الانتماء إلى الأمة الإسلامية؟