اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان وراء بُروز ظاهرة التنبؤ عدَّة أسباب، منها ما هو سياسيّ ومنها ما هو اجتماعيّ واقتصاديّ. فالمناطق التي انطلق منها المُتنبِئون، كانت أكثر مناطق شبه الجزيرة العربيَّة تحضُّرًا وأضخمُها ثروةً، كما كانت مُجاورةً لأراضي الفُرس الساسانيين، أو كان للفُرس فيها نُفوذ. وقد اعتمد المُتنبِئون على الناحية العصبيَّة، وبخاصَّةً ما كان بين اليمنيَّة والمضريَّة من عداوة راسخة الجُذور، بالإضافة إلى التنافُس بين ربيعة ومَضَر. ويرتبط بالعصبيَّة القبليَّة ما ينتج عنها من تحاسُدٍ وتنافُسٍ بين القبائل العربيَّة والتَّسابق في ادِّعاء النُبُوَّة. إذ أنَّ النجاح الذي حقَّقهُ النبيُّ في حياته، والمكانةُ التي وصلت إليها قُريش في شبه الجزيرة العربيَّة، عند وفاته، غدت مثار حسد كافَّة القبائل العربيَّة، ولم تلبث أن أضحت سيرةُ النبيِّ مثلًا يُحتذى لِتحقيق نوعٍ من الأهميَّة والزَّعامة في مُجتمعٍ يُمجِّدُ الأبطال. والواضح أنَّ كثيرًا من الأفراد في المُجتمع العربيّ كانوا طُلَّاب زعامة ورئاسة، فأرادوا الاقتداء بالنبيّ لِتحقيق تطلُّعاتهم، فحاولوا التشبُّه به في ما أوحي إليه من القُرآن، فأتوا بِعباراتٍ مسجوعة مُفكَّكة المعاني، ركيكة المضمون وقالوها على مسمعٍ من قومهم.
تفجَّرت ظاهرة التنبؤ في بلادٍ وعلى أيدي أفرادٍ عرفوا المسيحيَّة وسمعوا بها، أو اعتنقوها أو اشتهروا بالكهانة. فقد ساد شبه الجزيرة العربيَّة آنذاك باستثناء الحجاز، اضطرابٌ دينيٌّ بِفعلِ عدم استقرار العقيدة في النُفوس. فالمسيحيَّة واليهوديَّة والمجوسيَّة والوثنيَّة، تجاورت كُلَّها في ظلِّ نقاشٍ جدليٍّ في أيٍّ منها تُحقِّقُ السعادة لأتباعها، ممَّا مهَّد الطريق أمام المُتنبئين للظُهور واستقطاب النَّاس بِكلامٍ مُنمَّقٍ، وبِمظاهر يتخذونها آيات صدقهم، واستطاعوا بهذه الوسيلة أن يُحققوا نجاحًا مبدئيًّا. ذلك أنَّ المسيحيَّة انتشرت في شبه الجزيرة العربيَّة قبل الإسلام عن طريق الأحباش في الجنوب والعرب الأنباط والروم والسُريان في الشمال. وكان ملك اليمامة هوذة بن عليّ الحنفيّ نصرانيًّا أرسل إليه الرسول مُحمَّد سليط بن عمرو العامريّ يدعوه إلى الإسلام. ثُمَّ أنَّ العرب شأنهم في ذلك شأن مُعظم الشُعوب الوثنيَّة عرفوا الكهانة وبِخاصَّةً عرب الجنوب، أي قوم حِمير، ومن أبرز كهنتهم «طريفة الخبر» التي تنبأت بأخبار سد مأرب، وسُطيح الغسَّاني، وغيرهما. فادَّعى بعضُ الكُهَّان أنَّ نُفوسهم قد صفت واطَّلعت على أسرار الطبيعة، وادَّعى آخرون أنَّ الأرواح المُنفردة، وهي الجن، تُخبرهم بالأشياء قبل حُصولها. وحصل تقاربٌ بين المسيحيَّة والكهانة عند العرب في الجاهليَّة، هذا على الرُغم من أنَّ أدعياء النُبُوَّة اختلفوا عن الطرفين في اتباعهم أُسلوب النبيّ مُحمَّد في سيرته وأقواله وأفعاله، فادَّعوا أنَّهم أنبياء، وأنَّ الوحي ينزلُ عليهم، وشرَّعوا لأتباعهم، وطالبوا لأنفسهم بسيادة وزعامة عليهم.
اعتمد المُتنبئون على العامل الإقليميّ. فقد استغلَّ الأسود العنسي استياء اليمنيين من الفُرس ونُفورهم من الحجازيين، إذ كان للفُرس نُفوذٌ كبيرٌ في اليمن نتيجة زواج الجُنود الفُرس باليمانيَّات، وكان أبناء هؤلاء من أبناء الطبقة الإداريَّة المُتفوِّقة التي يستعينُ بها أهلُ اليمن، وقد حالف هؤلاء اليهود من أصحاب رؤوس الأموال، ولمَّا ضاق اليمنيّون ذرعًا بالضرائب الكثيرة المفروضة واستغلال طبقة المُرابين الذين كانوا يشترون المحاصيل قبل نُضجها بأسعارٍ مُتدنِّية، حوَّلوا غضبهم إلى الفُرس ووقفوا ضدَّ الوُجود الساساني ببلادهم. وفي هذه الأثناء كانت الدولة الإسلاميَّة قد أصبحت تُتاخم اليمن بعد أن فُتحت مكَّة سنة 8هـ المُوافقة لِسنة 630م، وأخذ عُمَّالُ الرسول مُحمَّد يصلون إلى اليمن، يُبشرون بالدين الجديد، كما أنَّ وُفودًا من أهل اليمن بدأت تتوجَّه نحو المدينة المُنوَّرة، لِتُعلن دُخولها في الإسلام لِتعود ومعها عُمَّالُ النبيّ. ويبدو أنَّ الوُجود الإسلاميّ، وجمع الزكاة، واجها مُعارضةً من قبل بعض زُعماء القبائل، وأشارت الروايات إلى وجود تحرُّكٍ مُعارضٍ في منطقة حِمير، وأنَّ الصَّحابيّ معاذ بن جبل الذي بعثهُ الرسولُ قاضيًا إلى اليمن، قاتل هؤلاء المُنتفضين وانتصر عليهم. بناءً على هذه المُستجدات، استغلَّ الأسود العنسي الظروف وكتب إلى العُمَّال المُسلمون يُنذرهم فيها أن يرُدّوا ما بأيديهم إذ أنَّه هو أولى به، وأعلن حركته الانفصاليَّة، وكانت تلك أوَّلُ ظاهرةٍ لِفتنته. وبعد أن وثق من قوَّته، هاجم مدينة نجران واستولى عليها، وانضمَّ أهلُها إليه، ثُمَّ سار إلى صنعاء ودخلها بعد أن قتل عاملها، ففرَّ المُسلمون منها ومعهم معاذ بن جبل، وأخذ العنسي يدعو إلى نفسه بعد هذه الانتصارات.
شجَّعت ثورة الأسود العنسي قبائل اليمامة وبني أسد على الاقتداء به إثر وفاة النبيّ مُحمَّد. فقد كان كُلٌّ من مُسيلمة وطُليحة يخشى قُوَّة المُسلمين المُتنامية، ويرى أنَّهُ لا قِبَل له بِمُقاومتها، لذلك لم يُعلن ثورته مُبكرًا. ولمَّا تجرَّأ الأسود العنسي على إعلان دعوته، ورفع راية العِصيان، وحاز من النجاح ما أثار مخاوف المُسلمين، اقتدت قبائل اليمامة به وشجَّعها على ذلك أنَّ النبيّ توفي في ذلك الوقت. شكَّلت ظاهرة التنبؤ إحدى الانعكاسات التي أحدثها فتحُ مكَّة، وانتشارُ الإسلام في أجزاءٍ واسعةٍ في شبه الجزيرة العربيَّة، وتوسيع نُفوذ الحُكومة المركزيَّة في المدينة المُنوَّرة. ذلك أنَّ هذا التطوُّر الإسلامي أثار عمليَّاتٍ مُشابهة، مُتوازية ومُتزامنة في أنحاءٍ مُتفرِّقة، حيثُ بدأت تنشأ تحالُفاتٍ قبليَّةٍ واسعة يتزعَّمُها أُناسٌ يدَّعون النُبُوَّة اقتداء بالنجاح الذي حقَّقهُ النبيّ مُحمَّد، أدّى فيها التطوُّر الإسلامي دور الباعث والمُحرِّك.