English  

كتب دمى محشوة بقطن أسود

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

دمى محشوة بقطن أسود (كتاب)


الليل..
الليل مرة أخرى..
السحاب والسماء والمطر..
لمْ يكن في المكان سوى الليل، والصمت الذي يتدلّى من السحاب مثل ستارٍ كثيف، السماء كانت تبدو قريبةً حد الخداع، خاليةً إلا من رمادٍ يتصاعد من حروبٍ صامتة، لكنّ رائحتها عالقة في الهواء، تذكرني بأن شيئاً ما يحترق دوماً في الداخل.
كنت أعتقد أن لكل حربٍ دخانها، ولكل خوفٍ سماؤه الخاصة، وها أنا تحت سماءٍ لا تشبه غيرها، سماءٍ جوفاء مثل دميةٍ انتُزعت عيناها، فلم تعد ترى سوى الظلام. شعرت بخوفٍ غريبٍ يسري في عروقي، خوفٍ لا أعرف مصدره، كأنني أقف على تخوم العالم، أرقب السكون وهو يتنفس بصعوبة، أنتظر شيئاً غامضاً لا يأتي. وأغرق في التأملات الصامتة.
زادت آلام رأسي حتى صارت كأنها مطرقة خفية تهوي على جمجمتي بإيقاع بطيء ومتعمد، أشعر بثقلٍ في كل شيء، في أطرافي وفي أنفاسي وحتى في الأفكار التي كانت يوماً خفيفة كالعصافير. شيء ما تغير فيّ، تغير بصمتٍ يشبه انطفاء شمعةٍ. لأول مرة، تبدو هذه الكوابيس التي تزور نومي غريبة عني، كأنها ليست امتداداً لي، تشبه كيانات دخيلة جاءت من مكانٍ لا أعرفه، لتسكن أحلامي وتعيد ترتيب خوفي على طريقتها. أحسّ أنني أنام في جسدي لكن روحي تظل مستيقظة، تراقب من بعيد ما يحدث لي وأنا أُستنزف ببطء، مثل لو أن شيئاً في داخلي يشيخ دون إذنٍ مني. في حقيقة الأمر، لستُ حزيناً، لكنني فقدتُ رغبتي وشغفي بالأشياء.
يحدث أحياناً أن أغرق في أحلامي وهبلي، يحدث أن أهب نفسي لتلك المساحات المائعة التي لا تعرف حدوداً ولا يقيناً. أحاول أن أنسى كل شيء، أن أعبر مثل فراشةٍ فوق ألسنة النار، خفيفةً، لا تبالي بالاحتراق، كأن الألم لعبة صغيرة لا تستحق الالتفات. أنام وسط ألوانٍ يخلقها قلبي ويؤثثها جنوني الخفي، ألوانٌ لا تشبه ألوان العالم الحقيقي، أكثر وهجاً وربما أكثر صدقاً، ألوان قادمة من باطن الحلم.
أراني أحياناً طفلاً صغيراً يركض في قلب قوس قزح، يسير في تيهٍ جميلٍ لا يريد له نهاية، يضحك دون سبب، ويمد يده ليلتقط، غيمةً، أو وهماً، أو دفقة فرحٍ خاطفة. أفتش عن دفء يعيدني، كما الأطفال يلهون ويلعبون، أستنشق رائحة الأرض بعد المطر، أستعيد النبض البسيط للفرح الذي لا يثقل كاهلي، وأغرق في لحظات صغيرة وصافية كما الماء العذب، أجد نفسي طفلاً مرة أخرى، قبل أن يستيقظ العالم من حوله ويستعيد قسوته الأولى.
قبل سنتين تقريباً، بدأت هذه الكوابيس تنغّص عليّ نومي، الليل صار مسرحاً لكل ما دفنته في أعماقي منذ زمن بعيد. وجوه لا أعرفها تظهر فجأة، ملامحها ضبابية، مشوَّشة. تقف أمامي في صمتٍ مريب، ثم تصيح بأصوات مرتفعةٍ تشبه الصدى أكثر مما تشبه الكلام، تدور حول نفسها في حركةٍ آليةٍ متكرّرة، كأنها سجينةُ حلمٍ لا يريد أن ينتهي. أراقبها عاجزاً، لا أستطيع الصراخ ولا الحركة، أكتفي بالتحديق في تلك الوجوه التي تتكاثر وتذوب في الظلام، فيما يتساقط مني النعاس قطرةً بعد أخرى، حتى أجدني مستيقظاً تماماً، مغمساً في العرق، كأنني خرجت لتوّي من معركةٍ لم أفهم سببها. ربما أصبح الليل أكثر كآبة من السابق.
الحلم الذي أيقظني قبل ثوانٍ كان بشعاً إلى حد يصعب وصفه. رأيتني أفقد يدي اليمنى، وكأن سكيناً حادةً فصلتها عني في غفلةٍ من الزمن. شعرتُ بالألم يندفع في جسدي كتيارٍ كهربائيٍّ صاعق، ألمٌ حقيقيٌّ لا يشبه ما نختبره في الأحلام عادةً. كان الدم يسيل من مكان القطع بغزارة، وأنا أحدّق فيه بذهولٍ يشبه البرود. لمْ أشعر بالخوف حينها بقدر ما غمرني هوسٌ غريب بالبحث عن يدي المفقودة، وأنا أصيح بصوت مرتفع: ربما أستطيع إعادتها ببساطة لو وجدتها. راح نظري يفتّش الأرض، وأصابعي المرتجفة تحاول الإمساك بالفراغ، وعندما فتحت عينيّ أخيراً، وجدت يدي اليمنى تؤلمني فعلاً، كأن الحلم ترك فيها جرحاً لا يُرى. لحظتها تساءلت بخوفٍ: كيف يمكن للألم أن يكون حقيقياً إلى هذا الحد، رغم أنه لا وجود له إلا في نومي؟ أهي كوابيسي التي صارت تعرف طريقها إلى جسدي؟ أم أنني صرت أعيش بين الحلم واليقظة دون أن أعرف أين أنتمي حقاً؟ يا لله ما هذا الجنون كله، فأنا على وشك أن أنسى كيف ينام البشر ليلاً.