اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت خطوة جنكيز خان التالية السيطرة على إقليم خوارزم، فتقدَّم في خريف سنة 617هـ المُوافقة لِسنة 1220م صوب ترمذ واستولى عليها بعد حصار، وقتل جميع سُكَّانها، وفي تلك الأثناء كان السُلطان الخوارزمي مُحمَّد خوارزمشاه يفر من أمام المغول مُتنقلًا من مكانٍ إلى آخر، فقصد نيسابور ثُمَّ توجَّه نحو عراق العجم وبسطام واجتاز الري، ثُمَّ ذهب إلى قلعة فرزين، وروادته أفكارٌ بِاللُّجوء إلى بغداد والارتماء في أحضان الخليفة العبَّاسي الذي كان عدُوِّه بِالأمس القريب علَّهُ يجد مخرجًا من المأزق الذي هو فيه، لا سيَّما وأنَّ القادة الخوارزميين انفضُّوا من حول السُلطان، كُلٌ يُريد النجاة بِنفسه بعدما رأوا شدَّة المغول ووحشيتهم، لكنَّهُ عدل عن تلك الفكرة وتوجَّه إلى إقليم مازندران جنوبيّ بحر الخزر (قزوين)، والتجأ إلى إحدى جُزُره حيثُ تمكَّن منهُ الإعياء والمرض، فتُوفي ودُفن بِالجزيرة المذكورة سنة 617هـ المُوافقة لِسنة 1220م، بعد أن عيَّن ابنه جلال الدين منكبرتي خلفًا له. أدَّت وفاة السُلطان مُحمَّد إلى مزيدٍ من التشرذم في صُفُوف الخوارزميين، فقد عارض الجيش اعتلاء جلال الدين منكبرتي العرش، ووقعت بعض المُنازعات الأُسريَّة بِخُصُوص هذا الأمر، ما دفع جنكيز خان إلى الإسراع بِإرسال ما يزيد عن مائة ألف جُندي بِقيادة ثلاثة من أبنائه هم: جوجي وجغطاي وأوقطاي، لاجتياح العاصمة الخوارزميَّة جرجانية، الواقعة قُرب دلتا نهر جيحون، فتعرَّضت لِأسوأ أنواع المحن والشدائد والقتال الضاري، واقتحمها المغول أخيرًا في شهر صفر سنة 618هـ المُوافق لِشهر نيسان (أبريل) 1221م، فقتلوا كُل الرجال وسبوا النساء والأطفال، ثُمَّ حطَّموا السد الذي يمنع ماء جيحون عن المدينة، فانسابت المياه إلى داخلها وهدَّمت الأبنية، وأغرقت من أفلت من السُكَّان أو هلك تحت الأنقاض، وساق المغول نحو مائة ألف من أصحاب الحرف والمهن إلى مغولستان. وعلى هذا الشكل سيطر المغول على إقليم خوارزم، ومنحه جنكيز خان لابنه جوجي.
أحاط المغول بِإقليم خُراسان بعد أن استولوا على بلاد ما وراء النهر وخوارزم، وكان جنكيز خان حريصًا على الاستيلاء على بقيَّة الأقاليم التي تتكوَّن منها الدولة الخوارزميَّة، ومُطاردة من بقي من زُعمائها. بعد أن استولى على ترمذ، عبر نهر جيحون وتوجَّه نحو مدينة بلخ التي استسلمت طوعًا، فأعطى جنكيز خان أهلها الأمان أولًا، ثُمَّ نكث بوعده وقتل جميع السُكَّان ودمَّر المدينة تدميرًا وأزال كُل معالم الحضارة والعُمران التي كانت في تلك البُقعة. سار جنكيز خان بعد ذلك نحو الطالقان بِهدف إخضاع المُدن الواقعة في أعالي نهر جيحون، وعهد إلى ابنه تولي خان بِمُهمَّة الاستيلاء على خُراسان، ووضع تحت أمره جيشًا مُؤلَّفًا من سبعين ألف جُندي. ولمَّا كانت الأوضاع مُضطربةً في خُراسان نتيجة وفاة السُلطان مُحمَّد الخوارزمي، فقد استغلَّ تولي هذا الأمر واستطاع أن يستولي على المُدن الثلاث الكُبرى في الإقليم المذكور، وهي: مرُّو ونيسابور وهراة، ثُمَّ لحق بوالده إلى الطالقان. ولمَّا سقطت البلاد الأخيرة بِيد المغول أضحى بِوسع جنكيز خان أن يزحف لِمُواجهة السُلطان جلال الدين منكبرتي، الذي كان يُقاتل المغول من مكانٍ إلى آخر، حتَّى وصل مدينة غزنة ورابط فيها، وتمكَّن من إنزال هزيمةٍ قاسيةٍ بِالمغول في موضعٍ يُقالُ له «بلق»، وانتقم منهم انتقامًا شديدًا لِما فعلوه بِبلاده وشعبه والمُسلمين عُمومًا، لكنَّ النزاع الذي وقع بين القادة الخوارزميين بِشأن اقتسام الغنائم، حال دون استثمار هذا الانتصار ولقاء المغول في معركةٍ حاسمةٍ، مما سمح لِجنكيز خان بِأن يُلقي بِكامل ثقله العسكري على السُلطان الخوارزمي، فأجبره على الارتداد أمام الزحف المغولي حتَّى بلغ شاطئ نهر السند، فتعقَّبه مُسرعًا حتَّى بلغه وهو يُعد السُفن لِعُبُور النهر، فاضطرَّ المُسلمون إلى خوض معركةٍ لم يكونوا مُستعدين لها، وذلك في شهر شوَّال سنة 618هـ المُوافق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) 1221م، ومع ذلك فقد نجح السُلطان جلال الدين في أن يشُق طريقًا له وسط الجُمُوع المغوليَّة، فعبر النهر ويمَّم وجهه صوب الهند مع عددٍ من أتباعه، وانتقم جنكيز خان من سُكَّان غزنة فقتلهم جميعًا باستثناء أرباب الحرف والصناعات، ودمَّر المدينة. كان إقليم غزنة آخر الأقاليم الخوارزميَّة التي خضعت لِلمغول، لِأنَّ جنكيز خان آثر العودة إلى مغولستان بسبب اضطراب الأوضاع في شمال الصين والتبت، وهكذا غادر الأقاليم الغربيَّة في سنة 619هـ المُوافقة لِسنة 1222م بعد أن ثبَّت الحُكم المغولي في بلاد ما وراء النهر وخوارزم، ونصَّب عليها حُكَّامًا مدنيين، وترك الكثير من بلادها خاويةً على عُروشها بعد موجة القتل والتدمير التي أحدثها.
سمح انشغال جنكيز خان بِأُمور الصين لِلسُلطان جلال الدين منكبرتي أن يُغادر الهند ويستعيد السيطرة على بعض أقاليم الدولة الخوارزميَّة، لكنه بدل أن يعمل على حماية العالم الإسلامي من خطر المغول، قام بِمُهاجمة الخليفة العبَّاسي، الناصر لِدين الله، كما هاجم أذربيجان واحتلَّ تبريز واتخذها قاعدةً لِلوُثُوب على الكرج، ولم يلبث أن دخل قصبتها تفليس في سنة 623هـ المُوافقة لِسنة 1126م، ولم يمضِ الكثير من الوقت حتَّى فرض سيطرته على الهضبة الإيرانيَّة وأذربيجان، واتخذ أصفهان عاصمةً له. وفي يوم 11 رمضان 624هـ المُوافق فيه 28 آب (أغسطس) 1227م، تُوفي جنكيز خان في ينشوان ببلاد شيا الغربيَّة، فخلفه ابنه أوقطاي على العرش، وصرف النظر بدايةً عن أُمور الدولة الخوارزميَّة وشُؤون غربيّ آسيا بِعامَّة، لكنَّهُ لم يلبث أن قرَّر الاهتمام بِشُؤون الغرب مرَّة أُخرى بعد أن علم بِمُحاولة جلال الدين منكبرتي إحياء الدولة الخوارزميَّة، فأرسل في سنة 628هـ المُوافقة لِسنة 1231م جيشًا لِقتاله قوامه ثلاثون ألف جُنديٍّ بِقيادة جُرماغُون نُويان وصحبه القائد بايجو، فتقدَّم إلى تُركستان حيثُ طلب مددًا من أُمراء المغول وحُكَّامهم في خوارزم، وضمَّ إليه قُوَّاتٌ أُخرى غير نظاميَّة حتَّى بلغ تعداد جيشه ما يُقارب المائة ألف. سار هذا الجيش الضخم إلى إيران، فاستولى أفراده على الري وهمذان، وواصل زحفه حتَّى حُدُود أذربيجان، واستفاد ممَّا خلَّفه المغول في حُرُوبهم السابقة في خُراسان من الخراب والدمار والخوف، فلم يُصادف أيَّة مُقاومة أثناء اختراقه لِهذا الإقليم إلى أن وصل إلى الأقاليم الغربيَّة. اقتصر اهتمام المغول، في هذه المرحلة، على مُطاردة جلال الدين منكبرتي والقضاء عليه، لِأنَّ هذا يكفل لهم إحكام سيطرتهم من جديد على أقاليم الدولة الخوارزميَّة. وفوجئ السُلطان الخوارزمي بالمغول وهم قاب قوسين أو أدنى من بلاده، فطاردوه وأرغموه على التقهقر إلى سُهُول مراغة وموقان عند مصب نهريّ الرَّس والكُر، ثُمَّ توجَّه إلى أخلاط لِلاحتماء بها والتمس المُساعدة من الخليفة العبَّاسي والأُمراء المُسلمين لِلوُقُوف صفًا واحدًا في وجه المغول، وحذَّرهم عاقبة إهمالهم، لكنَّ أحدًا لم ينهض لِمُساعدته، فاضطرَّ أن يُغادر أخلاط وتوجَّه إلى آمد في أعالي نهر دجلة، فلحق به المغول واصطدموا به وتغلَّبوا عليه وقتلوا كثيرًا من جُنُوده، وتفرَّق من نجا في النواحي، وكان السُلطان نفسه من ضمن من فرَّ، فهام على وجهه حتَّى بلغ إحدى قُرى ميافارقين، واحتمى أخيرًا بِجبال كُردستان حيثُ قتله أحد الأكراد في 15 شوَّال 628هـ المُوافق فيه 16 آب (أغسطس) 1231م. وبِمقتل هذا السُلطان، زالت الدولة الخوارزميَّة عن مسرح الحياة السياسيَّة، واستتب مُلك المغول في خوارزم وخُراسان وفارس.