اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الوحدانية مصدر صناعي من الوحدة، وهي صفة من صفات الله تعالى، وتعني أن الله -تعالى- يمتنع أن يشاركه غيره في الخلق أو الملك أو التدبير أو الماهية، ويمكن الاستدلال عليها بالعقل والشرع والفطرة. والتوحيد الخالص والوحدانية الخالصة لا توجد إلا في الإسلام، فأصحاب الديانات السماوية الأخرى إنما حرّفوا وبدّلوا ولم يعد دينهم على التوحيد الخالص، وشابه الكثير من الشرك والبعد عن الوحدانية.
تعرّض القرآن الكريم للأدلة العقلية على وحدانية الله تعالى، ومن تلك الأدلة:
إن من الأدلة على وحدانية الله -تعالى- ما هو مركوز في النفوس من لجوئها إلى الله -سبحانه وتعالى- عندما يصيبها البلاء والمشقة والحزن، فإنها تلجأ لمن يملك النفع والضر، ولا تلجأ لغيره لعلمها بأن النفع والضر بيد الله وحده وليس بيد غيره، وهي تحتاج إلى ملجأٍ واحدٍ فقط، فقد قال تعالى: (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحرِ ضَلَّ مَن تَدعونَ إِلّا إِيّاهُ)، فمعرفة الله تعالى من المعارف الضرورية، ومن هذا قوله تعالى: (قالَت رُسُلُهُم أَفِي اللَّـهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرضِ)، فالله -سبحانه وتعالى- خلق الخلق على فطرة الوحدانية، وإنما جاءت الرسل لتذكّر العباد بالفطرة، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربّه: (إنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عن دِينِهِمْ).
أرسل الله -سبحانه وتعالى- جميع الرسل وهم يدعون إلى رسالة واحدة، ألا وهي: رسالة التوحيد، والأنبياء الذين أيّدهم الله بالمعجزات أخبرونا أن الله -تعالى- واحد أحد، حيث قال تعالى: (وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّـهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغوتَ)، وكذلك قوله تعالى: (وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ إِلّا نوحي إِلَيهِ أَنَّهُ لا إِلـهَ إِلّا أَنا فَاعبُدونِ)، والتوحيد والوحدانية لم تذهب إلى نقيضه طائفة معروفة مشهورة، بل حتى من قال بعقيدة التثليث مع تناقضهم فإنهم يقولون بأن صانع العالم واحد، حيث يقولون: باسم الابن والأب وروح القدس إلهاً واحداً، وكذلك القائلون بوجود أصلين لهذا الكون وهما: النور والظلمة، فإنهم كذلك يقولون بأن النور أفضل من الظلمة، فهم يصلون في المآل إلى الوحدانية وعدم إمكانية أن يكون للكون صانعان متكافئان.
لم يكن كفار قريش ممن ينكر الوحدانية لله سبحانه وتعالى، فمن أقسام التوحيد؛ توحيد الربوبية، وهو يعني إفراد الله -سبحانه وتعالى- بالخلق والملك والتدبير، ولم يكن عند كفار قريش إنكار لهذا المعنى، ومن الأدلة على ذلك:
إذا أيقن المسلم بأن الله -سبحانه وتعالى- وحده المدبّر والمتصرّف في هذا الكون، وأنه لا يعجزه شيء وهو قادر على كل شيء، أنست نفسه واطمأنت روحه، وكان ثابتاً في مواجهة مصاعب الحياة وفتَنها، كما إنه بذلك يزداد تعلّقه بالله -تعالى- فيكثر من الدعاء والالتجاء إليه وحده والإكثار من ذكره، بل ويخاف من الذنب والمعصية؛ لأنه يعلم أن الله قادرٌ عليه ولا يعجزه شيء، وأن المسلم تحت سلطان الله -تعالى- وقهره، فالعبد بين يدي ربّه في كل وقت، والله قادرٌ عليه في كل حالٍ، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: (ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولًا).
كما إن المسلم إذا أيقن بأن الله هو الرازق وهو المعطي والمانع وهو النافع والضار؛ لم يتوكّل إلا عليه، ولم يعتمد إلا عليه، ولم يخاف إلا منه، ولم يوجّه عبادته إلا إليه، ولم يدعو إلا الله -تعالى- دون أحد سواه، فتوحيد الربوبية موصلٌ إلى توحيد الألوهية.