اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم تركن قبائل التُرك وبعض أهالي المُدن المفتوحة حديثًا في أطراف ما وراء النهر، إلى الهُدوء، فما كاد المُسلمون يتوقفون عن إرسال الحملات العسكريَّة ويرجعون للاستقرار في خُراسان، وما أن ترامى إلى أسماع التُرك خبر خُروج الوالي ابن عامر إلى مكَّة، حتَّى خرجت جُمُوعٌ منهم من ناحية الإقليم المذكور في أربعين ألفًا، بِقيادة أحد مُلُوكهم المدعو «قارِن»، فسار الأخير على رأس جُيُوشه سنة 32هـ حتَّى انتهى إلى كورتيّ الطبسين، واجتمع لهُ أهل باذغيس وهراة وقهستان. وكان يتولَّى خُراسان آنذاك قيس بن الهيثم السلمي كما أُسلف، فكتب إلى ابن عامر يُخبره باستعدادات التُرك، فعاد أدراجه إلى ولايته في البصرة وكتب عهدًا إلى ابن عمِّه عبدُ الله بن خازم يوليه خُراسان إذا خرج منها قيس بن الهيثم، فلمَّا أقبلت جُمُوعُ التُرك قال قيس لابن خازم: «ما ترى؟» فنصحهُ أن يخرج من البلاد لأنَّ عهد ابن عامر بحوزته لِيتولَّاها، فترك مُنازعته وذهب إلى ابن عامر، فلمَّا خرج أُشهر عهد ابن عامر لابن خازم بِالولاية عند مغيب قيس، وسار ابن خازم لِلقاء التُرك في أربعة آلاف وأمر الناس أن يحملوا معهم الودك، فلمَّا قرُب من قارِن أمر الناس أن يُدرك كُلُّ رجُلٍ منهم على زُجّ رمحه خرقة أو قطنًا ثُمَّ يمسحها بالدُهن، ثُمَّ سار حتَّى حلَّ المساء، فأمر مُقدمة الجيش - وكانوا ستمائة - بالسير نحو المُعسكر التُركي، ثُمَّ تبعهم بباقي الجُنُود، وأمر هؤلاء أن يُشعلوا النيران في أطراف الرماح المُشبعة بِالدُهُون. وصلت مُقدمة الجيش الإسلامي إلى مُعسكر التُرك في نصف الليل، فناوشوهم بعد أن أخذوهم على حين غرَّة، فهاج هؤلاء من دهشتهم، وما لبث ابن خازم أن وصل على رأس باقي الجيش، فرأى التُرك النيران تُحيطُ بهم من اليمين واليسار، تتقدَّم وتتأخَّر وتُخفض وتُرفع، فهالهم ذلك وأصابهم التشويش، فوقع الكثيرون منهم تحت سُيُوف مُقدمة الجيش، ثُمَّ غشيهم ابن خازم وقاتلهم مع باقي جُنُوده، فأكثروا فيهم القتل، وكان من بين القتلى الملك قارِن نفسه، فانهزم التُرك وانسحبوا من الميدان تاركين آلاف القتلى، ووقع كثيرٌ آخرون في الأسر، فأخذهم المُسلمون ورجعوا بهم إلى خُراسان، وكتب ابن خازم بِالنصر إلى ابن عامر، فرضي وأقرَّهُ على ولايته.