اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حسني الزعيم (1897 – 14 أغسطس 1949) رئيس الجمهورية السورية الأولى، عبر انقلاب مارس 1949، قبل أن يطاح به بانقلاب أغسطس 1949، لتكون فترة حكمه قرابة أربعة أشهر بين 30 مارس و14 أغسطس 1949. على الرغم من قصر الفترة الزمنية التي تولى فيها الزعيم السلطة، إلا أنها تركت "علامة فارقة" في تاريخ سوريا الحديث، خصوصًا من ناحية كونها فاتحة عشرين انقلابا ومحاولة انقلابية كان آخرها انقلاب 1970 (سوريا).
جمع الزعيم خلال المرحلة الأولى من حكمه بين رئاسة الدولة والحكومة والسلطة التشريعيّة، وأجرى انتخابات رئاسية أفضت لفوزه، فغدا رئيسًا في 26 يونيو 1949؛ تمتع الزعيم في الأيام الأولى من انقلابه بدعم شعبي واسع، وتأييد معظم الطبقة السياسة السابقة، وذلك نتيجة لسلسلة الأزمات السياسية والركود الاقتصادي، وفقدان الثقة بالنظام بعد هزيمة حرب 1948. وسرعان ما تبخرت تلك الشعبية مع تفرده بالسلطة، وتسليمه أنطون سعادة، وإقراره اتفاق الهدنة مع إسرائيل. جمعت الزعيم صداقة قوية مع الملك فاروق الأول ملك مصر، وتحالف معه ومع المملكة العربية السعودية، وانقلب بنتيجة التحالف على مشروعي سوريا الكبرى والهلال الخصيب، الذين كان يدعمهما قبل رئاسته. الزعيم هو أول رئيس من خارج الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية التي حكمت البلاد منذ سقوط سوريا العثمانية، والتي شكلت السمة الأبرز في الحياة السياسية خلال عهد الجمهورية السورية الأولى؛ وهو أول رئيس لا يعتمر الطربوش؛ وقد كتبت صحيفة التايمز أنه "أنهى حكم العائلات الغنية في سوريا، وقضى على الفساد في الدولة"؛ وعلى الرغم من فترة حكمه القصيرة إلا أنه قدم إنجازات هامة، منها منح المرأة حق التصويت، ووضع قانون الأحوال الشخصية. اعتبر الزعيم نفسه زعيمًا في مصاف زعماء كبار كنابليون وأتاتورك وهتلر، وقال في مرحلة لاحقة أنه «ملك سوريا»؛ وصف بالديكتاتور وقال عنه خالد العظم أنه «متهور وطائش»، اشتهر بولعه باللباس، وبقوله: «أتمنى أن أحكم الشام يومًا واحدًا ثم أقتل».
ولد حسني الزعيم في حلب عام 1894 من عائلة كردية؛ وله شقيقان هما صلاح الدين الزعيم وهو رجل دين، وبشير الزعيم. ولقد أصيب الزعيم باكرًا بمرض السكري. تلقى علومه في حلب قبل أن يلتحق بالأكاديمية الحربيّة العثمانيّة في إسطنبول، وكان والده يعمل مفتيًا في الجيش العثماني قبلاً؛ في عام 1916 تمرد على العثمانيين والتحق بالثورة العربية الكبرى، وفي عام 1921 انضم إلى القوة العسكرية الفرنسية التي شكلت في البلاد أثناء الانتداب الفرنسي. تلقى تدريبات عسكرية في فرنسا وترقى في المناصب والرتب العسكرية؛ كان الزعيم خلال فترة حياتهِ الأولى كما يذكر مؤرخ حياته نذير فنصة "مغامرًا مقامرًا"، على سبيل المثال يذكر اختلافه مع ضابط فرنسي حول مراقصة سيدة، ما دفعه لاستنفار القطعة العسكرية التي تحت قيادته في لواء إسكندرون، واعتقال هذا الضابط. خلال الحرب العالمية الثانية قاتل في صفوف حكومة فيشي الموالية للنازية، لذلك عوقب عام 1943 بعد أن هزمت قوات فيشي في سوريا على يد قوات الحلفاء، حيث حكم عليه بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة، إضافة إلى تجريدهِ من الرتب العسكرية، وكان حينذاك برتبة عقيد؛ أطلق سراحه عام 1944 بعفو رئاسي من شكري القوتلي، ونص قرار العفو على عودته إلى الجيش برتبتهِ السابقة، فعين رئيساً للمحكمة العسكرية في دير الزور، ثم انتقل إلى دمشق مديراً لقوى الأمن الداخلي. عرف عنه مخالطته لأهل دمشق، في المقاهي السياسية على وجه الخصوص. في عام 1947 تزوج الزعيم نوران قره زادة، وكان يكبرها بثلاث وعشرين سنة. وبعد الهزيمة في حرب 1948، أقال القوتلي عبد الله عطفة، قائد الجيش، في سبتمبر 1948 أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً بتعيين الزعيم قائداً للجيش بعد ترفيعه إلى رتبة زعيم، وهو اللقب العسكري المعرّب عن كولونيل، وقد تغيّر إلى عميد بعد توحيد الرتب العسكرية العربية فيما بعد.
شارك الزعيم في حرب فلسطين عام 1948 وحقق عددًا من الإنجازات العسكريّة التي جعلته ذا شعبية في الأوساط السوريّة، وشارك في حل الاضطرابات السياسيّة التي عصفت بالبلاد في أعقاب الهزيمة بُعيد الحرب مباشرة خلال عامي 1948-1949. وقد وصفه الصحفي والمؤرخ باتريك سيل بكونهِ مقامراً، وقليل المثل العليا، وغير مستقر عاطفيًا، وسهل الاستثارة، وشجاع إلى حد التهور، وتعوزه البراعة في رسم الخطط العسكرية، أما عادل أرسلان فقال: إنّ الزعيم "كان عرضة لنوبات غضب تفقده كل منطق".
مع تزايد حدة الانتقادات للجيش إثر هزيمة حرب فلسطين، وحالة السخط الشعبي على المؤسسة العسكرية والطبقة السياسيّة خصوصاً والنظام القائم عموماً، دخلت البلاد في حالة أزمات سياسة متكررة لم يواجه النظام الجمهوري مثلها منذ قيامه. خلال مناقشة أسباب الهزيمة في البرلمان، تحولت الانتقادات إلى "انتقادات شخصية للضباط، لا سيّما قائد الجيش وبشكل ملحوظ من قبل الحزب التعاوني الاشتراكي؛ وهو ما شكل اللبنة الأولى لانقلاب الزعيم. وَعَدَ رئيس الجمهورية القوتلي بإجراء إصلاحات إدارية واقتصاديّة وتخصيص جزء كبير من الميزانيّة لإعادة بناء الجيش وتسليحه «والعمل على إعادة ثقة السوريين بنظامهم». كانت بداية التدخل العملي للزعيم في الحياة السياسية في 3 ديسمبر 1948، حين اندلعت أعمال شغب في العاصمة إثر استقالة حكومة جميل مردم بك واعتذار هاشم الأتاسي عن تشكيل حكومة جديدة، بعد أن نشر الزعيم الجيش في العاصمة دون إذن مسبق من الحكومة أو السلطة السياسيّة، وفي اليوم ذاته أعلن القوتلي حالة الطوارئ وإخضاع البلاد للأحكام العسكريّة وإغلاق المدارس.
في اليوم التالي، بدأ الزعيم جولة لزيارة القطع العسكريّة في المحافظات السورية بهدف «رفع معنويات الجيش»، ما ساهم في تقوية علاقته مع معظم قادة الثكنات من جهة وبروز اسمه «مخلصاً للبلاد» من جهة ثانية. وفي 16 ديسمبر شُكّلت حكومة جديدة برئاسة خالد العظم بعد سلسلة أزمات في التكليف والتأليف، وجاء البرنامج الحكومي كما وصفته الصحافة «تقليدياً ومخيباً لآمال السوريين»، على الرغم من أنه نص على سعي الحكومة «لتحرير فلسطين». لم يساهم تشكيل الحكومة بالتخفيف من حدة الأزمة السياسية، بل تفاقمت نتيجة العداء المتبادل بين رئيس الحكومة خالد العظم وقائد الجيش حسني الزعيم "والذي كان يناله منه تجاهلاً بل تحقيرًا"؛ أما النقطة الفارقة في الأزمة فكانت النقاش حول مد خطوط التابلاين في سوريا، ورفع حالة الطوارئ، ومناقشة السياسة العسكرية في مجلس النواب، إذ دفعت الزعيم مع أربعة عشر ضابطٍ للتخطيط للانقلاب. وقال الصحفي السوري نذير فنصة، الذي جمعته صداقة مع الزعيم، إن تخطيط الانقلاب بدأ في 24 مارس في منزله، وكان سامي الحناوي بين الأربعة عشر ضابطًا الذين خططوا للانقلاب، تلاه اجتماع آخر في القنيطرة، ورغم وصول أنباء الإعداد لانقلاب عسكري وتذمر كبار الضباط للقوتلي، إلا أنه لم يعر هذه الأخبار أي اهتمام.
خلال ثلاث أشهر فقد حسني الزعيم معظم الدعم الشعبي الذي حظي به عند بداية الانقلاب، نتيجة سياسته الخارجية، وتجميد الحياة السياسية الداخلية؛ فضلاً أن تسريح ونقل أعداد كبيرة من الضباط قد جعل علاقته مع المؤسسة العسكرية بحد ذاتها متوترة. وفي فجر يوم 13 أغسطس 1949، قام سامي الحناوي بانقلاب عسكري بثلاث فرق عسكرية، حاصر أولاها تحت قيادته قصر الرئاسة، والثانية حاصرت منزل رئيس الوزراء محسن البرازي والثالثة مقر القيادة العامة للشرطة والجيش. كان العقيد الحناوي عند انقلاب الزعيم برتبة مقدم، وتربطه به علاقة مودة وصداقة، لذلك منحه الزعيم رتبة عقيد كما منحه ثقته إذ سلمه قيادة اللواء الأول في الجيش، والذي يعتبر القوة الضاربة التي يعتمد عليها رئيس الجمهورية.
اعتقل الزعيم إثر الانقلاب، في حين آل الحكم مجددًا لقيادة الجيش، واجتمع في وزارة الدفاع نحو خمسين سياسيًا مع الحناوي للتباحث في المرحلة الانتقالية؛ برر الحناوي أسباب الانقلاب بتبديد الثروة العامة وقمع الشعب وازدراء سلطة القانون واعتبار الزعيم نفسه «ملكًا» على سوريا كما صرح هو بذلك؛ والأسوأ من ذلك حسب رأي الحناوي هو السياسة الخارجية «غير المسؤولة». وقد حوكم الزعيم أمام المجلس الأعلى للحرب محاكمة عسكرية عاجلة وأدين بتهمة الخيانة العظمى وأعدم في اليوم نفسه مع رئيس وزرائه محسن البرازي رميًا بالرصاص، حسب الرواية الرسمية. وحسب بعض الجند الذي شاركوا في إعدام الزعيم أنه كان "هادئًا بشكل مذهل، ومتمالكًا نفسه". هناك رواية أكثر شيوعًا يرويها الملحق العسكري البريطاني في دمشق نقلاً عن قائد الدرك السوري بأن الزعيم لقي حتفه بعد وقت قصير من دخول الانقلابيين إلى القصر الجمهوري، وقد أخبر الرائد أمين أبو عساف قائد فصيل الخيالة في الفرقة الأولى قائد الانقلاب الحناوي بمقتل الزعيم بحضور الملحق العسكري البريطاني. لقد أعطى الحناوي، حسب الرواية، انطباعاً بأنه لم يكن في النية قتل الزعيم، ونتيجة لذلك شكل المجلس الحربي الأعلى ولفق رواية المحاكمة العسكرية وصدور الحكم وتنفيذه. ولعلّ اثنين من الضباط المكلفين باعتقال الزعيم وهما فضل الله منصور وعصام مريود، أعدما الزعيم خلافًا لأوامر قادة الانقلاب، لأتهم من القوميين، حسب هذه الراوية فإن التخطيط للانقلاب بدأ عقب مقتل سعادة مباشرة في شهر يوليو، واستغرق إعداده نحو شهر كامل. اعترفت معظم الدول المجاورة بشرعية النظام القائم بعد الانقلاب سريعًا، وأرسلت لبنان والأردن «تهانيهما» بالانقلاب، في حين كانت إسبانيا السباقة عالميًا للاعتراف، وعبرت السفارة البريطانية في بيان عن سعادتها إذ قالت بأن "غيمة القمع السوداء التي هيمنت على البلد منذ مجيء الزعيم إلى السلطة قد انقشعت"، وعبر رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد عن سعادتهِ بالانقلاب وقال بأن الزعيم "لقي المصير الطبيعي لأي ثورة لا تستند على أي أساس"؛ وبينما تلكأت السعودية أعلنت مصر الحداد ثلاث أيام على الزعيم؛ أما على صعيد الصحف المصرية وكذلك عدد من الصحف الغربية، لاسيّما الفرنسيّة، فقد نعته مذكرة بالتشريعات التقدمية التي أقرّها وإصلاحاته الزراعية ووجهت أصابع الاتهام إلى بريطانيا والهاشميين، وبينما تشير المعلومات عن دعم هاشمي من العراق لاسيّما بالأموال للانقلاب تبقى فرضية تدخل المملكة المتحدة بالانقلاب ضعيفة.
شكل الزعيم أول انقلاب عسكري في الوطن العربي، دافعًا لخطوات مماثلة في عدد من الدول العربية الأخرى فيما يعرف بتأسيس "جمهوريات الضباط". "أثار الزعيم خيال الضباط الأحرار في مصر، فخلعوا الملك فاروق عام 1952". لم تخلّد الدولة السورية ذكرى الزعيم، بتسمية شوارع أو ساحات أو إصدار طوابع بريدية على اسمه. بينما أعدم على طريق المزة، لم يعرف موضع قبره حتى 3 يناير 1950، حين عثر على جثتهِ مدفونة "بثياب النوم التي اعتقل بها" في تابوت خشبي تحت كومة حجارة في منطقة أم الشراطيط قرب نهر الأعوج بدمشق، فنقلت إلى المشفى العسكري في المزة، ثم بسيارة عسكرية إلى مقبرة الدحداح، أغلى مقابر دمشق. لم تصادر الدولة السورية منزل الزعيم الذي امتلكه منذ أن كان قائدًا للجيش، ووافق البرلمان السوري على تخصيص راتب تقاعدي لأرملتهِ وأبنته، وهو ما استمرّ معمولاً بهِ لما بعد عهد الجمهورية الثانية. في 31 أكتوبر 1950 قتل سامي الحناوي في بيروت على يد محمد البرازي، ابن عم محسن البرازي رئيس وزراء الزعيم. تطرقت الدراما السورية لشخصية حسني الزعيم في عدد من المسلسلات السورية، أبرزها الجزء الثاني من مسلسل حمام القيشاني عام 1995، حيث لعب فيه محمد الطيب دور الزعيم؛ كما ناقشت أعمال درامية أخرى فترة الجمهورية الأولى، وظهرت فيها شخصية الزعيم، منها مسلسل الدوامة من إنتاج 2008.