اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حثّ الله -تعالى- على طاعة الوالدَين والإحسان إليهما إلّا أنّه لم يترك ذلك على إطلاقه بل ضبط طاعتهما وقيّدها بقواعد وحدود، ومن ذلك أنّه أوْجب طاعة أمرهما حال كونه أمراً بالمعروف سواءً كان في دائرة الواجبات أو المباحات، وقد دلّ على ذلك قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّما الطَّاعَةُ في المَعروفِ)، وحرّم طاعتهما حالة كان في أمرهما معصيةً لله -تعالى- كأن يَطلُبا من ولدهما أن يُشرِك بالله أو أن يترك ما كان حكمُه فرضَ عيْنٍ كالصلاة وغيرها، وقد دلّ على ذلك قولُه -تعالى-: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا)، وقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ).
أمّا طاعتهما في حال منعهما معروفا فلها حكمان: أوّلهما حال كون المعروف عملاً تطوّعيّاً ويعود بالنفع على ولدهما ولا يُلحِق الضّرر بهما كأن يقوم الليل أو يصوم تطوعاً فلا طاعةَ لهما ولا يوخَذ إذنهما في فعل ذلك، وثانيهما حال كون المعروف عملاً تطوعياً ويعود بالنَّفع على ولدهما لكنّه يلحق الضرر بأحد الوالدَيْن أو كلاهما كجهاد التَّطوع فتُندب طاعتهما إن منعاه من ذلك، لأنّ برّ الوالدَين وطاعتهما أمرٌ واجبٌ والعمل التّطوعي ليس كذلك فيجب تقديم الواجب على غيره، ويتبيّن ممّا سبق أمرَين: أوّلهما وجوب طاعة الوالدَين في كل أمرٍ يعود عليهما بالنفع والمصلحة ولا يُلحق بولدهما ضرراً دينياً أو دنيوياً، وثانيهما عدم وجوب طاعتهما فيما لا يُحقّق لهما نفعاً ولا مصلحةً ويُلحِق الضرر والمشقة بولدهما.
وتجدُر الإشارة إلى أنّ كيفية ترك طاعة الوالدَين إنْ أَمَرا بمعصيةٍ، أو مَنَعا عملاً تطوعياً لا يُلحِق الضّرر بهما، أو أمرا بما لا يعود بالنفع عليهما ويُسبّب الضرر لِولدهما لا بدّ أن تكون بالحكمة والقول اللين الذي لا يحمل في طيّاته الإساءة إلى أحد الوالدَين أو كلاهما سواءً كانا على دين الإسلام أو غيره، وقد دلّ على ذلك قوله -تعالى-: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، وما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- أنّها قالت:(قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قُلتُ: وهي رَاغِبَةٌ، أفَأَصِلُ أُمِّي؟ قالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ).