اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لاشك أن جيل دولوز هو واحد من بين أكثر مفكري القرن العشرين ابتكارا وإثارةً للجدل، فقد أحدثت أعماله على الدوام نقاشات ومراجعات لا تكاد تنتهي وخاصة في مقارباته لأسس الميتافيزيقا الغربية وتحريك البنى الجامدة للفكر. وُلد دولوز عام 1925 في باريس، وبرز في المشهد الفكري لما بعد الحرب إلى جانب عمالقة الفكر مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا، إلا أنه شقّ لنفسه مسارًا فلسفيًا فريدًا، لم يكن مهتمًا بالنقد وحده بقدر اهتمامه بخلق مفاهيم وأنماط تفكير جديدة.
يكمن في صميم فلسفة دولوز التزامٌ جذريٌّ بالاختلاف والتعددية والصيرورة. يتمثل ذلك في رفض هيمنة التفكير القائم على الهوية، الموروث من فلاسفة مثل أفلاطون وإيمانويل كانط، وبهذا سعى دولوز إلى قلب التسلسل الهرمي التراتبي الذي يُفضّل التماثل والوحدة على التباين، موجها الفكر صوب تحليل جذموري شبكي تتعالق فيه الطروحات والرؤى رافضا منطق الجذر والشجرة على الصعيد المعرفي.
في هذا السياق يطرح كتابه الرائد، "الاختلاف والتكرار"، فكرة أن الاختلاف ليس ثانويًا للهوية، بل هو أساسيٌّ لها، هو بمثابة قوةٌ وجوديةٌ تُولّد نسيج الواقع نفسه.
يُعرف فكر دولوز بتعقيده الشديد وعمقه الإبداعي، إذ يمزج بين الفلسفة والأدب والسينما والسياسة. ولا تُعد كتاباته عن فريدريك نيتشه وباروخ سبينوزا وهنري برغسون وكانط وليبنيز وغيرهم مجرد تعليقات، بل هي إعادة تنشيط إبداعية، تُؤسس لسلسلة من المفكرين الملتزمين بفلسفات تُعلي من شأن الحياة وتعيد قراءة تاريخ الفلسفة بناء على استدعاء فلاسفة لم يكونوا في وقتها في المشهد الفلسفي لكن كانوا في تقاطع جلي مع إبداع المفهوم الفلسفي الدولوزي.
من جانب آخر، أعاد جيل دولوز، تشكيل فهمنا للسينما من خلال اعتبارها شكلاً من أشكال الفكر. في كتابيه المؤثرين "السينما 1: صورة الحركة" و"السينما 2: صورة الزمن"، يستكشف دولوز كيف تخلق الصور المعنى من خلال الحركة والزمن والإدراك.
بالنسبة لدولوز، الصورة السينمائية ليست مجرد صورة، بل هي نظام ديناميكي يُشرك حواس المشاهد وعقله. وتصبح السينما وسيلة فلسفية قادرة على التعبير عن أفكار معقدة حول الواقع والذاكرة والتجربة، متجاوزةً حدود اللغة والسرد التقليدي.
وفي نهاية المطاف، يدعونا دولوز إلى إعادة التفكير في معنى الفكر: ليس بوصفه إدراكًا أو تمثيلًا، بل بوصفه تجربةً - عملية وصيرورة مفتوحة تقاوم الانغلاق وتحتضن التعقيد اللامتناهي للعالم.
هذه المقتربات والقضايا الإشكالية توقف عندها نخبة من الأكاديميين والدارسين في مختلف الجامعات حول العالم ولهذا فقد بذلنا جهدا ً لانتقاء هذه الباقة المهمة من المقالات والدراسات التي تسلط الضوء على منهجية وفكر جيل دولوز.
هذا الكتاب يشكل إضافة نوعية للدارسين والمتخصصين والمهتمين بفكر وفلسفة جيل دولوز بوصفه ذلك الفيسلوف والمفكر الذي أعاد تشكيل مفاهيمنا حول الفلسفة والفكر والسينما والذات والآخر والمجتمع والفن من خلال العديد من المقاربات الرصينة والمتميزة والتي تضاف الى ما ترجم عن دولوز وما كتب عنه.
المترجمان
د. طاهر علوان
د. زهية اتوتي