اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
جون ماينارد كينز، وُلد في 5 يونيو 1883 في كامبريدج وتوفي في 21 أبريل 1946 بقرية فيرل (Firle). اقتصادي، موظف رفيع المستوى، وكاتب بريطاني ذو شهرة عالمية. فهو مؤسس الاقتصاد الكلي الكينزي. ومن أعماله استُخلص الاقتصاد الكينزي، الاقتصاد الكينزي الجديد، والكينزية الجديدة أو ما بعد الكينزية. ونظرًا لعظم شأنه كأحد أكثر المنظرين الاقتصاديين تأثيرًا في القرن العشرين، تولي العديد من المناصب الاستشارية الرسمية وغير الرسمية للعديد من الساسة، وكان من الشخصيات الرئيسية باتفاقية بريتون وودز، من بعد الحرب العالمية الثانية.
كما كان كاتبًا ناجحًا رغم صغر سنه، وذلك بفضل كتابه «التوابع الاقتصادية للسلام»، الذي نُشر عام 1919، تعليقًا على معاهدة فرساي، كما كان يكتب المقالات للجرائد والمجلات. كانت نظريته «رسالة في المال» هي الأولى. ولكن عمله الأكبر بلا جدل كان «النظرية العامة حول العمالة، والفائدة، والمال» (1936). انتقد هذا الكتاب، بعد كتب أخرى، قانون ساي، أحد أسس اقتصاد عدم التدخل.
تكمن قوة كينز في كونه مختلف عمن سبقوه، بوضعه لنظرية جديدة ومفاهيم جديدة ضرورية لتأسيس سياسات اقتصادية بديلة. واستُغلت أعماله، بعد الحرب العالمية الثانية في إطار تأسيس دولة الرفاه. فوفقًا لكينيت آر هوفر (Kenneth R. Hoover)، احتل كينز موقعًا وسطًا بين اثنين من ملهمي الجناح اليساري لحزب العمل، وهما فريدريش فون هايك، وهارولد لاسكي، ثم اعتُبر لاحقًا واضع النظرية الاقتصادية التي احتاجها الليبراليون الاجتماعيون في بريطانيا.
تعرض فكره، خاصةً التيار الكينزي الذي كان يدعو للكلاسيكية الجديدة والذي سيطر على الولايات المتحدة لفترة طويلة، لفقدان أتباعه للكثير من تأثيرهم منذ بداية الثمانينات وبزوغ نجم المدرسة النقدية وإلغاء التنظيمات المالية والمدرسة الكلاسيكية الحديثة. ولكن، ومع الركود الاقتصادي في 2008، بدأ يعود الاهتمام بفكره، وأيضًا الاهتمام بالنسخة الليبرالية الاجتماعية من المدرسة الكينزية الجديدة، كما وُجدت تطويرات للنظرية كمدرسة ما بعد الكينزية، أو اقتصاد الاتفقايات بفرنسا.
وُلد جون ماينارد كينز في عائلة من الجامعيين المنتمين للطبقة البرجوازية الفكتورية. أبوه، جون نيفيل كينز، محاضر بجامعة كامبردج، وهو مؤلف الكتاب الكلاسيكي الخاص بالمنهجية الاقتصاية: «نطاق ومنهج الاقتصاد السياسي»، الذي خرج للنور في 1890. كان الأب معجبًا للغاية بابنه منذ وقت مبكر، وذلك حين كان يراه يراقب الجريدة التي كان يمسكها. أما والدته، فلورانس آدا براون، فقد كانت الكاتبة الأكثر بيعًا، وكانت رائدة في مجال الإصلاحات الاجتماعية، كما كانت تمارس السياسة، حتى أنها انتُخبت عمدة لمدينة كامبيردج في 1932. وكان لكينز أخ، وهو السير -مستقبلًا- جيفري كينز (1887-1982)، جراح ومحب للكتب، وكانت له أخت، مارغرت.
يعود اسم العائلة «كينز» لبلدة كاهينز (Cahagnes) في النورماندي، واسم البلدة مشتق أيضًا من اللاتينية المتأخرة casnus (بلوط). ووفقًا للأبحاث التي أجراها كينز على نسبه، فهو ينحدر عن ويليام من كاهينز، رفيق للملك ويليام الفاتح. وفي فترة الثورات الإنجليزية في القرن السابع عشر، عانت أسرته الكاثوليكية -والتي كان بها العديد من اليسوعيين- من الاضطهاد وجُردت من ممتلكاتها.
دخل كينزي مدرسة القديس فيْث في سن السابعة، حيث أثبت براعته في الرياضيات. وبعدها بعام، التحق بكلية إيتون، حيث كان طالبًا متألقًا، ونال العديد من الجوائز (10 جوائز في عامه الأول، 18 في عامه الثاني، 11 في عامه الثالث). وأظهر أنه موهوب في مجال الرياضيات التي كان يحرز فيها دومًا المراكز الأولى. في 1902، التحق بكلية كينغ بكامبريدج. في 1903، قام ليتون ستراتشي وليونارد وولف بتقديمه لمجتمع جديد يُسمى بـ «رسل كامبريدج»؛ منتدى فكرة يهدف «للبحث عن الحقيقة دون تحفظات وبإخلاص مطلق مع مجموعة من الأصدقاء المقربين». تعرف هناك على هنري سدجويك، برتراند راسل، دكنسون جولدزورذي لوز، جورج إدوارد مور، وقد تأثر بالأخير تأثرًا بالغًا عبر كتابه Principia Ethica. ومن ذلك الوسط نشأت مجموعة أخرى، وهي مجموعة بلومزبري والتي صار عضوًا فيها. نال دبلوم في الرياضيات في 1905، ثم تحضر لمسابقة لنيل وظيفة حكومية رفيعة المستوى. وتعرف أيضًا في كامبريدج على عدد من أفضل اقتصاديي عصره: فرنسيس يسدرو إيدجورث، ألفرد مارشال؛ وبعدها بفترة جوان روبنسون، بييرو سرافا، ريتشارد كاهن، جيمس ميد، وأيضًا برتيل أوهلن.
وفي 1907، حصل على المركز الثاني في المسابقة، فلم يستطع العمل بالخزانة العامة، وعمل للدولة البريطانية في وزارة الهند (Indian Office). وأُصيب بالملل بعد سنتين، وقد بدأ منذ 1907 العمل على Treatise on Probability (رسالة في قانون الاحتمالات). كما بدأ في دراسة الاقتصاد تحت إشراف ألفرد مارشال. وحين انتُخب آرثر سيسيل بيجو لمقعد ألفرد مارشال، أنشأ مكتب الاقتصاد والسياسة، الذي ترأسه جون نيفيل كينز، منصبين للمحاضرين، وعُين كينز في واحد منهما. وفي 1913، نشر كينز كتابه الاقتصادي الأول، Indian Currency and Finance (عملة الهند وماليتها). وقد كان عامل نجاح الكتاب، وفقًا لشومبيتر، عائدًا لتركيزه على القضايا التقنية عن السياسية والإنسانية. وبفضل ذلك الكتاب، عُين كينز عضوًا بالهيئة الملكية لعملة الهند وماليتها (1913-1914).
كانت حياة كينز مزدوجة، فمن ناحية الحياة الخاصة، فقد كان ذواقًا للفن، مرتبطًا بمجموعة بلومزبري، ومن ناحية أخرى، كان شخصية عامة، اقتصادي واستشاري سياسي. لم يتقبل بعض من أصدقائه، مثل والتر ليبمان، ذلك الغموض، وكانوا يفضلون التعامل مع جانب الشخصية العامة من كينز. وقد كان عضوًا هامًا بمجموعة بلومزبري، والذي كان من ضمن أعضائه البارزين الرسام دونكان غرانت، ليتون ستراتشي، إي. إم. فورستر، وفيرجينيا وولف.
كان كينز ذا ميول جنسية مزدوجة؛ فقد كانت المثلية الجنسية صفة واضحة في شبابه، ولم يخبئ عن مجموعة بلومزبري ذلك الأمر، وقد تزوج كينز في 1925 من راقصة الباليه الروسية ليديا لوبوكوفا (راقصة شهيرة في شركة Ballets Russes المملوكة للروسي سيرجي ديغليف، ولم تكن حينها مهنة تقليدية). لم تُتقبل بشكل كامل من قبل مجموعة بلومزبري، خاصة من فانيسا بيل، والتي وجدتها مفتقدة للعقلانية، ونتيجةً لذلك لم تستلطفهم ليديا. وقد اعتبر روبرت سكيدلسكي أن ببعد كينز عن مجموعة بلومزبري؛ استطاع أن يدخل في أوساط فُضلى من دوائر السلطة، وأن يكتسب النضج الكافي لكتابة أعماله الاقتصادية الكبيرة.
طوال حياته، كان كينز شغوفًا بفن الأوبرا، والرقص الذي ساعده ماليًا. ففي وقت الحرب، كان عضوًا بلجنة لتشجيع الموسيقى والفنون. وكان لاضطلاع كينز في مجال السياسة دور هام في صالح الفنون والثقافة. فقد قام هو وأعضاء مجموعة بلومزبري بإنشاء الأسس التعاونية والترابطية (Hogarth Press، The London Artists" Association) الهادفة لتوفير إطار ثابت للفنانين المستعدين للامتثال للحد الأدنى من القواعد، التي لا تمس حرية الإبداع، في مقابل المزيد من الدخل المنتظم. وفي القطاع الخاص، كان من كبرى إنجازاتهم مؤسسة الفن المعاصر (Contemporary Art Society)، الذي عمل كسلطة لمنح الشهادات للفنانين المعاصرين بهدف أن يعززوا من ذوق المجتمع وأن يضمنوا جودة ما يبيعون للمستهلك. استؤنفت تلك المجهودات وتوسعت مع إنشاء مجلس الفنون البريطاني (British Arts Council)، والتي كان كينز من أوائل مديريها.
كان كينز محبًا للكتب ومجمعًا كبيرًا لها، وقد شارك ذلك الشغف مع فريدريش هايك، فيلسوف واقتصادي ينتمي للمدرسة الليبرالية الكلاسيكية، وكانت تجمعهما علاقة صداقة رغم خلافاتهما الاقتصادية العميقة. استطاع أن يضم لمجموعته العديد من مخطوطات إسحاق نيوتن حول الخيمياء، وملاحظات جون كوندويت. وكانت أخر مؤلفات كينز «Newton, The Man» (نيوتن، الرجل)، والذي نُشر بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده في 1942.
أغسطس 1914، أشار على لويد جورج (وزير المالية حينها)، بألا يعلق تحويل الجنية الاسترليني إلا في حالة الضرورة القصوى. في 6 يناير 1915، وفقًا لاقتراح إيدون مونتاغو (المستشار المالي للخزانة حينها) الذي ترك وزارة الهند، عُين كينز في خزانة الدولة وقت الحرب. وحين خلف مايكنا لويد جورج، عين كينز مستشارًا رئيسيًا في الحال، وفي نفس الفترة، تأثر بتقسيم الخزانة المسؤولة عن تمويل الحرب.
شارك كينز في النقاش المحتدم الذي أقلق الحكومة الإنجليزية حينها: هل يزودون من عدد الوحدات الموجودة على الجبهة الفرنسية وفي نفس الوقت يلجأون للتجنيد، أم لا؟ عارض كينز وماكينا ذلك الاختيار لسببين، أن الجنيد يعيق الصناعة البريطانية ويدفعها للاعتماد على الولايات المتحدة؛ وأن التجنيد يعارض حرية المواطنين، حيث أنه لا يصح بالحكومة أن تجبر مواطنيها أن تقدم أرواحها دون موافقتهم الصريحة. ولكن قررت الحكومة أن تتخذ الرأي الأخر، الحرب الكاملة، ما دفع بكينز أن يترك عمله بالخزانة. ورغم ضغوط أصدقائه من مجموعة بلومزبري، إلا أنه اختار أن يظل بالمنصب لأجل والديه. وفي 6 ديسمبر 1916، أصبح آندرو بونارد لو (من حزب المحافظين) وزير المالية الجديد محل ماكينا، وقد حافظ ذلك الوزير على علاقات جيدة بكينز، وقرر في مايو 1917 أن يعينه رئيس قطاع «أ» المسؤول عن التمويلات الخارجية، ونال وسام الفروسية الأعلى: Most Honourable Order of the Bath.
شارك كينز في عدد من الاجتماعات التحضيرية للجانب الاقتصاد من معاهد السلام المستقبلية. عارض إصلاحات مهمة للغاية وكان مع إلغاء ديون الحرب التي تكبدتها فرنسا والمملكة المتحدة تجاه الولايات المتحدة. كما أنه وجد أن مقترحات وودر ويلسون الخاصة بعصبة الأمم ناقصة من الناحية الاقتصادية - ولم يكن من الممكن إصلاح ذلك الجانب خلال الحرب العالمية الثانية. لم يُستمع لاقتراحات ففضل الاستقالة.
للتعبير عن أفكاره وتحفظاته تجاه معاهدة فرساي، كتب «التوابع الاقتصادية للسلام»، وقد نتج عن ذلك الكتاب دخول كينز في عالم الأثرياء واكتسابه شهرة دولية. وقد عاتب كينز في ذلك الكتاب جورج كليمانصو لدفاعه ونصرته لحل متأثر بنظرية الواقعية السياسية ووقوفه بجانب وودرو ويلسون ولويد جورج، بدلًا من الدفاع عن أفكاره القريبة من النظرية الليبرالية المفضلة للسلام وللتنمية الاقتصادية، ونتيجةً لذلك وجه أشد النقد تجاه الأخيرين. ورغم ذلك النجاح الكبير إلا الكتاب لم ينجح بفرنسا، حتى أنه في عام 1946، قام الاقتصادي الفرنسي إيتيان مانتو بنشر كتاب «السلام القرطاجي أو التوابع للاقتصادية للسيد كينز» بغرض تفنيد حجج كينز. أما بالنسبة لشارل كيندلبرغ، فقد جرح ذلك الكتاب الشعور الفرنسي، ما يفسر نفور اقتصاديي فرنسا من الكتاب وعدم اهتمامهم به إلا من بعد الحرب العالمية الثانية.
عن عدد من أصدقائه من مجموعة بلومزبري، فكينز لم يكن وريثًا. وأيضًا، فحين غادر الخزانة العامة، كان عليه أن يمول شؤونه الحياتية، خاصةً بعد أن قلل من ساعات تدريسه بكامبريدج. دخل كينز بمجال الاستثمارات المالية، ونال مقعدًا بمجلس إدارة شركة National Mutual Life Assurance Company بـ 1919، ثم Provincial Insurance Company منذ 1923. كانت مهمته أن يعطي توقعات حول السلع (حين كان مديرًا بكلية كامبردج، طلب استغلال صحن الكنيسة في تخزين القمح) والجنية الاسترليني، فكان يلعب بمال عائلته دون أن يعلم. كان كينز ضد رائدي الأعمال والمضاربين، فقد كان الاثنان يجلبان التهديدات، على عكس أصحاب الدخول الذي «تمنى أن يموتوا موتًا رحيمًا».
كان كينز يتكسب من كتاباته، مثل ونستون تشرشل: كان ينشر في Manchester Guardian التي غطى لها مؤتمر جنوة الاقتصادي عام 1921، وفي Nation and Athenaeum، وكان ينشر كتبًا ويتكلف طباعتها بنفسه حتى لا يعطي للناشر أكثر من 10% من المكسب. ووعلى المستوى الأكاديمي، كان يدير جريدة Economic Journal منذ 1911 حتى 1937.
كان لكينز قوة إعلامية كبيرة تتيح له نشر كتاباته، كما كان لو نفوذ كبير يمارسه عبر مشاركته في عدد من النوادي. فقد كان عضوًا بنادي Other Club المؤَسَس من قبل ونستون تشرشل، وكان من مؤسسي Tuesday Club الذي كان يجتمع فيه رجال السياسة والمال والجامعيون والصحفيون كل ثالث ثلاثاء من كل شهر، وأسس بكامبريدج Political Economy Club الذي كان يجتمع الاثنين.
كان يستطيع كينز في 1920 أن يلحظ صحة أطروحاته: فقد كانت تُمول الإصلاحات وتُدفع الديون بشكل بطئ للغاية، وكان الموقف الاقتصادي في أوروبا مؤسفًا. كتاب كينز Tract on Monetary Reform (تخطيط الإصلاح النقدي)، كان من الأفكار التي أكد عليها أن التضخم قد يؤدي للثورة، وأنه من الضروري إجراء إصلاح نقدي لإعادة بناء أوروبا، وأنه من الأفضل خفض قيمة العملة بدلًا من الوقوع في انكماش للاقتصاد وللسوق.
من ذلك المنطق، عارض كينز تشرشل، الذي تردد كثيرًا قبل أن يعود للغطاء الذهبي مع تكافؤ في السعر يعود لزمن إسحاق نيوتن، ومضى في سياسات انكماشية حرضت على الاعتصامات والمشاكل الاقتصادية. ألهمت تلك الأحداث كينز لتأليف كتاب أخر: The Economic Consequences of Mr. Churchill (التوابع الاقتصادية لممارسات السيد تشرشل) (1925). عارض كينز الغطاء الذهبي في تلك الفترة لأنه وجد أنه يجبر الدول المأزومة بقبول أي تعديل، التي من شأنها أن توردهم غرقى في الكساد. شكل هذا القلق خاصية ثابتة في مشاريعه لإصلاح النظام النقدي العالمي.
نهاية 1922، اشترى كينز بالاشتراك مع عائلة رونتري [Rowntree] جريدة The Nation المؤسسة منذ عام 1907. كانت تلك الجريدة معقلًا لليبرالية ثقافية جديدة حامت حول جامعة أوكسفورد قبل الحرب. كان هذا التيار مصرًا على ضرورة وجود سيطرة فضلى على السلطات العامة مع تحرر القطاع الخاص، ورأى أن الديمقراطية خير في حد ذاتها، ما جرح ميول كينز لسيطرة الدولة، وكذلك ميوله النخبوية. من جانب أخر، فقد مدحته جماعة أكسفورد وفكر توماس هيل جرين، الذي شكك في صلاحية مبدأ حرية السوق عبر «مزيج من الهيجلية ومن اللغة البيولوجية التي وجدها كينز وجيله من كامبريدج تحت ضوء الإدانة». فإن كان كينز قد حاز على تلك الجريدة، فمن جهة كان بهدف أن تكون منبرًا لنشر نظرياته النقدية، ومن الممكن أيضًا لنشر أفكار مدرسة كامبردج الاقتصادية.
وبشكل موازٍ، كان مجموعة من ليبراليي مانشستر أطلقوا مدارس صيفية كي يواكبو أوكسفورد وكامبردج بهدف خلق نواة لإطلاق حزب ليبرالي ذات سياسة مناسبة للعشرينات. شارك كينز بعدة جلسات وُلد عنها مؤتمر في عام 1926 بعنوان «ألازلتُ ليبراليًا؟» مفكرًا بعض الوقت في أسكويث، الذي تركه بعدها بفترة لأجل لويد جورج، كتب كينز: «ليس من مكان أخر، باستثناء الجناح اليساري من حزب المحافظين، لهؤلاء المرتبطين بقوة للفردانية القديمة ولسياسة السوق الحرة بشكلها الصارم حتى ولو كانت لهما مساهماتهما الكبيرة في نجاح القرن التاسع عشر».
بشكل عام، انخرط كينز بقوة في الحزب الليبرالي فيما بين 1924 لـ 1929. وفي 1927، شارك في كتابة الكتاب الأصفر للحزب، معنون باسم Britain"s Industrial Future (مستقبل بريطانيا الصناعي). في 1928، كتب مع هوبرت هندرسون كراسة بعنوان Can Lloyd George do it? (هل يستطيع لويد جورج النجاح؟)، وذلك بغرض تأييد السياسات المعروضة في وثيقة الحزب الليبرالي We can Conquer Unemployment (نحن نستطيع القضاء على البطالة). وفي النهاية فقد الحزب الليبرالي الانتخابات أمام حزب العمال، حيث وصل رامزي ماكدونالد للسلطة في عام 1929 مع سنودن كمستشار لخزانة الدولة، والذين استكملوا السياسة الانكماشية التي بدأها تشرشل، والتي لم تُهجر رسميًا إلا في 1931.
لم يعرض كينز نظريته الاقتصادية حقًا إلا متأخرًا، والتي سماها الاقتصادي دون باتنكن «ثلاثية كينز»، والتي ضمت A Treatise on Money (رسالة في المال) (1930) بجزئيه، ومؤلفه الرئيسي The General Theory (النظرية العامة) (1936).
خرجت A Treatise on Money (رسالة في المال) للنور عام 1930. كينز، الذي كان عضوًا بلجنة ماكميلان المكلفة بتقديم الاستشارة لحكومة رامزي ماكدونالد، لم يكن لديه الوقت لأخذ آراء الاقتصاديين في كتاباته أو أن يراجعها بالشكل الذي أراده. كما أن هذا الكتاب خيَّب أمل كينز سريعًا لأنه لم يسلط الضوء على العوامل التي تؤثر على مستوى الإنتاج.
تَكَوَّن الكتاب من جزئين، الأول، مُعَنْوَنًا بـ «النظرية الصافية في العملة»، عرَّف فيه كينز طبيعة العملة ومضى يصف أصوله التاريخية قبل استعراض نظرية تعرض الجوانب الإحصائية والديناميكية لها. أما الثاني، المُعَنْوَن بـ «النظرية التطبيقية في العملة»، عرض كينز دراسة تجريبية للمتغيرات الحرجة لنظريته، ثم ركز على الخصائص المؤسسية الكبرى التي ستشكل إطارًا عامًا لتلك النظرية. وفي النهاية، عرض السياسات النقدية، والتي تتصف خصائصها الكبرى، وفقًا لدون بانتكن، بأنها: «تتدفق مباشرةً عن تحليله النظري»، حيث قال كينز عن دورة الائتمان بأنها تُولد عن طريق تغير الأسعار المرتبط بمشاكل التكلفة الناتجة عن الربح (أو الخسارة)، ومن ثَم ارتفاع (أو انخفاض) الإنتاج وفرص العمل، فالحل إذن لتثبيت الاقتصاد وفقًا لكينز (كما سبقه في ذلك ويكسل، فيشر، بيجو، ومن بعدهم مدرسة شيكاغو في الثلاثينيات...)، يكون عبر تثبيت الأسعار. يستكمل كينز قائلًا بأن المتغير الأكبر في سبيل الوصول لذلك الهدف هو في تحديد البنك المركزي لسعر الفائدة الرسمي، الذي يجب أن يزيد حين ترتفع الأسعار وتقل حين تنخفض الأسعار.
نهاية عام 1931، لم يعد الحزب الليبرالي نشطًا. فقد ضعفت نفوذ كينز واضمحل تأثيرها بسبب صعود المحافظين متجمعين حول نيفيل تشامبرلين، وذلك من بعد اندماج جريدة Nation مع New Statesman الصادرة عن الجمعية الفابية، فضعف تأثيره على الجريدة الجديدة نظرًا لاضطراره للعمل مع المحرر الجديد كينغزلي مارتن، والذي لم يشاركه الأفكار. فنتج عن ذلك قلة انشغال كينز بالحياة السياسية فصار لديه وقت أطول يُسخره للنظرية.
شهدت بدايات الثلاثينيات تغيرات مهمة على مستوى علاقاته، فقد تُوفي بعض من أصدقائه (ليتون ستراتشي، روجر فراي)، بينما ابتعد عنه البعض الأخر مثل هربرت هندرسون، ثم تقرب كينز من اقتصاديي كامبردج. وفي العام اللاحق على نشر كتابه رسالة في المال، تناولته «Cambridge Circus» (دائرة كامبردج)، الذي ضم حينها الأعضاء الأكثر شهرة: ريتشارد كاهن، جوان وأوستن روبنسون، جيمس ميد، بييرو سرافا، وغيرهم. وقد بدأ كينز فعليًا منذ بدايات عام 1932 في كتابة ما سيكون لاحقًا النظرية العامة.
يُعد كتابه، المستخلص عن مقالات جريدة تايمز: «The Means of Prosperity» (وسائل الرخاء)، مَعْلَمًا هامًا في ظهور ما سيصبح فيما بعد الثورة الكينزية. كان كينز في ذلك الكتاب أكثر جدية، وأقل تركيزًا على المشاكل الإنجليزية، فمقارنةً بمؤلفاته السابقة، كان تركيزه على الولايات المتحدة أكبر من تركيزه على إنجلترا، حيث كان لدى الأولى تركيز أقل على المرونة(لم تكن تُعد مشكلة حينها لها) ومساحة كبرى للشكوك. وفي خريف 1934، أنهى كينز النسخة الأولى من النظرية العامة، وبعثها لقراء مثل هارولد روي فور، رالف جورج هاوتري، ودينيس هولم روبرتسون. خرج هذا الكتاب عام 1936، والذي أهل كينز كي يُعتبر كشخصية كبرى في الاقتصاد (يزيد البعض بوصفه بالأب المؤسس للاقتصاد الكلي الحديث).
مايو 1937، أُصيب كينز بنوبة قلبية تعافى منها ببطء. وأثناء فترة نقاهته، ساهم في نشر أفكار ولكن دون نشاط حقيقي حتى عام 1939. حماه إيقاع الحياة والاحتياطات التي فرضها عليه المرض في فترة الحرب العالمية الثانية من فرط المجهود الذي قوض صحة الكثير من الشباب. عمل في البداية على كيفية تمويل الحرب دون خلق أي تضخم، ونشر ثمرة فكره تحت عنوان How to Pay the War (كيف تدفع ثمن الحرب؟) (1940). استقبلت خزانة الدولة ذلك الكتاب استقبالًا حافلًا وقدرت مقترحها حول كيفية تجنب التخطيط خلال الحرب. ورغم ذلك الاحفتاء بالكتاب إلا أن فكرته حول التقشف لم تُتبع.
عاد كينز للخزانة في أغسطس 1940 بشكل تطوعي، وظل بها حتى وفاته. ساعد وزير المالية في وضع ميزانية عام 1941 بأدق التفاصيل، كما ساهم في التفكير في معضلة إيجاد تمويل لجهود الحرب الإنجليزية، كما فعل من قبل في الحرب العالمية الأولى، وقد شكل ذلك التمويل خلفية للمفاوضات التي قادت إلى اتفاقيات بيرتون وودز. وقد كان لكينز دور مزدوج، فقد كان مخططًا ومفاوضًا في نفس الوقت، مما كان يعقد عملية المفاوضات.
وفي عام 1942، قام ويليام بيفيردج بتقديم خطته بخصوص التأمين الاجتماعي، وحصل من الخزانة على فريق عمل يضمه هو شخصيًا، وليونيل روبنز، وخبيربشؤون التأمين، وذلك بغرض إعادة صياغة المشروع بشكل يجعله مقبولًا من الناحية المالية.
أثناء الحرب، كانت المشاكل الاقتصادية محل اهتمام ثلاثة مراكز رئيسية: الخزانة العامة، القطاع القانوني (Economic Section) المُدار من قبل ليونيل روبنز ومساعدة جيمس ميد، وبشكل أقل تأثيرًا، بنك إنجلترا. وبالاختلاف عن الولايات المتحدة التي كان لوزراؤها، ككورديل هل وهنري مورغنثاو، أهدافًا واضحة لما بعد الحرب، ترك السياسيون الإنجليز للخبراء مسؤولية رسم المستقبل. يعتبر روبرت سكيدلسكي أن الرؤية المستقبلية الناقصة والتورط في ملفات عدة فيما بعد الحرب يفسر سبب فشل ونستون تشرشل في الانتخابات اللاحقة على نهاية الحرب. كان كينز في المفاوضات مع الولايات المتحدة يؤدي أحيانًا وبشكل واعٍ أدوارًا تخص وزراء أخرين. كان لتواجد كينز في الخزانة أثر إيجابي وتقوية لدورها، حتى أن مؤلف سيرة ذاتية هامة لكينز يعتبره «تشرشل» الاقتصاد، مجال لم تسلط عليه السياسة الإنجليزية الكبرى إلا القليل من الضوء.
وفي أواخر حياته، نال كينز العديد من التكريمات، وصار مدير كلية إيتون، ونال لقب Lord عام 1942، بُناءً على اقتراح لتشرشل، وغيرها من التكريمات. ومات في 21 أبريل 1946 دون نسب، وفرق أخاه رماده في مدينة تيلتون، مكان إقامته الثانوي، في حين أن كينز أراد أن يظل رماده في كنيسة كلية كينغ.
قبل الاهتمام بالاقتصاد، كان كينز يكتب في الفلسفة (كانت له كتابات موجهة إما لمجموعة «رسل كامبردج» (Cambridge Apostles) وإما لمجموعة بلومزبري، مثل My Early Beliefs)، والاحتمالات (كان كتابه الأول على المستوى الجامعي Treatise on Probability) والسياسة (إحدى كتاباته في شبابه كان نصًا عن إدموند بيرك).
كان كينز، مثله في ذلك «رسل كامبردج»، متأثرًا للغاية بكتاب Principia Ethica لجورج إدوارد مور. فقد كان إدوارد يعتبر أن مفهوم الخير لا يمكن تعريفه، وأن الحدس الإنساني هو الوحيد القادر على استيعابه (سنرى لاحقًا محل الحدس لدى كينز). قاده ذلك لنقد الرؤية النفعية لجيرمي بنثام، الذي خلط المتعة بالخير، وكذلك المثاليين أمثال ماكتاجرت أو لويس ديكنسون.
في فكر مور، كان الأمر الذي يستحق الاهتمام هو «حالة العقل» (السعادة التي نحسها)، وأكثرها تقديرًا هي السعادة في العلاقات فيما بين البشر، وفي الشخص الذي يرى الجمال فيما حوله. وتتكون حالة العقل من «وحدات عضوية شديدة التعقيد، تتألف من كل من المُجَرِّب والموضوع المُجَرَّب». فبالنسبة له، التصرف الصحيح عليه أن يقود في النهاية إلى الحالة العقلية المرجوة. إذن فلابد من البحث عن الأفعال التي تنتج لنا نتائج إيجابية، مع العلم أنه من الصعب للغاية معرفة نتائج أفعالنا، ومن هنا يدلل مور على أن هذا هو سبب وجود مؤسسات تراقب وتوجه أفعالنا.
تلك الفكرة، التي طورها فريدريش هايك فيما بعد، رفضها كينز، ومن هنا سيبدأ اهتمامه بالاحتماليات. فبالاختلاف مع مور وديفيد هيوم الذين رأوا أن المعرفة المحتملة تُبنى على التجربة، اعتبر كينز أن الاحتماليات تمكننا من التنبأ بنقطة معينة في المستقبل أو على الأقل بنتائج أفعالنا. ولكنه اتفق مع مور في فكرة أهمية الهدف عن الوسيلة، وأن ذلك الهدف ليس ماديًا فقط كما يقول مور. كان كينز يعتبر أن الماركسية تكمن في معارضة نفعية بنثام وبرهان الخلف لبنثام.
بدأ اهتمام كينز بالاحتماليات منذ 1904، حيث كتب مقالة بهذا الشأن وقرأها على «رسل كامبردج»، وعاد لتناول الموضوع في 1907 بكتابته لورقة بحثية بخصوص ذلك الشأن للحصوص على زمالة كلية كينغ، ولكنه فشل في ذلك، فقام بإعادة كتابة تلك الورقة ومراجعتها لنيل الزمالة في 1908. واستطاع في عام 1921 أن ينهي مشروعه، تحت عنوان Treatise on Probability (رسالة في الاحتماليات).
كان هدف كينز على مدار كتاباته أن يثبت خطأ مور، ويبين أن للإنسان قدرة حقيقية على التحكم في مصيره، وليس عليه أن يسلم يخضع نفسه بالكامل لتقاليد مجتمعه، ولفعل ذلك، عارض النظرة التي ترى في الاحتماليات أنها مجرد ترددات غير مؤكده، فقد رآها، كما فعل غوتفريد لايبنتس من قبله، أنها فرع من المنطق. وقد تأثر بتلك النظرة أيضًا برتراند راسل، وألفريد نورث وايتهيد، أحد ممحتنيه الذين صُدموا بنهج كينز. بل أن كينز قد رأي أن الاحتمالية ليست مجرد تحليلًا مترددًا عن حقيقية من حقائق الطبيعة، ولكنها أيضًا تعبر عن درجة من القناعة المعقولة. فيرى كينز أننا نتلقى بشكل حدسي عدة علاقات سببية، والتي تكون لها الثقل الأكبر وبالتالي احتمالية كبرى بأن تكون صحيحة، فتكون الاحتمالية الأصح حينها هي تلك «المبنية على أكبر قدر من الأدلة ذات الصلة». وقد شاركه راسل في تلك النظرة ورأى في كينز حليفًا قويًا للتجريبية المنطقية، فقد رأي أن المنطق لم يكن لا تجريبيًا ولا تحليليًا.
وقد رأى روبرت سكيدلسكي أن تلك النظرة الاحتمالية كان لها أثرين على تفكير كينز الاقتصادي: فمن جهة، رفض كينز فرضية أنه من الممكن حيازة معرفة يقينية في الاقتصاد - ولم يكن بذلك بعيدًا عن ألفرد مارشال الذي ما رأى القوانين الاقتصادية إلا اتجاهات بسيطة؛ ومن جهة أخرى، عارض كينز الشكليات المفرطة التي تسعى لإضفاء صفة اليقينية على ما هو احتمالي.
استقبل الفلاسفة وعلماء الرياضيات الشباب في العشرينيات - فرانك رامزي ولودفيغ فيتغنشتاين فو - فور خروجها للنور، وذلك لانتمائهما لمدرسة فلسفية أكثر تقنية، فقد كان «عالم رامزي مكون من التفضيلات والرهانات... البشر لكينز كانوا مفكرين مزودين بأداة التفكير: المنطق. أما لرامزي، فقد كان البشر فاعلين مزودين بأدوات الفعل، والقدرة على إجراء الحسابات».
كينز في 1904 مخوطة لم تُنشر بعنوان The Political Doctrine of Edmund Bruke (المذهب السياسي لإدموند بيرك). وفقًا لدوستايلر، حين كان يصف كينز بيرك فقد كان أيضًا يصف نفسه: فقد وجد أنه مليئًا بالتناقضات، فهو «محافظ وليبرالي في آنٍ واحد، مع التجارة الحرة ومع الإمبريالية، ممجدًا لثورة إنجلترا المجيدة ومعاديًا للثورة الفرنسية»، كما وجد فيه غرورًا غير مكروهًا للرجال الكبار. يتميز فكر بيرك بسمتين تبررا اعتناقه لفكره: فمن جهة (مثله في ذلك مثل كينز)، يرى أنه من الخطر التضحية بمصلحة حالية من أجل مصلحة مستقبلية غير موثوق منها؛ ومن جهة أخرى، يعتبر أن «عظمة بيرك تكمن في مجال الاقتصاد، في مذهب الـ expediency (النفعية)» ورفضه التمسك بحق مجرد. إذا قدر كينز بيرك على أنه الفيلسوف الأول الذي يقبل بشكل متسق مبدأ أن السعادة الكبرى تكمن في سعادة أكبر عدد من البشر على المستوى السياسي، فقد تلمس أيضًا حرجه الكبير تجاه الإصلاحات، حتى أنه وجد أن بيرك قد دافع عن حق الملكية إلى حد يهدد جوهر الليبرالية ذاتها. وفيما يخص بيرك، يقول كينز:
«تظهر جوانبه الإيجابية في كل ما هو حاضر- السلام والاستقرار، الصداقة والمحبة، الحياة الأسرية، وكل تلك الأفعال العطائية الصغيرة والتي نساعد من خلالها غيرنا. فهو لا يرى أن الإنسانية تُقاد بالحديد والنار نحو مصلحة عليا ومجيدة في المستقبل البعيد؛ فليست هناك خطط ألفية سياسية توضع أولًا وتُدعم فيما بعد الجهد والتضحيات الحاضرة... على السياسيين أن يأخذوا الحكمة عن مدرسة بيرك، وإذا أرادوا أن يضعوها في سبيل خدمة أهداف كبيرة وصعبة، فعليهم أن يبحثوا في أفكار أخرى تدعمهم»
متأثرًا بشكل ما ببيرك، يوجد لدى كينز بعض الميول النخبوية والتكنوقراطية، حيث يُنَوِّه جيل دوستالى (كاتب من الكيبيك) إلى أن «صورة المجتمع لدى كينز تتمثل في أن يُقاد بحزب تقوم عليه نخبة متنورة، وبشكل أدق، عبر اتحاد قيادي قوي ونخبة من المستشارين». استفزت تلك التوجهات الأرسطية هاري دكستر وايت أثناء اتفاقيات بريتون وودز، واستفزت أيضًا رامزي ماكدونالد الذي خرج مغتاظًا بعد اجتماع جمعه بكينز، معلنًا له أنه «يعتبر نفسه الاشتراكي الحقيقي الوحيد الحاضر!». ولكن على النقيض من ذلك، سهلت تلك الميول اتصاله بونستون تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية.
وفي أثناء النقاش حول مبدأ التخطيط الذي أثير في الثلاثينيات، كان تدخل كينز الوحيد هو في دفاعه عن هربرت جورج ويلز ضد انتقادات ستالين وجورج برنارد شو. فقد عرض ويلز في كتابه المنشور عام 1927، The World of William Clissod (عالم ويليام كليسود)، فكرة وجود طبقة وسطى من التقنيين والمهندسيين لها دور هام كي تلعبه في الغرب، في حين أن ستالين أنكر أن يكون هذا الدور مختصًا بالبروليتاريا. وحين تدخل كينز لدعم ويلز، كان فقط للإشارة إلى أن الأخير لم يُشِر إلى الدور المنوط بتلك الطبقة الاجتماعية، وهذا ما كان يسعى كينز لتعريفه وللتنظير فيه.
كتابه «نهاية اقتصاد عدم التدخل»، الناتج عن كلمة ألقاها في 6 نوفمبر 1924 في المؤتمر السنوي لـ Sidney Ball Foundation في أكسفورد، ثم في جامعة هوبولت في برلين في يونيو 1926 (وفقًا لفان دي فيلد)، يدعم كينز أن «صفحة من التاريخ الإنجليزي والغرب قد قُلبت بلا رجعة على أعتاب القرن العشرين؛ تلك التي خلقت توافقًا حول اقتصاد عدم التدخل كوسيلة وحيدة للوصول للرفاه». وقد تساؤل كينز عن أسباب تسلط ذلك النوع من الاقتصاد القائم على مبدأ laissez-faire (دعه يفعل) على القرن التاسع عشر، افترض عدة افتراضات:
على مستوى الاقتصاد السياسي، اقترح كينز عدة مسارات. ففيما يخص المؤسسات الكبيرة ذات النفع العام، يفضل كينز أن تُنظم على وحدات مستقلة (كالجامعات الكبيرة) أو شبه مستقلة في هيئات تقع تحت مسؤولية الحكومة بشكل مباشر. وإن كان كينز معارضًا لاشتراكية الدولة، والتي يرى أنها تنبع من نظريات جيريمي بنثام، فهو يوكل للسلطات العامة 4 مسؤوليات: السيطرة على النقد والائتمان، جمع البيانات الخاصة بالدولة للأعمال التجارية وانتشارها على نطاق واسع، تحديد مستوى التشقف والاستثمار، وتحديد سياسة رشيدة تمس المواطنين.
نُظمت تلك الأفكار على شكل اقتصادي مؤسسي، وعُرضت في كلمة أُلقيت في Liberal Summer School (المدرسة الليبرالية الصيفية) بكامبردج، في أغسطس 1925، مُعَنوَنة بـ «هل أنا ليبرالي؟»، والتي نُشرت فيما بعد في The Nation وAtheneum في 8 و15 أغسطس 1925.
لحق كينز بجون روجرز كومنز، الذي ميز بين ثلاث نظم اقتصادية متتابعة: عصر الندرة، وعصر الوفرة (حيث تقع ذروة القرن التاسع عشر)، وأخيرًا عصر الاستقرار والتي فكر الاثنان في الدخول إليها. يتصف العصر الثالث بضعف الحريات الفردية، ويرجع ذلك لصعود قوة المؤسسات الكبيرة والاتحادات والشركات والنقابات. وفي تلك الظروف، ستكون مهمة الليبرالية الجديدة هي «السيطرة على تلك القوى الاقتصادية وقيادتها في سبيل خدمة العدالة والاستقرار الاجتماعي»، مع تحديد «سياسة جديدة وأدوات جديدة للتكيف مع لعبة القوى الاقتصادية والتحكم فيها بشكل لا يضر بشدة بما نراه في حاضرنا كأمر عادي في شأن الاستقرار والعدالة الاجتماعية».
استُعمل مصطلح «الثورة الكينزية» للمرة الأولى عبر لورنت كلين في 1947، في كتابه المُعَنوَن The Keynesian Revolution (الثورة الكينزية). ولتلك الثورة صفتان رئيسيتان: تفنيد قانون ساي، والذي يرى أن السوق هو الأقدر على ضبط نفسه، وصنع إطار تحليلي يضع مسارات عقلانية لسياسات اقتصادية.
مبدئيًا، تلك النظرية تعتبر أن العمالة والإنتاج كلًا واحدًا، لا ينقطعان عن بعضهما البعض، وليس كما يقول الكلاسيكيون، بأنها نظرية تعرض استخدامات بديلة لكمية الموارد المتاحة.
يرى كينز أن اقتصاد السوق لا يملك آليات تقوده تلقائيًا لاستغلال كامل الموارد المتاحة، ومن هنا تتواجد احتمالية حدوث بطالة لا إرادية (أي بالإجبار)، مما يؤكد على ضرورة تدخل قوة خارجية عن السوق.
مضى تفكير كينز بقواعد الاقتصاد الكلي للعرض العام والطلب العام. ففي إطار الاقتصاد الكلي، الإنتاج، وبالتالي العمالة، تعتمدان على التكلفة. فإذا لم يكن الطلب مُرضيًا، فالشركات لن تنتج بشكل كاف ولن توظف كل العاملين، ومن هنا على الحكومة أن تقود سياسات لدعم الطلب، أي أن تدعم الاستهلاك و/أو الاستثمار. كما يصر كينز بشكل خاص على الاستثمار.
كان هذا التساؤل في قلب تفنيد كينز لقانون جان باتيست ساي القائل بأن العرض يخلق طلبه الخاص؛ يُبنى هذا القانون أو بالأحرى يُعَبِر عن رؤية متفائلة، وأيضًا أن طبيعة الاقتصاد الكلاسيكي لا يمكن أن تجعله يمر بأي أزمات اقتصادية على المدى البعيد. وقد علق كينز على ذلك القانون بعد التفكير فيه مليًا بأنه على المدى البعيد سوف نكون جميعًا أمواتًا. إذا كان كينز حساسًا لتلك النقطة، فمن ضمن أسباب تلك الحساسية أنه بسبب ذلك القانون، بشكل أو بأخر، رُفضت مقترحاته بسياسات اقتصادية في العشرينيات.
أما حجج كينز فهي كالآتي:
فمن جهة، فالمال من الممكن أن يكون هدفًا في حد ذاته، فالدخل المكتسب ليس بالضرورة أن يُصرف كله ويُستثمر، ولكن من الممكن أن يُدخر بشكل سائل، ما يمنع وجود مساواة بين العرض العام والطلب العام. مما يؤدي لاختلاف جوهري مع الكلاسيكيين، حيث فقد المال تأثيره على الآليات الحقيقية للسوق، أو كما قال كينز من قبل: في الاقتصاد الكلاسيكي، المال مجرد حجاب.
في حين أن المعرفة، بالنسبة للكلاسيكيين (الكلاسيكيين الإنجليز كانوا غالبًا تلامذة جيرمي بنثام)، قاطعة، وأنه من المفترض بالمنتجين أن يكونوا عالمين جيدًا بما سيكون عليه الطلب. أما بالنسبة لكينز فقد كان الأمر غير ذلك، ورأى أنهم يقومون بتوقعات، وأن الشكوك تتواجد دومًا. إذن، فإذا قدم رجال الأعمال توقعات (تُسمى «طلبات فعَّالة») متشائمة، فتلقائيًا ستوجد بطالة. جدير بالتذكرة أن في مسابقات جمال كينز، التوقعات لا يمكن أن تكون حقائق موضوعية. استلهم كينز تلك الملاحظة من مسابقة نظمتها مجلة لتحديد أجمل ستة وجوه، وكانت الفائزات هن اللاتي كن القربى من جمال متوسط القراء. كما أن منظمي المسابقة أنفسهم قد قرروا مسبقًا ألا يختاروا الشخص ذات الوجه الذي يسعدهم، ولكن الشخص ذات الوجه المُسعِد لأكبر عدد ممكن من الناس. فإذا كانت تلك الآلية تتواجد في المجال المالي، والذي يهدد، بالنسبة لكينز، بتحويل ذلك المجال لملهٍ ليلى، فهو يصف أيضًا انحيازات مسبقة قد تضرب التوقعات بعرض الحائط.
لأنها تفترض أن العمال يتصفون بالمرونة ويتكيفون على الطلب، من أعلاهم لأدناهم. يعتبر كينز أن تخفيض الأجور الرمزية يقلل من القوة الشرائية، ويؤدي أيضًا لتخفيض أسعار البيع وأخيرًا يؤثر على الأرباح، ومن هنا يأتي إصراره على ضرورة الحفاظ على ارتفاع الأجور في حالات الكساد.
يكن كينز الاقتصادي الأول الذي شكك في قانون ساي. فقد وقف توماس مالتوس وجان دي سيسموندي مسبقًا ضد ذلك القانون. ولكن كان تميز كينز عن سابقين في تقديم نظرية بديلة. فعلى المستوى التنظيري، قام كينز، مثل ريكاردو، بتعيين عدد من المتغيرات الرئيسية (حددها في الاستهلاك، الاستثمار، سعر الفائدة، عرض وطلب المال بشكل رئيسي) من أجل إعطاء معنى لمشكلة معقدة. رغم أن كينز يحب المنظرين الحدسيين، كتوماس مالتوس أو ستانلي جيفونز، نظرًا لأنهما أكثر إبداعية، إلا أنه استلهم طرق تصميم النظرية من أدوات لاكتشاف الحقائق المتماسكة وغيرها من ألفرد مارشال، مازج ومُجمع للأفكار والآراء. ونتج عن توفير النظرية لأدوات متاحة للتبني من قِبَل طيف واسع من الاقتصاديات، فقد تُبنيت النظرية الكينزية بسرعة «عبر الليبراليين والأنجلوساكسونيين المتطرفين بشكل أكبر من حزب العمال، الديمقراطيين الاشتراكيين، والاشتراكيين الإصلاحيين بأوروبا، وأيضًا عبر الديمقراطيين المسيحيين، المصلحين الاجتماعيين، أنصار التنمية الاجتماعية الوطنيين، ورثة كولبير، ولست، و[هنري شارل] كاري». كان كينز واعيًا بذلك، كما تبين في رسالة بعثها لغاردينر مينز في 10 أغسطس 1939:
«أريد أن أؤكد على التفرقة ما بين نظريتي العام، والتي يُنظر إليها كنظرية أكثر أو أقل عمومًا، وتطبيقاتها والتي من الممكن أن تُنفذ في ظروف مختلفة وفقًا لعدة افتراضات واقعية... أرى النظرية قابلة للتطبيق أيضًا بشكل جيد في الاقتصاد المرن عن الجامد أو في موقف وسط»
ستساهم تلك الأدوات التنظيرية، والتي سيصل بها الكينزيون الجدد لمرحلة الكمال، في بناء أساس لمجال سياسة الاستقرار.
لم يقترح كينز استبدال السوق ونظام الأسعار عبر التخطيط المركزي، وإنما ضبط السوق أثناء ترك الأفراد أحرارًا في إنفاق ما يكسبون، وذلك عبر سياسات اقتصادية بهدف تحقيق الانتعاش والاستقرار الاقتصادي.
ولأجل فهم مقصد السياسات الاقتصاد الكينزية، فلابد من الرجوع لوالتر ليبمان، والذي رأى أنه «لأجل تحقيق التوازن في القطاع الخاص فلابد من تدخلات تعويضية من القطاع العام».
كينز مرتين لمفهوم اليد الخفية، ففي مقالاته في جريدة The Times منذ 12 حتى 14 يناير 1937، أكد على «أنه ما من سبب لادعاء وجود يد خفية، تحكم آلي للنظام الاقتصادي، والذي يضمن من تلقاء نفسه أن كمية الاستثمار النشط تكون دومًا على المستوى المطلوب». ولكن، رغم أن اليد الخفية لا تؤدي بشكل تلقائي للوضع الاقتصادي الأمثل، كما تبين معارضته لقانون ساي، إلا أنه تتواجد قوى في السوق (اليد الخفية) التي تسعى، تحت عدة شروط مؤسسية، لأن تدفع نحو الاستقرار: «هناك تيارات قوية سرية في النظام السائد كامنة بتلك الأمور، قوى طبيعية كما يقول البعض، أو حتى اليد الخفية، والتي تدفع نحو التوازن».
يلزم التنويه بأن كينز ومن بعده الكينزيين الجدد حين ذكروا أنهم يرغبون بمنح الدولة الأدوات اللازمة لقيادة سياسات اقتصادية، فلم يريدوا الدولة بمعناها القانوني، وإنما بمعناها الواسع، أي المؤسسات العامة أو الخاصة التي تعمل على المصلحة العامة، لا مصلحة خاصة قصيرة المدى. ولكن بسبب ميول كينز النخبوية والتكنوقراطية، فقد توجه نحو موظفي الدولة الكبار الذي طبقوا الاقتصاد الكينزي في فرنسا أثناء الثلاثين المجيدة، ما أبعده عن الكينزيين الجدد الأمريكيين والأكثر ديمقراطية، الذين كانوا مفضلين لمفهوم القوى المضادة على المستوى السياسي عن الاقتصادي.
وعند تفحص محتوى السياسات الاقتصادية، يتبين أن كينز يفضل سياسة نقدية مسيرة، ويوكل للسياسة المالية مهمة القضاء على الكساد والتضخم.
وفيما يخص السياسات المختصة بالإنعاش الاقتصادي المبنية على الطلب، فقد عارض فكرة الضبط الدقيق للاستهلاك لجيمس ميد أثناء الحرب، ولذلك التحفظ سببان: فهو يرى أن المهم ليس الاستهلاك، بل الاستثمار، ومن جهة أخرى، رأى كينز أن القطاع الاقتصادي المُدار من قبل ليونِل روبنز وجيمس ميد يهمل بشكل كبير المشاكل المؤسسية الخاصة بالصناعة في الاقتصاد الإنجليزي، وبالتالي الاستثمارات المطلوبة لتجاوزها. وفي المقالات الثلاث المنشورة بـ The Times الذين ذُكروا مسبقًا، يقترح كينز أن تكون الميزانيات متوازنة في دورة، بمعنى أنه من الممكن أن يكون هناك عجز بالفترات المنخفضة اقتصاديًا، ولكن لابد أن يكون هناك فائض أثناء الفترات المرتفعة. حين تفكر كينز في الوصول لهدف العمالة الكاملة غير التضخمية، حدده اللورد بيفيردج بنسبة 3%، أما كينز فبنسبة 4.5%.
بالإضافة إلى قيم الثورة الكينزية، فهناك سبب أخر ساعدها في الانتشار السريع، وهو اقترانها بثورة أخرى أقل ظهورًا، ولكنها أثرت بشدة في التيار الكلاسيكي الجديد: تحويل علم الاقتصاد لعلم قائم بشكل رئيسي على الرياضيات.
إذا كان كينز يدعو لتطوير الحسابات القومية الضرورية لتوفير معلومات مفيدة لهؤلاء الذين يرسمون السياسات الاقتصادية، فقد خشي من تحويل الاقتصاد لعلم رياضي لمخافته من إيهام الناس بأن الاقتصاد علم طبيعي، فقد رأى كينز أن على الاقتصاد أن يأخذ في حسابه الطبيعة البشرية، على عكس ليون والراس وجيرمي بنثام في مذهبه النفعي. فقد كان دورها قاصرًا على تقديم الأدوات المطلوبة ب