اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت الإمارة حين تولاها عبد الرحمن بن محمد مضطربة للغاية، انطلقت فيها الثورات والتمردات في كل مكان، حتى أن ابن عذاري وصف الأندلس في تلك المرحلة بأنها «جمرة تحتدم، ونارًا تضطرم شقاقًا ونفاقًا». وكان على الأمير الشاب أن يسرع في تدبير أمور دولته، ومجابهة العصاة والمتمردين قبل أن يفقد السيطرة على الأوضاع وتذهب دولة بني أمية بالكُليّة. فبعد أن أخذت البيعة لعبد الرحمن، بدأ الأمير الشاب في ترتيب الشأن الداخلي لإمارته، فولى مولاه بدر بن أحمد الحجابة، وأقر بعض الوزراء من ذوي الخبرة كأحمد بن محمد بن أبي عبدة الذي ولاّه قيادة الجيش كما استبدل البعض الآخر.
سارع عبد الرحمن بعدئذ بإرسال حملة بقيادة القائد العباس بن عبد العزيز القرشي لقتال الثائر البربري "الفتح بن موسى بن ذي النون" وحليفه محمد بن إدريس الرباحي المشهور بأرذبلش، اللذان أعلنا التمرد في كورة جيان، فإلتقاهما في ربيع الآخر من عام 300 هـ في منطقة قلعة رباح، وهزمهما وقتل أرذبلش والكثير من أتباعهما، وأرسل العباس رأس أرذبلش إلى قرطبة، فوصلها في 10 ربيع الآخر من عام 300، وعُلق بباب السدة، فكان رأس أرذبلش أول رأس لمتمرد ترفع في عهد الأمير عبد الرحمن، وبذلك أنهى عبد الرحمن التمرد في تلك الكورة.
أرسل عبد الرحمن بعد ذلك حملة نحو الغرب لاسترداد إستجة من أتباع ابن حفصون، ثم خرج بنفسه في شعبان 300 هـ بجيش توجه به نحو الجنوب الشرقي نحو كورة إلبيرة، إلا أنه غير وجهته نحو كورة جيان وسط الأندلس فاستولى على حصن مرتُش، وأرسل قوة نجحت في استرداد مالقة. ومن مرتش توجه عبد الرحمن بجيشه نحو حصن المنتلون الذي تحصن به سعيد بن هذيل أحد زعماء المولدين وحاصره إلى أن سلم سعيد بن هذيل الحصن بعد أن أمنه عبد الرحمن على حياته في رمضان 300 هـ. ثم بدأ عبد الرحمن في انتزاع الحصون التي احتلها المتمردون الواحد تلو الآخر فانتزع حصن شمنتان من عبد الله بن أمية بن الشالية وحصن منتيشة من إسحاق بن إبراهيم ثم سائر حصون كورة جيان من أتباع ابن حفصون من زعمائها الذين دخلوا في طاعة الأمير بعد أن عفا عنهم. بعدئذ توجه عبد الرحمن بجيشه جنوبًا نحو كورة ريُّة معقل ابن حفصون فأخضع سائر حصونها ومنها إلى مدينة وادي آش فاستردها وأخضع حصونها وسائر حصون جبل الثلج.
حاول ابن حفصون أن يخفف الضغط الذي سببته هجمات جيش الأمير على مناطق نفوذه بأن أرسل قوة لمهاجمة غرناطة، إلا أن خطته فشلت بعدما نجحت حاميتها وأهل ألبيرة في صد ذاك الهجوم. واصل جيش الأمير انتزاعه للحصون من أيدي الثائرين وإخضاعها حتى بلغ جملة ما افتتحه عبد الرحمن في غزوته تلك سبعين حصنًا من أمهات الحصون سوى توابعها من الحصون الصغيرة والأبراج والتي وصل عددها إلى ثلاثمائة، ثم عاد إلى قرطبة يوم عيد الأضحى مكللاً بالنصر بعد ثلاثة أشهر من الغزو.
بعد عودة عبد الرحمن إلى قرطبة، سرعان ما لعبت الأحداث دورها لتساعد الأمير الجديد، فجاءته أنباء وفاة إبراهيم بن حجاج زعيم إشبيلية واقتسام ولديه عبد الرحمن ومحمد الحكم، فتولى عبد الرحمن حكم إشبيلية بينما تولى محمد حكم قرمونة. ثم توفي عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج في المحرم من سنة 301 هـ، فطمع أخوه محمد في حكم إشبيلية، إلا أن أهل إشبيلية اختاروا لهم زعيمًا آخر من بني حجاج أيضًا يدعى أحمد بن مسلمة بن حجاج. غضب محمد بن إبراهيم من اختيار أهل إشبيلية لابن مسلمة، فلجأ محمد للأمير عبد الرحمن ودخل في طاعته، فبعث له الأمير بجند حاصر بهم المدينة وضيق على أحمد بن مسلمة الذي استنجد بابن حفصون الذي سار إليه بنفسه تعضيدًا، وتقاتل الفريقان في معركة دموية رهيبة انتهت بهزيمة ابن مسلمة وحليفه ابن حفصون شر هزيمة، فانتهز الأمير تلك الفرصة وأرسل جيشًا بقيادة حاجبه بدر بن أحمد، الذي نجح في دخول إشبيلية دون إراقة دماء في جمادى الأولى في نفس العام، إلا أن عبد الرحمن لم يولّ محمد بن إبراهيم حكم المدينة وعين لها سعيد بن المنذر القرشي حاكمًا لكورة إشبيلية من قبله، لينهي عبد الرحمن بذلك تمرد إشبيلية على سلطة الإمارة.
ما أن عاد عبد الرحمن إلى قرطبة بعد غزوة المنتلون، عاد ابن حفصون إلى مهاجمة حصون كورة ريّة والجزيرة الخضراء، فعادت تلك المناطق لسابق ثورتها على الأمير في قرطبة، مما دعى عبد الرحمن أن يخرج بنفسه مرة أخرى في شوال 301 هـ، فتوجه إلى قلعة طرش وحاصرها، وافتتحها والعديد من الحصون تباعًا، فإضطر عمر بن حفصون أن يخرج بقواته مع حلفاؤه من الممالك المسيحية في الشمال لقتال جيش الأمير فالتقى الجيشان عند قلعة طرش، ودارت معركة كبيرة انتهت بهزيمة ابن حفصون وحلفاؤه ومقتل عدد كبير من جنودهم، ففر ابن حفصون غربًا.
واصل عبد الرحمن ضغطه على خصمه ابن حفصون، فأرسل جزءً من أسطوله لاعتراض السفن المحملة بالمؤن التي أرسلها الفاطميون حلفاء ابن حفصون من المغرب لدعم ابن حفصون، فاستولت سفن الأمير عليها وحرقتها.
بعدئذ زحف عبد الرحمن إلى الجزيرة الخضراء ودخلها في ذي القعدة من عام 301 هـ، ثم سار إلى شذونة ومنها إلى قرمونة لإخضاع ثورة حبيب بن سوادة الذي ما أن وصل جيش الأمير إلى المدينة حتى طلب الأمان من الأمير، فأمنه عبد الرحمن على أن ينتقل بأهله إلى قرطبة. عاد عبد الرحمن بعدئذ إلى قرطبة في ذي الحجة 301 هـ بعد أن وجّه ضربة موجعة للثائرين.
وفي عام 302 هـ، عمت قرطبة الأفراح مع مولد الحكم بن عبد الرحمن ولي عهد الأمير من جارية رومية تدعى مرجان، فسُر به عبد الرحمن وأجرى العطايا والهبات احتفالاً بتلك المناسبة.
وفي نهاية عام 302 هـ، حلت مجاعة عظيمة بالأندلس استمرت للعام التالي فانتشر الوباء وعمّ الموت. أبدى عبد الرحمن حنكة في التعامل مع تلك الأزمة، فأوقف حملاته العسكرية في ذلك العام ووزّع الصدقات والمؤن على الفقراء والمعوزين، فحذا حذوه الأمراء وكبار رجال الدولة فأخرجوا الصدقات للفقراء، مما ساهم في تخفيف وطأة المجاعة على الشعب إلى حد ما، مما زاد من شعبيته بين أبناء شعبه.
ومع انتهاء البلاء، سير عبد الرحمن القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة في جيش لغزو الممالك المسيحية في الشمال، والوزير إسحق بن محمد القرشي لغزو كورتي تدمير وبلنسية فافتتح حصن أريولة ومدينة الحامة، كما وجّه الحاجب بدر بن أحمد لغزو لبلة ففتحها.
وفي عام 303 هـ، طلب ابن حفصون من الأمير الصلح، وسعى له في ذلك يحيى بن إسحاق طبيب الأمير وصديق ابن حفصون، فقبل عبد الرحمن العرض وكلّف يحيى بن إسحاق بالتفاوض مع ابن حفصون على شروط الصلح، فاتفقا على عدة شروط منها أن يقر الأمير لابن حفصون سيطرته على 162 حصنًا على أن يدخل ابن حفصون في طاعة الأمير. وافق الأمير على هذه الشروط وسعد بها ابن حفصون، وتبادلا الهدايا، ولزم ابن حفصون هذا العهد حتى مماته في ربيع الأول من عام 306 هـ.
مات عمر بن حفصون وله أربعة من الأبناء سليمان وجعفر وعبد الرحمن وحفص وابنة واحدة تدعى أرخنتا. اقتسم بني عمر بن حفصون الحصون التي كانت خاضعة لأبيهم، فكانت قلعة ببشتر من نصيب جعفر، فيما إتخذ عبد الرحمن من قلعة طرش معقلاً له، أما سليمان فدانت له أبدة.
لم يمر وقت طويل حتى نقض جعفر بن عمر العهد الذي كان بين أبيه والأمير عبد الرحمن، بل وطمع فيما في يد أخيه عبد الرحمن من حصون، مما دفع عبد الرحمن بن عمر بن حفصون للجوء إلى الأمير والدخول في طاعته مسلمًا إياه قلعة طرش. ثم أمر الأمير عبد الرحمن بعدئذ بتوجيه حملة إلى أبدة فاحتلتها وأُسر سليمان بن عمر بن حفصون، وسيق للأمير ثم عفا عنه عبد الرحمن.
وفي عام 308 هـ، قتل جعفر بن عمر بن حفصون في مؤامرة، وخلفه أخوه سليمان الذي نكث عهد الطاعة للأمير، فسار الأمير لقتاله وحاصر قلعة ببشتر، ثم فك حصارها بعد أن استعصت عليه، إلا أنه عاد وحاصرها عام 311 هـ وشدد الحصار، فإضطر سليمان للفرار من القلعة إلى جبل ببشتر، واستولى الأمير على عدد من حصونه، فاستسلم له سليمان على أن يترك له عددًا من الحصون التي في يده للأمير، وهو ما قبله عبد الرحمن وتصالحا على ذلك. عاد سليمان مرة أخرى إلى تمرده عام 314 هـ، فبعث له الأمير جيشًا بقيادة وزيره عبد الحميد بن بسيل الذي نجح في هزيمة سليمان، وقُتل سليمان وبعث ابن بسيل برأسه إلى قرطبة. خلف حفص بن عمر بن حفصون أخيه سليمان إلى أن سار له الأمير في ربيع الأول من عام 315 هـ مصطحبًا معه ولي عهده الحكم، وحاصر قلعة ببشتر لعدة أشهر حتى طلب حفص الأمان من الأمير وسلم له القلعة في ذي القعدة 315 هـ، وأرسل الأمير للقلعة واليًا من قبله لينهي بذلك تمردًا قاده بنو حفصون لنحو نصف قرن في جنوب شرق الأندلس.
وفي المحرم من عام 316 هـ، توجه الأمير ومعه ولده الحكم إلى ببشتر لتنظيم شئون المدينة التي ظلت لأعوام طويلة خارج سيطرة الإمارة، فوجدها شديدة التحصين إضافة إلى موقعها الذي زادها منعة، فأمر بادئ ذي بدء بدكّ أسوارها حتى يسهل السيطرة عليها إن تمردت مرة أخرى، ثم طهر المدينة من آثار بني حفصون وأقام الصلاة في مساجدها وهدم الكنائس والأديرة التي شيدها عمر بن حفصون بعد أن ارتدّ عن الإسلام، ثم أمر بالقبض على أرخنتا بنت عمر بن حفصون التي أصرت على تنصرها، فأعدمها عبد الرحمن بحد الردة، مما جعل المسيحيون يدرجونها في سلك قديسيهم وشهدائهم. كما أمر بنبش قبر عمر بن حفصون ليتحقق من صحة كونه مات مسيحيًا، فوجد أنه مدفونًا على الطقوس المسيحية، فأمر بصلبه في قرطبة إلى جانب أشلاء ولده سليمان وظلت أشلاؤهما معلقة حتى عام 331 هـ، ليكونا عبرة لكل من تسوّل له نفسه التمرد على سلطان الأمير.
بعد أن نجح عبد الرحمن في استعادة السيطرة على جنوب وشرق الأندلس، كان هناك تحديًا آخر أمامه في غرب الأندلس، ألا وهم بني مروان الجليقيين وهم من المولدين الثائرين على سلطة قرطبة، الذين سيطروا على بطليوس وما جاورها لنحو أربعين عامًا. ففي ربيع الأول من عام 317 هـ، قرر الأمير أن يتوجه بجيشه غربًا إلى بطليوس لينتزعها من يد عبد الرحمن بن عبد الله الجليقي صاحب بطليوس، واصطحب معه في تلك الغزوة ولداه الحكم والمنذر، فحاصر بطليوس وضربها بالمجانيق، حينئذ طلب الجليقي الأمان فوافقه الأمير على ذلك على أن ينتقل بأهله إلى قرطبة، وجعل الأمير للمدينة واليًا من قبله، لينتهي بذلك تمرد آخر لأسرة أخرى مردت على التمرد على سلطة الأمير.
توجه الأمير بعد ذلك إلى باجة لإخضاع تمرد عبد الرحمن بن سعيد بن مالك الذي رفض الدخول في طاعة الأمير، فحاصر عبد الرحمن المدينة حتى استسلم له ابن مالك يسأله الأمان، فأمنه عبد الرحمن وأمره بالانتقال وأسرته إلى قرطبة، وجعل لباجة واليًا من قبله. ومن باجة انتقل عبد الرحمن إلى أكشونبة، فبادر خلف بن بكر بالتسليم والخضوع لأمير، فأقره عبد الرحمن على المدينة على أن يلتزم بحسن السيرة ويؤدي حصته من الجباية.
في عام 314 هـ، أرسل عبد الرحمن وزيره عبد الحميد بن بسيل إلى الثغر الأعلى معقل بني ذي النون، فهاجم شنت برية وفتحها وقتل محمد بن محمد بن ذي النون، وأخضع مدينة سُرية. وفي عام 317 هـ، نجح دريّ بن عبد الرحمن صاحب شرطة الأمير أن ينهي تمرد عامر بن أبي جوشن في شاطبة، واسترد المدينة منه.
بقي أمام عبد الرحمن عقبة أخرى في الثغر الأعلى، وهي طليطلة المدينة التي ما استكانت لوال أو أمير أندلسي إلا مرغمة، ولا خضعت إلا صاغرة. وما من أمير أموي إلا وإضطر لحمل السلاح لإخضاعها، إعادة أهلها إلى الطاعة. لجأ عبد الرحمن في البداية إلى مسايرة أهلها، فأرسل إليهم في عام 318 هـ وفدًا من وجوه أهل قرطبة وفقهائها ليدعوهم للدخول في طاعة الأمير، فرفض أهل طليطلة ذلك، فقد كان في ذلك انتكاسة لهم، فقد كانوا لا يؤدون جباية ولا يلتزمون طاعة. فأرسل إليهم جيشًا بقيادة سعيد بن المنذر القرشي، فحاصرها عامين ونجح في صد جيش أتي من الممالك المسيحية في الشمال لنجدة المدينة بعد أن راسلهم أهلها، قبل أن يخرج لها عبد الرحمن في جيش آخر عام 320 هـ، مما إضطر قائد المدينة ثعلبة بن محمد بن عبد الوارث أن يطلب الأمان لأهل المدينة ودخولها في طاعة الأمير، وهو ما قبله عبد الرحمن.