English  

كتب تركة هيوم

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

تركة هيوم (معلومة)


كانت المشكلة الأساسية بالنسبة لهيوم هي مشكلة المعرفة: طبيعتها ووجودها. استفاد هيوم من لوك في حله لهذه المشكلة، ذلك لأنه استعار من لوك «المنهج التجريبي في الاستدلال أو البرهان»، واعترف بأن لوك قد سبقه في البدء بدراسة الفهم البشري كنقطة أولى لدراسة المعرفة. إلا أن استخدام هيوم للمنهج التجريبي تميز عن استخدام لوك له في الدقة والصرامة المنهجية، بل والشجاعة التي أدت بهيوم إلى السير مع الفلسفة التجريبية حتى نهايتها المنطقية والتي تمثلت عنده في نزعة شكية أو نسبية، إذ ذهب هيوم إلى أن كل معارفنا نسبية ودرجة الاحتمال فيها عالية، وأننا لا نستطيع أن نعرف بدقة الطبيعة الحقيقية لموضوعات الميتافيزيقا مثل النفس والألوهية والحرية والغائية. كل ما نعرفه معرفة يقينية هو أشياء العالم الحسي التجريبي الخاضع للإدراك الحسي والخبرة التجريبية، فهذا هو الحد النهائي للمعرفة البشرية الذي لا تستطيع تجاوزه. والحقيقة أن كانط سوف لن يتوصل إلى أكثر من هذه النتيجة، حتى أن بعضاً من أوائل قراء كتاب كانط «نقد العقل الخالص» ذهب إلى أن كانط ليس إلا هيوم ألماني، هيوم يكتب بالألمانية. لكن يجب أن نحذر القارئ هنا من الاعتقاد أن كانط لم يفعل شيئاً إلا أن كرر فلسفة هيوم أو وصل إلى نفس نتائجه لكن بطرق أخرى عقلية بدلاً من الطريق التجريبي لهيوم، ذلك لأن فلسفة كانط، وعلى الرغم من أنها تؤكد على النتيجة التي توصل إليها هيوم حول محدودية المعرفة البشرية، لم تكن تهدف إلى مجرد بيان حدود ونطاق المعرفة البشرية بل هدفت في المقام الأول نقد الميتافيزيقا التقليدية من منطلق نقد الملكة الذهنية المختصة بالبحث في موضوعات الميتافيزيقا وهي العقل الخالص. ومن هنا نستطيع القول بأن هيوم قد استبق كانط في جزء صغير ومحدد في فلسفته وهو بيان حدود الإدراك الحسي وملكة الفهم البشري، إلا أن كانط قد فاقه بمراحل في فحص ملكة العقل الخالص التي لم يبحثها هيوم مطلقاً. ذهب هيوم إلى أن كل معرفة هي معرفة بشرية، أي ظاهرة إنسانية، وكي نعرف طبيعة المعرفة البشرية ونوضح النسق العام الذي يضم كل العلوم التي يمكن أن تنتجها المعرفة البشرية فيجب البدء بالبحث في الطبيعة البشرية. ولهذا ا لسبب يضع هيوم عنوان أحد أهم مؤلفاته تحت اسم «بحث في الطبيعة البشرية». والطبيعة البشرية عنده تبدأ بالإحساس وبملكة الإدراك الحسي، ثم ملكة الفهم التي تستقبل من الحواس انطباعات تعاملها كأفكار وتشتغل عليها وتقيم بينها علاقات. إن الطبيعة البشرية التي يقصدها هيوم هي طبيعة سيكولوجية، ولذلك فإن نظريته في المعرفة لكونها تعطي الأولوية للإدراك الحسي فهي تعد نظرية سيكولوجية. وقد ذهب هيوم إلى أن العلم الحقيقي للطبيعة البشرية هو علم النفس، وإلى أن الفلسفة الحقة يجب أن تكون سيكولوجيا للمعرفة، الفلسفة الحقة عنده هي علم النفس. وقد كان هذا الإعلان من قبل هيوم ثورياً في عصره، إذ لم يسبق لأحد من المفكرين أن قطع بأهمية علم النفس في الفلسفة، وكان هيوم بذلك سابقاً لسلسلة من المفكرين في القرنين التاسع عشر والعشرين الذين عاملوا علم النفس على أنه الباب الذي يجب أن تدخل منه الفلسفة لدراسة موضوعاتها، مثل وليم جيمس وهرمان لوتزه وهوسرل. والملاحظ أن هؤلاء الذين أعطوا علم النفس الأولوية كأداة للبحث في موضوعات الفلسفة ينتمون إلى مذاهب في غاية الاختلاف، فوليم جيمس براجماتي، وهرمان لتوتزة مثالي، وهوسرل هو مؤسس فلسفة الفينومنيولوجيا أو علم ظواهر الوعي. والحقيقة أنه من كثرة الانتقادات والهجوم الذي تعرضت له فلسفة هيوم منذ أن ظهرت هذه الفلسفة وطوال القرون من الثامن عشر إلى العشرين قد جعل مهاجميه لا ينتبهون إلى تأثيره القوي على كل الاتجاهات الفلسفية من بعده.

المصدر: wikipedia.org