English  

كتب تراثنا والمعاصرة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

التراث والمعاصرة (معلومة)


يثور في الأوساط الثقافية جدل طويل حول ما يسمى بـ (قضية التراث)، وقد أُلقيت محاضرات، وكُتبت مؤلفات، وعُقدت ندوات لبيان مكانة التراث في الحياة المعاصرة، ولا شك أن هذه القضية ما كانت لتظهر لولا الفصام الذي ظهر بين الماضي والحاضر على أثر غزو الحضارة الغربية وثقافتها الفكرية للعالم الإسلامي بحيث صار من الضروري أن يؤكَّد على ملامح متميزة وطوابع ذاتية تحول دون الذوبان في عالم الغرب.

وقد أذكى الصراع السياسي والعسكري بين الشرق الإسلامي والغرب الاستعماري ـ في النصف الأول من القرن العشرين خاصة ـ دوافع جديدة للتحدي وللرغبة في التميز والتأكيد على (الذات) في عالمنا.

وجاء الغزو الفكري الغربي خلال فترة التسلط الاستعماري المباشر وبعدها يُعبِّر عن اعتزاز الغرب بثقافته ولغته وتقاليده وقيمه التي حاول فرضها على البلدان المسْتَعْمَرَةِ، واستمر يغذيها عن طريق وسائل الاتصال المختلفة حتى بعد خروج عساكره من العالم الإسلامي، وقد ساعده التقدم التكنولوجي الهائل على تحقيق نجاح كبير في مساعيه، وكان لابد أن يظهر رد الفعل في العالم الإسلامي ليؤكد على الذاتية والخصوصية وتوظيف التراث لتحقيق ذلك . .

ولكن (قضية التراث نفسها) لم تنج من آثار الغزو الفكري، فقد طرحت أحياناً بمنظار غربي بحيث احتل (الفلكلور) مساحة واسعة، مما حول القضية إلى نمط من المتعة الثقافية التي أضافها الغربيون أنفسهم إلى أنواع الترف الفكري الذي يعيشونه بعد أن حققوا أحلامهم في الثروة والسيطرة على عالم اليوم.

ولا شك أن قضية (التراث) بهذا المنظار لن يكون لها أثر كبير في تشكيل الشخصية الحضارية، لذلك يتقبلها التيار الرافض للتراث بمعناه الشامل، وهو تيار يرى في التراث معوِّقاً للوصول إلى النهضة التي لن تحدث ـ في رأيه ـ إلاَّ بمتابعة خُطا الحضارة الغربية، وهو طريق مضمون النتائج.

ولكن العديد من المثقفين المتشبعين بالتراث وروحه تخطَّوْا هذا الطرح الهزيل لقضية التراث التي يرونها تتمثل في بعث روح حضارية تربط الحاضر بالماضي، وتؤكد على الأصالة تأكيدها على المعاصرة، ورغم أنهم لا يؤمنون بشد العربة إلى الوراء ولا الالتزام الحرفي بكل جوانب الماضي بل يؤكدون على عوامل التقدم الحضارية، لكنهم يضعون إطاراً عاماً للتطور يحكمه الوحي الإلهي الذي ينبغي أن يشكل روح الحاضر ودستوره العام، كما كان في عصور الإسلام الذهبية. وهذا التيار يمثل الاتجاه السلفي الذي اشتدت قوته في العقود الأخيرة، وعبرت عنه وسائل الإعلام بـ (الصحوة الإسلامية).

ويقف بين الاتجاهين أصحاب الحلول الوسطية التوفيقية يمثلون تياراً انتقائياً يسعى للتوفيق بين قيم التراث والحضارة الغربية، وهو يقتربُ مرة من الاتجاه السلفي عندما يسلم بالوحي الإلهي ودوره في بناء حضارة إسلامية معاصرة، ويقترب أخرى من الاتجاه الرافض للتراث بمعناه الشمولي عندما يجعل الانتقاء يمتد إلى الوحي الإلهي نفسه، ويعامله مثل بقية المعطيات الأخرى .

وأحياناً يشتد التناقض في ذهنية بعض التوفيقيين، ويحاولون الخلاص باقتراح الفصل بين القرآن والسنة باعتبارهما وحياً إلهياً وبين النتاج الثقافي والحضاري في التراث، ليتم الانتقاء والنقد بحريَّة دون المساس بالعقيدة الدينية. والحق أن هذا الرأي يبعد عن واقع المشكلة الحقيقية لأن الفصل غير ممكن عملياً، ولأن النقد يمكن أن يتعرض للعقيدة والشريعة من خلال نقد قيم التراث المستمدة من الوحي الإلهي.

إن هذه الدراسة التي أقدم لها تعرض قضية (التراث) بمفهومها الشمولي لتوضيح العلاقة بين التراث والمعاصرة، وتبرز مفاهيم التراث الجديرة بالاهتمام والعناية، والتي لابد للتراث منها في تشكيل الشخصية الحضارية، والوقوع أمام تحديات العصر،  وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ    .

المصدر: wikipedia.org