اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أمضى بايزيد شتاء سنة 792هـ المُوافقة لِسنتيّ 1389 - 1390م في عاصمة بلاده أدرنة، وعمل على تحصينها وتجديد أبنيتها وعمارتها ومرافقها ووقف على شؤونها الضروريَّة، واستقبل عدَّة سفارات أجنبيَّة أتت لِتهنئته على تولِّي عرش آل عُثمان، من أبرزها سفارة جُمهُوريَّة البُندُقيَّة بِرئاسة فرانشيسكو كويريني، التي أكَّد لها التزام العُثمانيين بِالمُعاهدات التجاريَّة المُبرمة بينهم وبين البنادقة، وتنص بعض المصادر أنَّ بايزيد استخفَّ بِسُفراء الجُمهُوريَّات الإيطاليَّة وتصرَّف معهم بِطريقةٍ تعكس ثقته بِنفسه وقُوَّة جُيُوشه، فقال لهم: «سَوفَ أَذهَبُ إِلَى رُومَا بِنَفسِي وَأَعلِفَ فَرَسِي فِي مِحرَاب كَنِيسَة القِدِّيس بُطرُس». وفي سبيل الحيلولة دون قيام أي تحالف مسيحي جديد في البلقان، أرسل بايزيد بضعة فرقٍ عسكريَّة بِقيادة يغيد باشا وخوجة فيروز وغيرهما، أغارت على تُخُوم ڤيدين في بُلغاريا، وعلى حُدود الأفلاق والبشناق، فكان هذا أشبه بِاستعراضٍ عسكريٍّ لِقُوَّة العُثمانيين وتنبيه لِلقوى المسيحيَّة ألَّا تُقدم على شيء. ودعَّم بايزيد السيطرة العُثمانيَّة على تلك النواحي من البلقان بأن دعى جماعاتٍ كبيرةٍ من المُزراعين والفلَّاحين التُركمان إلى الانتقال إلى تلك البلاد والاستقرار فيها، فانتقل قسمٌ منهم وأقام في المنطقة المُحيطة بِمدينة إسكوپية في مقدونيا. وعندما اطمئنَّ بايزيد إلى الجبهة الأوروپيَّة، آثر تطبيق سياسةٍ جديدةٍ لِلقضاء على قُوَّة الأُمراء التُركمان في الأناضول وتحقيق وحدته تحت الرَّاية العُثمانيَّة. فقد كانت الدولة العُثمانيَّة، في الوقت الذي قُتل فيه مُراد الأوَّل في قوصوه، قد توسَّعت في أراضي الأناضول على حساب القوى الموجودة فيها من الإمارات التُركمانيَّة، واتَّبع مُراد الأوَّل سياسة ترك الأراضي المفتوحة في يد حُكَّامها على شكل إقطاعات عسكريَّة، لكنَّ هذه السياسة أثبتت فشلها عند التطبيق العملي، بِفعل استمرار قُوَّة هؤلاء الحُكَّام واستغلالهم الفُرص لِلاستقلال مُجددًا بِإماراتهم، لِذلك كان القضاء على قُوَّة هؤلاء في مُقدِّمة أعمال بايزيد عندما اعتلى العرش.
والواقع أنَّ العاهل العُثماني فضَّل، في بداية حياته السياسيَّة، التفاهم مع أُمراء المُقاطعات في الأناضول وعدم الاصطدام بهم، وبِخاصَّةً الأمير القرماني علاءُ الدين بن علي الداماد، لكنَّ هذا الأخير استغلَّ فُرصة غيابه عن ساحة الأناضول فأعلن العصيان وأنشأ حلفًا ضدَّهُ مُكونًا من القاضي بُرهانُ الدين أحمد بن شمسُ الدين، صاحب سيواس، وأُمراء صاروخان وكرميان ومُنتشا وآيدين وتكَّة، وحتَّى إمارة الحميد التابعة لِلحُكم العُثماني المُباشر. وكان الأمير القرماني قد استغلَّ حادثة مقتل الشاهزاده يعقوب بك بن مُراد لِيُؤلِّب الأُمراء التُركمان على العُثمانيين، مُظهرًا بايزيد بِمظهر مُغتصب العرش والقاتل دون وجه حق. فأعلنت تلك الإمارات أنها لن تسمح بِحُدُوث أي تغيير في الموازين الحاليَّة بين الإمارات الأناضوليَّة، ولن تسمح بِتحقيق الوحدة التُركيَّة الإسلاميَّة تحت قيادة سُلطان مُغتصب كبايزيد. وفي الواقع، كان من الواضح أنَّ إمارة القرمان - المُحرِّك الأساسي لِهذا العصيان - كانت ترى أنها ما دامت لم تتمكَّن من تأسيس الوحدة بين الإمارات السُلجُوقيَّة، فإنها لن تسمح لِلعُثمانيين بِإنجاح ذلك. واستردَّ الأمير يعقوب بن سُليمان الكرمياني الأراضي التي كان قد تنازل عنها والده لِصالح بايزيد عندما زوَّجه ابنته، واستولى القرمانيُّون على كوتاهية، والقاضي بُرهانُ الدين أحمد على قر شهر، كما استولى علاءُ الدين القرماني على بيشهر وتقدَّم نحو إسكي شهر؛ ما هدَّد كيان الدولة العُثمانيَّة، فاضطرَّ بايزيد لِلرد على هذه الانتهاكات، وتلقَّى مُساعداتٍ من بعض القوى المسيحيَّة، التي تُدين بالتبعيَّة الإسميَّة لِلعُثمانيين، أمثال الإمبراطوران البيزنطيَّان عمانوئيل الثاني ويُوحنَّا الخامس، وقيصر الصرب أسطفان بن لازار، بِالإضافة إلى سُليمان الجندرلي أمير قسطموني.
شرع بايزيد، ما أن أنهى أعماله في الروملِّي، بِإعادة ضمِّ الإمارات الأناضوليَّة. وفي الأيَّام الأولى من سنة 1390م تحرَّك نحو الجنوب. ودخل خلال شهريّ شُباط (فبراير) وآذار (مارس) بِالتسلسل إلى إمارات كرميان وآيدن ومُنتشا وصاروخان، فهابه أمير آيدين وترك لهُ أملاكه وغادر إمارته وعاش مُطمئن الخاطر في إحدى المُدن الخارجة عن النُفُوذ العُثماني، وكذلك ترك أميرا مُنتشا وصاروخان إمارتيهما واحتميا عند أمير قسطموني. ودخلت إمارات الحميد وكرميان تحت السيادة العُثمانيَّة دون أيَّة مُقاومة، باستثناء إزمير الواقعة تحت سيطرة فُرسان الإسبتاريَّة في رودس. عرض أميرا كرميان والحميد المُنهزمان طاعتهما لِلسُلطان في مُحاولةٍ لِلاحتفاظ بِشيءٍ من النُفُوذ، فقبلها منهُما وأعطى لِكُلٍ منهُما مُقاطعة. وهكذا انضوت جميع الإمارات التُركمانيَّة، المُطلَّة على بحر إيجة، تحت سيادة الدولة العُثمانيَّة، وأطلَّ العُثمانيُّون على هذا البحر، وتقدَّموا خُطوةً مُهمَّةً باتجاه ضمِّ كامل الأناضول. كما حازوا أُسطول إمارة صاروخان وأعظم موانئ البحر المذكور. بعد تمام هذا الأمر، سار بايزيد بِجُيُوشه نحو مدينة أنقرة، وهي أكبر مراكز الأناضول، وقضى شتاء سنة 793هـ المُوافقة لِسنتيّ 1390 - 1391م فيها، على أن يزحف في الربيع على إمارة القرمان التي ما فتئ أميرُها علاءُ الدين شوكةً في جنب الدولة العُثمانيَّة والمُنافس الحقيقي لِلعُثمانيين على تزعُّم جميع الإمارات التُركمانيَّة. أقلق قضاء الجيش العُثماني فصل الشتاء في الشمال وفي موقعٍ مركزيٍّ القاضي بُرهانُ الدين أحمد المُتمركز في القسم الغربي منها، وفي ربيع سنة 1391م، تحرَّك السُلطان مُجددًا من أنقرة إلى إسپرطة ومنها دخل مدينة قونية عاصمة القرمانيين، واستردَّ العُثمانيُّون مدينة بيشهر التي استولى عليها الأمير علاءُ الدين، وضمُّوا إلى ممالكهم مدينة آق شهر.
وفي غمرة الانتصارات العُثمانيَّة، تبدَّل الوضع فجأة لِغير صالح العُثمانيين، فقد ثار سُليمان الجندرلي أمير قسطموني على الدولة، بِفعل خشيته من نجاح العُثمانيين وتوحيد هؤلاء لِمنطقة الأناضول ما يُهدِّد إمارته، فتحالف مع القاضي بُرهانُ الدين أحمد، أمير سيواس، وانضمَّ إليهما أميرا مُنتشا وصاروخان، وأبدى الجميع استعدادهم بِمُساعدة علاء الدين القرماني، الذي كان قد هرب من قونية بعد سُقُوطها بِيد العُثمانيين لِيحتمي في هضبة «طاش إيلي» في قيليقية، ما دفع السُلطان بايزيد إلى تبريد الجبهة القرمانيَّة والتفرُّغ لِلجبهة الشماليَّة، فدعا الأمير القرماني وأمَّنهُ وأخبرهُ بِأنَّهُ سيترك قسمًا من الإمارة لهُ، شرط الإخلاص لِلعُثمانيين وعدم الخُرُوج على تبعيَّتهم، فوافق علاءُ الدين. وبِموجب الاتفاق الذي عُقد بين الجانبين، احتفظ بايزيد بِالأراضي التي ضمَّها مُؤخرًا، وتشمل أجزاء واسعة من أراضي الإمارة القرمانيَّة، ويستمر علاءُ الدين في حُكم ما تبقَّى من أراضي إمارته. وهاجم بايزيد إمارات بحر البنطس (الأسود) في الشرق والوسط، فضمَّ إمارة قسطموني في شهر رجب سنة 793هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) سنة 1391م وقتل أميرها سُليمان الجندرلي، وهاجم سينوپ بحرًا في السنة التالية، واستولى على مُدن صامصون وجانيت وعُثمانجق، وشرع بعد ذلك في إخضاع القاضي بُرهانُ الدين أحمد، فهاجم أماسية، لكن أي اصطدام جدِّي لم يحصل بين الطرفين، إذ فضَّل القاضي الانسحاب أمام الجيش العُثماني القوي، فضمَّ بايزيد سيواس وتوقاد إلى أملاكه. وانضمَّ إليه الأُمراء الصغار في المنطقة واعترفوا بِسيادته عليهم. نتيجةً لِهذا التوسُّع العُثماني، أضحى العُثمانيُّون يُسيطرون على مُجمل الأناضول، وفرض بايزيد الأوَّل سيطرتهُ المُباشرة على المنطقة، مُحققًا بِذلك وحدة الأناضول التُركي.