اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان بيت المقدس هو القبلة الأولى التي يُصلي إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في بداية الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة، واستمر النبي- صلى الله عليه وسلم- يصلّي إلى بيت المقدس بعد هجرته إلى المدينة المنورة؛ ترغيباً لسكّان المدينة من اليهود للدخول في الإسلام لأنّ بيت المقدس كان وجهتهم، ولكن يهود المدينة اتخذوا من ذلك سبباً للنيل من رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وعابوا عليه أن يتّبع قبلتهم مع مخالفته لدينهم، فآذى كلامهم النبي- صلى الله عليه وسلم، وقد كان- عليه الصلاة والسلام- يسأل الله -تعالى-، ويُلح عليه بالدعاء أن تكون الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين، وذلك لأنها قبلة نبي الله إبراهيم -عليه السلام-، وقد كان يحبّها النبي محمد -عليه السلام-، ولأنها محط اهتمام العرب، ومصدر فخرهم من قديم، ومكث النبي- صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً يستقبل بيت المقدس في صلاته، ثم جاء الأمر من الله -تعالى- بالتوجّه إلى الكعبة المشرفة، وجعلها قبلة للمسلمين؛ استجابةً لدعاء النبي -عليه السلام-، وتحقيقاً لما كان يتمناه.
ويقول الله -تعالى- مبيّناً الأمر بتحويل القبلة: (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)، وقد وقع اختلاف في تحديد الشهر الذي حصل فيه تحويل القبلة فمن ذاهب إلى أنه كان في منتصف شهر رجب وممن قال بذلك زيد بن أسلم وقتادة ورواية عن محمد بن إسحق، وذكر ابن كثير إنّ التحويل كان في نصف شعبان ونقله عن ابن مسعود وابن عباس وجمع من الصحابة وهو قول جماهير العلماء، وأول صلاة صلاها النبي -عليه السلام- إلى الكعبة المشرفة، صلاة الظهر، وفي رواية البخاري هي صلاة العصر، وقد وردت رواية تبيّن أنّ النبي -عليه السلام- دخل عليه وقت الظهر وهو خارج المدينة في زيارة لأمّ بشر بن البراء بن معرور، فصلى النبي -عليه السلام- ومن معه من الصحابة، وبلغ الركعة الثانية من صلاة الظهر فنزل عليه جبريل -عليه السلام- يأمره بتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة؛ فاستدار النبي -صلى الله عليه وسلم- هو في صلاته نحوها، واستدار معه الصحابة -رضي الله عنهم-.
ولمّا عاد النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة صلى العصر مستقبلاً الكعبة، وجمع ابن حجر بين الروايتين بأن أول صلاة صلاها النبي على الإطلاق بعد تحويل القبلة كانت الظهر وصلاها في بني سليم، وأول صلاة صلاها في المسجد النبوي كانت صلاة العصر. ، ثم انطلق رجل ممن صلّى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة العصر إلى بني حارثة فوجدهم يصلّون إلى بيت المقدس؛ فأنبأهم بنزول الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، فاستداروا وهم في صلاتهم، ثم وصل خبر تحويل القبلة إلى أهل قباء وهم في صلاة الفجر متوجّهين نحو بيت المقدس؛ فتوجّهوا في صلاتهم نحو الكعبة المشرّفة.
وقد ظهرت مجموعة من النتائج والأبعاد التي عادت على الإسلام والمسلمين بالخير عند تحويل القبلة؛ فمن الناحية السياسيّة أصبحت جزيرة العرب مركزاً مهماً للأحداث والوقائع الجارية في العالم الإسلامي، وأما تاريخياً فقد ربطت المسلمين بتاريخ نبي الله تعالى إبراهيم -عليه السلام-، كما أن تحويل القبلة كان سبباً عسكرياً مهّد لفتح مكة المكرمة، وتطهير المسجد الحرام من عبادة الأصنام والأوثان، وجعل البيت العتيق مناراً للتوحيد، وبتحويل القبلة تميّزت الأمّة الإسلاميّة في دينها وعبادتها عن غيرها من الأمم والأديان، ووصلت القلوب بالحنيفية السمحة، وقد شرع الله -تعالى- تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة لحكم عظيمة؛ ومنها وقوعها تحت البيت المعمور مباشرة، والبيت المعمور هو قبلة الملائكة في السماء؛ فكان من حكمة الله -تعالى- أن جعل قبلة أهل الأرض من المسلمين محاذية لقبلة أهل السماء من الملائكة، قال -عليه السلام- فيما رواه الألباني مرسلاً صحيحاً في تعريف البيت المعمور: (مسجدٌ في السماءِ تحتَه الكعبةُ لو خرَّ لخرَّ عليها).
* نقرة القفا: هو التجويف الذي يكون عند نهاية الرأس مع الرقبة.
* رياح الصبا: هي ريح تأتي من الشرق.
* رياح الدبور: هي رياح تأتي من الغرب.