اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ارتبط تاريخ الشعر النبطي بتاريخ ظهور اللهجة العامية التي يكتب بها، وظهرت العامية أولاّ في الحواضر وبين أهل المدن بسبب الاختلاط بالعجم مع بداية القرن الرابع الهجري، بينما ظل أهل البادية محتفظين بسليقتهم اللغوية الفصحى سليمة حتى آخر القرن نفسه، لذا يسمي الدكتور غسان الحسن شعر الحضر بالشعر العامي بينما يسمي شعر البدو بالنبطي، بينما يرى صادق محمد أحمد بخيت في كتابه (الأنباط والشعر النبطي ــ مدخل تاريخي موجز) بأن العامية أصل والفصاحة فرع بني على هذا الأصل، وهذا ما يعزز الرأي القائل لدى البعض بأن ظهور الشعر النبطي كان في العصر الجاهلي، إلا أنه رأي يحتاج لمزيد من الأدلة والدرس والتحقق لدى مؤرخي سيرة شعر النبط . أيا كان ؛ فإن الرواية التقليدية المتداولة بين رواة الشعر النبطي تقول إن أول من قال الشعر النبطي هو الشخصية شبه-الأسطورية أبو زيد الهلالي المفترض وجوده بين القرنين الثاني والرابع الهجريين (الثامن والعاشر الميلاديين)، ولكن ليس لهذه الرواية سند علمي. أما أول ذكر للشعر باللهجة الدارجة فيأتي من الشاعر العراقي الفصيح صفي الدين الحلي في القرن الرابع عشر والمؤرخ ابن خلدون في القرن الخامس عشر، إلا أنهما لا يذكرانه باسم "الشعر النبطي". أما أقدم النماذج الشعرية فمقطوعة من بضعة أبيات لشاعرة من بادية حوران أوردها ابن خلدون في المقدّمة، ثم بضع قصائد لأبي الحمزة العامري من أهل القرنين السابع والثامن الهجريين. وهي في معظمها على اللحن الهلالي (ويقابل بحر الطويل) وبحر الرجز.
وبعد ذلك تأتي قصائد شعراء الدولة الجبرية في شرق الجزيرة العربية ووسطها، ومن هؤلاء جعيثن اليزيدي من أهل الجزعة بوادي حنيفة، الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي، والشاعر عامر السمين. ثم ترد قصائد جبر بن سيار أمير بلدة القصب وابن أخته رميزان بن غشام التميمي أمير روضة سدير، وقصائد أخيه رشيدان بن غشام، وهم جميعاً من أعلام القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي). وقد تركوا قصائد ثمينة ليس فقط من الناحية الأدبية واللغوية وإنما أيضاً من الناحية التاريخية لذكرها العديد من الأحداث والوقائع في الفترة التي سبقت ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وآل سعود في نجد. وفي هذه الفترة على الأرجح عاش أحد أشهر الشعراء على الإطلاق راشد الخلاوي، الذي يذهب البعض إلى أنه من أهل القرن العاشر الهجري (الخامس عشر الميلادي)، وآخرون إلى أنه عاش إلى النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري، واشتهر بالقصائد المطوّلة المعنية بالأنواء وعلم الفلك والحساب والألغاز.
ظهر في القرن التالي (الثاني عشر الهجري) اثنان من أهم أعلام الشعر النبطي وهما حميدان الشويعر في القصب، واشتهر بقصائد النصح والحكمة التي لا زالت دارجة إلى اليوم لتقيدها بالأوزان القصيرة، بالإضافة إلى القصائد السياسية وقصائد الهجاء، ومحسن الهزاني في الحريق، الذي اشتهر بالشعر الغزلي وأدخل المحسّنات البديعية في الشعر النبطي. ويقال إن للهزاني دور انتشار القافية المزدوجة. ومن شعراء هذه الحقبة نمر بن عدوان من قبائل البلقاء في الأردن، وتوفي سنة 1238 هـ (1823 م).
و من أشهر شعراء النبط الآخرين في تلك الفترة محمد بن لعبون الذي أضاف أوزانا غنائية تسمى بالفنون اللعبونية، بالإضافة إلى محمد بن قرملة شيخ قبيلة قحطان بينه وبين تركي بن حميد شيخ قبيلة عتيبة في القرن التاسع عشر، وراكان بن حثلين شيخ قبيلة العجمان، وبديوي الوقداني من نواحي الطائف، ومحمد العبدالله القاضي من أهل عنيزة، وعبد الله بن رشيد أمير حائل وأخيه عبيد. وقد اتسم هذا القرن بغزارة الإنتاج الشعري وانتشار بحر المسحوب (مستفعلن مستفعلن فاعلاتن)، الذي صار أشهر بحور الشعر النبطي. وفي نهاية هذا القرن وبداية القرن العشرين ظهر الشاعر محمد بن عبد الله العوني، الذي اشتهر بقصائده السياسية المشوشة ويعدّه البعض آخر شعراء النبط الكبار، كما ظهر في هذه الفترة الشاعر عبد الله بن سبيل الذي اشتهر بشعر الغزل. وأقدم شعر نبطي بلهجة أهل نجد يعود إلى أوائل القرن التاسع أو آخر الثامن الهجريين وهو عبارة عن قصيدة لأم عرار بن شهوان تمدح ابنها عرار ( توفي 850 هـ)وهو يافع . استمر الشعر النبطي في القرن العشرين وبدأت محاولات تدوينه أو تسجيله حفظاً لما تبقى منه من الضياع، وأشهر الدواوين التي ظهرت في هذه الفترة "ديوان النبط" لخالد الفرج (1371 هـ - 1952 م)، الذي جمعه بناءً على توجيه وزير المالية السعودي عبد الله بن سليمان، و"خيار ما يلتقط من شعر النبط" الذي جمعه خالد الحاتم (1372 هـ). وظهر في هذا الفترة شعراء مجددون وآخرون حاولوا الالتزام بنهج الشعراء الأولين في فترة زاد فيها تأثر الشعر النبطي باللهجات الأخرى وتم تبسيطه وفقد كثيراً من جزالته.
لايزال للشعر النبطي شعبية كبيرة في السعودية ودول الخليج العربي، وكانت توجد مجلات عدة لما يسمى بالشعر الشعبي، قامت بدور توثيقي وتنويري لهذا النوع من الأدب الشعبي، حيث صدرت أول مجلة شعبية عام 1989م من الكويت تحت اسم " الغدير" إلا أنها توقفت بسبب الغزو العراقي للكويت ثم لأسباب مالية، وتبعها عدد من المجلات في الصدور من أبرزها في ذلك الوقت ( بدون ترتيب تاريخي) : مجلة المختلف، ومجلة فواصل، ومجلة سيوف، ومجلة قطوف وغيرها، إلا أن هذه المجلات توقفت بسبب انتشار استخدام منصات التواصل الاجتماعي ما جعل لكل شاعر منصته الآنية لإلقاء قصائده الجديدة ونشرها، أو تولي شعراء أو أقرباء أو معجبون نشر قصائد شعراء متوفين عبر هذه الوسائل التقنية السريعة وذات المتابعة المكثفة والقوية، كما ظهرت في وقت لاحق قنوات فضائية تولت بث الشعر النبطي وأفكاره وصوره الإبداعية الجديدة من خلال قصائد خالدة مات أصحابها، أو لشعراء جدد مثل : قناة الواحة التي تعد أول قناة شعبية في منطقة الخليج العربي تهتم بالشعر النبطي ضمن اهتمامها بالموروث الشعبي حيث أشهرت عام 2004م، وقناة الصحراء، وقناة المرقاب، وقناة الساحة، وغيرها من القنوات التي توقف بعضها والبعض الآخر مستمر في البث، كما أقيم منذ عام 2007م برنامج تلفزيوني للمنافسة بين الشعراءالشباب أطلق عليه شاعر المليون فتح الأبواب لجميع الشعراء من دول العالم العربي ولاقى رواجاً واسعاً في المنطقة.
وعلى مستوى العالم العربي تقام ـ على سبيل المثال ـ في الجنوب التونسي التظاهرات والمهرجانات الشعببة للاحتفال بالشعر النبطي أو شعر القسيم كما يسمى في البادية التونسية.
ومر الشعر النبطي بالكثير من المراحل وصولا إلى ما يسمى بالقصيدة الحديثة أو شعر الحداثة ومن أبرز شعراء هذا النوع الشاعر محمد موسى الخبراني المولود في منطقة جازان الواقعة جنوب السعودية في العام 1986 م حيث بدأ كتابة هذا النوع من القصائد في وصف منطقته التي نشأ بها ليسير العديد من الشعراء على نهجه ولم يكن يتوقع من هذا النوع من القصائد الانتشار بهذه الصورة ولكن يبدو لسلاسته وعمق معانيه الأثر الكبير في هذا الانتشار.