اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
مقدمة بقلم المترجم
ولد جي دو موباسان Guy De Maupassant (1850-1893) في قصر منيف في إقليم نورماندي، يعود تاريخ تشييده إلى القرن السابع عشر، كان والده قد استأجره لسنوات قلال. قضى موباسان جزءاً من طفولته في هذا القصر ثم انتقل مع والديه للعيش في بيت جدته لأبيه في اترتا Etretat. عاش أبواه حياة زوجية مقلقلة انتهت بالانفصال، ولم يكن الابن يرى أباه في طفولته إلا نادراً، وإن مدّ إليه أبوه يد العون بعد أن شب وترعرع.
تلقى موباسان تعليمه في إحدى الكليات الخاصة التي تعد طلابها للانخراط في سلك الكهنوت في "ايفيتو"، ثم لحق بمعهد خاص "لروي بيتي"، ثم بليسيه كورني في مقاطعة "روان"، عاصمة إقليم نورماندي. وفي التاسعة عشرة من عمره شرع في درس القانون في باريس، ولكنه انقطع عن الدراسة عندما استدعى إلى الجندية إثر نشوب الحرب البروسية – الفرنسية في عام 1870. وبعد انتهاء فترة تجنيده التي لم تشهد مشاركته في قتال فعلي مع العدو، انخرط في سلك موظفي الدولة، فقضى عشر سنوات موظفاً في وزارة البحرية، ثم في وزارة الثقافة والإرشاد في باريس.
تلقى موباسان على يدي فلوبير، الكاتب الفرنسي ذي الأسلوب السلس البليغ، والذي كان يربطه بأمه وشائج الصداقة الوثيقة، مبادئ فن الكتابة. وفي عام 1880 طبع ديواناِ شعرياً، كما ظهرت أعظم قصصه القصيرة الطويلة الموسومة بعنوان "بول دو سويف" ضمن طائفة متخيرة من القصص القصيرة نشرها إميل زولا في كتاب عنوانه "أماسي مدان" "Soirees de Medan". ومنذ ذلك العام وحتى وفاته في عام 1893 في إحدى مصحات الأمراض العقلية بعد أن أصيب بذهول في عقله واعترته الوساوس إثر إصابته بأحد الأمراض السرية نتيجة انغماسه في الرذيلة ومعاشرة عواهر باريس، وهو مرض كان يعيي الأطباء علاجه آنذاك، اتخذ من القلم مصدراً أساسياً يرتزق منه لقمة العيش، فكتب خلال الثلاث عشرة عاماً تلك، فضلاً عن دواوينه الشعرية، ست روايات طويلة من أكثرها شهرة وذيوع صيت رواية "حياة امرأة"، ورواية "صديق جميل" ورواية "بيير وجان" Pierre et Jean، وثلاثة مجلدات تحوي صوراً قلمية لشخوص صادفهم أثناء رحلاته وأسفاره العديدة، وأربع مسرحيات، وحوالي ثلاثمائة قصة قصيرة.
ورغم هذه الآثار الأدبية الكثيرة المنوعة التي تركها موباسان، فإن قصصه القصيرة التي خطها يراعه ببراعة هي التي رفعت له ذكره ورشحته للدخول في دولة الفن الخالد، حتى دخل بأدبه وفكره سجل الخالدين، إذ أن أشعاره ومسرحياته طواها النسيان، كما أن رواياته لا تلقى رواجاً اليوم بين القراء.
انتسب جي دو موباسان إلى المدرسة الطبيعية في الأدب التي حمل لواءها زولا وفلوبير. استطاع هؤلاء الكتاب الثلاثة أن يطوروا أسس المدرسة الواقعية ومبادئها التي أرسى دعائمها بلزاك الذي توفى في العام الذي وُلد فيه موباسان، وهو عام 1850.
تتسم قصص موباسان بالدقة في تصوير الشخصيات، والكشف عما يستتر من لواعج النفس وخلجاتها، ووصف مناظر الطبيعة بأخيلة جميلة وتشبيهات بديعة، وإن كان يغلب عليها أحياناً نزعة تشاؤمية شكاكة متحيرة، وقد تناول في قصصه القصيرة بالتصوير جميع طوائف المجتمع الفرنسي وطبقاته إبان السنوات الباكرة لحكم الجمهورية الثالثة فيما بين عامي 1870، 1890، من فلاحي نورماندي وأصحاب المتاجر الصغيرة، كما في قصص "الصفقة"، و"قطعة من الخيط" و"الشيطان"، وكذلك سائر طبقات المجتمع الباريسي من عواهر وموظفين وفنانين وجنود وأعضاء الأسر العريقة المترفة والنبلاء في النظام القديم.
تدور قصة "الصفقة" حول رجلين من أراذل الناس وأسقاطهم يتوافقان بعد أن بلغ منهما السكر على أن يبيع أحدهما زوجه للآخر الذي كان قد ماتت عنه زوجه، بعد أن تراكمت عليه الديون وعجز عن الوفاء، عرض عليه الزوج أن يبيعه زوجه بالجالون، فقال المشتري وهو صاحب خمارة في الحي الذي يقطن به، عندما مثل أمام القاضي متهمًا بالتواطؤ مع الزوج بمحاولة قتل المرأة غرقاً ومبرراً سلوكه الشاذ: "لم يدهشني قوله، إذ أنني كنت سكران مثله، كما أنني كنت أعلم كل شيء بحكم عملي، عن الأوزان والقياسات. كنت أعرف أن الجالون يزن عشرة أرطال ولذا بدا لي عرضاً مقبولاً لا يخلو من وجاهة في الرأي ولا يحيد عن المنطق السليم، فضلاً عن أنه لم يكن يصيبني غبن في هذه الصفقة".
وتدور قصة "سهرة في الخارج" حول السيد سافال الذي يشتغل بالمحاماة في "فرنو""، والذي تبوأ مكانة ملحوظة وسط مواطني بلدته بفضل ثقافته الواسعة وذوقه المدرب في شتى ألوان الفن، وافتتانه بالموسيقى لحد الهوس.
يذهب ذات يوم إلى باريس ليستمع إلى الأوركسترا وهي تعزف "هنري الثامن" بإحدى المسارح "وبينما هو يسير في شارع أمستردام إذا به يغيب في نشوته في أعطاف حلم وردي. آه لو كان بمقدوره التعرف على بعض الفنانين الذين استطارت شهرتهم وعرفهم القاصي والداني ليتحدث عنهم إلى أصدقائه ومعارفه في فرنو!". دلف إلى مقهى رُكبت على هامته لافتة كبيرة سُطر عليها بالخط العريض "الفأر الميت"، يحدوه أمل أن يصادف بداخله أحد هؤلاء الفنانين العِظام الذين تلمع أسماؤهم في سماء باريس كالنجوم الساطعة. يتصادف أن يجلس إلى جانبه إلى نفس المائدة التي يجلس عليها رسام مشهور يدعوه إلى حضور حفل يقيمه في استوديو يمتلكه بمناسبة حصوله على ميدالية التفوق في معرض الصالون الفني للرسومات والتحف.
وتدور قصة "قطعة من الخيط" حول السيد هو شكورن الذي كان قد بلغ لتوه بلدة "جودرفيل" قادماً من بلدته "بروته"، وبينما كان يمضي في طريقه إلى ساحة السوق لمح قطعة صغيرة من الخيط ملقاة على الأرض. ولما كان صاحبنا ممن يُنسبون للبخل، مثله في ذلك مثل سائر أهل إقليم نورماندي، ولا يتسامح في إنفاق مليم واحد في غير موضعه وبلا موجب، فلم يملك إلا أن ينحني ويلتقطها علّها تنفعه في يوم من الأيام. إلا أنه من سوء حظه رآه عدوه اللدود السيد مالاندين الذي يشتغل بصنع اللجم والسُّرج من موقفه أمام باب دكانه. أطرق في خزي أليم وساوره القلق أن رآه عدوه المقيت وهو ينحني نحو الأرض ليفتش على قطعة من الخيط ملقاة وسط روث البهائم. سرعان ما دس لقطته الثمينة في جيب سرواله تحت قميصه الفضفاض، ثم تظاهر بالبحث عن شيء ضاع منه، فعاود الانحناء نحو الأرض، وراح يتحسسها مفتشاً. ثم تراجع في وقفته حتى استقام عوده متكلفاً الأسف والحزن. ثم واصل مسيره صوب ساحة السوق بظهر منحنٍ كالقوس لما كان يعانيه من آلام روماتيزم المفاصل، ضاعف منها طول انحنائه نحو الأرض متظاهراً بالبحث عن شيء ضاع منه.
وبينما كان يتناول طعام الغداء في فندق البلدة إذا به يُستدعى إلى مقابلة وكيل النائب العام في المقاطعة الذي ابتدره قائلاً فور أن وقعت عليه عيناه وهو يجتاز عتبة باب مكتبه: سيد هو شكورن، لقد شوهدت صباح اليوم وأنت تنحني نحو الأرض لتلتقط من فوقها حافظة النقود الجلدية التي وقعت من السيد هولبروك من بلدة مانفيل بينما كان يسير في طريق بوزفيل.
أما قصة "صديقان" فتدور أحداثها أثناء حصار باريس واجتياح قوات بروسيا أراضي فرنسا. يقرر الصديقان اللذان اعتادا أن يصطادا السمك قبل نشوب الحرب على شاطئ جزيرة مارانت أن يستأنفا ممارسة هوايتهما المفضلة في الصيد. يحصلان على تصريح بالمرور إلى الجزيرة. يتجهان إلى الجزيرة. لم يكن هناك أحد سواهما في هذه البقعة من الشاطئ. شرعا يصطادان السمك يداخلهما الطمأنينة والارتياح، وإذا بهما يسمعان وقع أقدام ثقيلة تقترب من مجلسيهما على الشاطئ...
يقص علينا الراوي في قصة "مسألة اللغة اللاتينية" حكايته مع مدرس أعزب كهل يشتغل في أحد معاهد التعليم الداخلية الخاصة كان يعطيه دروساً خصوصية في اللاتينية في حجرة بالمدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي، تنشأ بينهما علاقة صداقة قوية، فيروح المدرس الكهل يفضي بهمومه إليه ويكاشفه بدخيلة نفسه مفصحاً عن كظيم آلامه. تثب بالراوي الشاب رغبة مباغتة في أن يركب أستاذه بالعبث على سبيل اللهو والتسلية فيوهمه أن إحدى الفتيات العاملات في دكان لغسل الملابس وكيّها كان يقع مباشرة في مواجهة الحجرة التي يعطيه فيها دروس اللاتينية، تهواه وتهيم به محبة وعشقاً...
وتدور قصة "مدام بابتيست" حول حياة امرأة شابة غصبها أحد الخدم بمنزل أبيها نفسها وهي بعد طفلة صغيرة في الحادية عشرة من عمرها. ذاعت قصتها على كل لسان حتى تفشت فضيحتها وعُرفت تفاصيلها. كبرت الصبية ويفعت ولا يزال سوء الظن يلاحقها كظلها، فانزوت في وحدة حالكة، وغلبت عليها الرغبة الشديدة في الانعزال والتخفي حتى جاء يوم قدم فيه رجل شاب إلى البلدة بعد أن عُين مساعداً لرئيس البلدة. كان شاباً يلفت الأنظار بسلوكه الذي يشذ عن المألوف وغرابة أطواره فضلاً عن تحرره من إسار التقاليد البالية والأعراف العفنة التي كانت تسود المجتمع آنذاك، رأى فتاتنا فأعجبته ودبّ حبها بقلبه فتزوجها. تعاقبت الأيام وهما مطمئنان بحياتهما، رخيي البال قريري العين منشرحي الصدر، حتى جاء يوم دُعيت فيه إلى حفل موسيقي تُقدم فيه الجوائز لأشد الفرق الموسيقية براعة في العزف...
وتدور قصة "وقوع والتر شنفس في الأسر" حول والتر شنفس الجندي البروسي، الذي قدم إلى فرنسا مع جيش بلده الغازي. كان بديناً مفرطاً في البدانة، ذا كرش عظيمة، ولإفراطه في السمن لحد مزرٍ، كان يجد صعوبة شديدة في المشي، فكان ينبهر من مشي ثلاثين خطوة، ويعتريه تتابع النفس إعياءً، كما كانت قدماه تؤلمانه أثناء السير، إذ كان مسيح القدمين، لا أخمص لهما. وكانتا تميلان بعضهما إلى بعض، كأن كل منهما عشقت أختها فهي إليها أبداً مائلة، كما كانتا أي قدماه ضخمتين مكتنزتين كأنهما سلحفتان. كان رجلاً مسالماً مكفوف الأذى، فكانت رقته وحلاوة معشره تدعوانه لتجنب الأذى والقسوة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
كان يشعر بكراهة عميقة صادقة للمدافع والبنادق والمسدسات والسيوف، وخاصة البنادق ذوات "السونكي" الحاد المدبب لإدراكه التام لحد اليقين بعجزه عن استخدامها بالمهارة والسرعة اللازمتين للدفاع عن كرشه الجسيمة المكتنزة. أُرسل ذات يوم ضمن دورية عسكرية صغيرة كانت مهمتها تنحصر في استطلاع الأحوال في إحدى المناطق الريفية، ثم تنسحب عائدة إلى وحدتها. وبينما كانوا يسيرون مطمئنين عبر وادٍ صغير، إذا بالرصاص ينهال عليهم بغتة من جميع الجهات كالمطر، تبعه انقضاض جماعة من رجال المقاومة السرية التابعة للجيش الفرنسي عليهم كالسيل ينحدر من قمة جبل، تتقدمهم "سونكيات" مثبتة في مقدمة بنادقهم، وهم يطلقون صيحات التشفي والانتقام اقشعر لها بدن صاحبنا برعدة خوف شاملة. تسمر شنفس في مكانه جامداً محملقاً كأنما نُوِّم تنويماً مغناطيسياً. لم يطرف ولم يبد حراكاً. شل عقله عن التفكير. مرت ثانية وهو لا يعي لما يحدث حوله معنى وفي الثانية التالية انفجر معناه في وعيه كصاروخ. انبعثت في صدره رغبة مباغتة في الفرار بحياته، أن يعدو بكل قوته مبتعداً عن موقع القتال الدامي. بيد أنه لم يستجب لهذا الصوت الباطني الذي راح يدعوه في جزع وإلحاح أن أنج بنفسك، إذ أدرك في اللحظة التالية أن لا فائدة تُرجى من الفرار هرباً، فهؤلاء الجنود الفرنسيون سوف يعدون حتمًا خلفه بقدودهم النحيفة الرشيقة فور أن يرونه يولي الأدبار ويسرع للفرار، بجسمه المكتنز السمين وهو يتأرجح ويهتز كالجلي، ويلحقوا به ويقتلونه. حانت منه التفاتة بعينيه الزائغتين إلى الأرض فلمح أمامه على مبعدة ست ياردات خندقاً عريضاً، يغطي سطحه غصون جافة وأوراق شجر ذابلة جافة. هبط واثباً إلى جوفه متوارياً عن الأنظار. قبع في مخبأه يوماً أو يومين يؤرقه الفزع، ويقض مضجعه الذعر، ينتفض جسمه هولاً ورعباً كلما أحس بشيء يتحرك فوقه أو خيل إليه أنه يسمع وقع أقدام تقترب من مكمنه. ولكن خاطراً جال في ذهنه.. ومض فجأة فوعده بالخلاص من عذابه وحيرته: آه لو وقعت أسيراً في أيديهم! أهاجت الخاطرة في صدره شوقاً تدفق في حناياه ينبوعاً ساخناً، كأنه لم يعد يروم شيئاً في هذه الحياة وراء الوقوع في أسر الفرنسيين.
فما أن يأسرونه حتى تكون الحرب قد انتهت بالنسبة إليه. سوف يطعمونه، وسوف يجد عندهم ملاذاً آمناً، زنزانة صغيرة يحتمي بجدرانها من طلقات الرصاص وطعنات السيوف، يرقد فوق فراشها مطمئناً ناعم البال..
آه لو يضحى أسيراً! فيعيش وراء القضبان في سجن يُسدل على من يُزج به فيه ستار من الحماية والرعاية. هذا هو الفردوس بعينه!.
وتدور قصة "روز" حول امرأة شابة من الطبقة الأرستقراطية تقص على صديقتها كيف اكتشفت أن خادمتها "روز"، وهي فتاة حيية، طويلة القامة، ذات وجه تعلوه مسحة من شحوب، وعينين سوداوين جميلتين، وبشرة غاية في الصفاء، اعتادت أن تخلع عنها ثيابها حتى تمثل أمامها متجردة إلا من شعرها المنسدل، ثم تلبسها جميع ثيابها وتهيئها للخروج، من قميصها التحتاني حتى قفازها، دون أن تنطق بكلمة واحدة، وقد تورد خداها وعلا الحياء وجهها، وأن تدلك لها ظهرها بعد أن تأخذ حماماً ساخناً، وهي مستلقية في إغفاءة قصيرة فوق الأريكة على بطنها، تقص عليها كيف اكتشفت أنها كانت في الحقيقة رجلاً.
وتدور قصة "اعتراف مخز" حول كابتن هكتور ماري دي فونتن الذي نشأ في جو ديني أوحى له بالتزمت، فكان يملأه الهوس نحو عقيدته، وما تتسم به من صرامة ظاهرية تحطم الأعصاب وتخرب العقول وتتلف التفكير، وتجعل عيش المرء كله سلسلة من تحريمات، تحريم إثر تحريم. يتزوج هذا الضابط من الآنسة لورين وهي فتاة جميلة شقراء، ذات قدٍ نحيف رشيق، وبنيان غاية في الرقة والوداعة، لا تستحي ولا يعلو وجهها حمرة من حياء مهما كان الباعث عليه، بوسع المرء أن يدرجها في زمرة فتيات باريس الصغيرات اللاتي تفتحت أعينهن قبل الأوان على حقائق الحياة وأسرارها الخفية فيبدون كمن وُلد وهو يعلم كل شيء. يرتكب ذات ليلة فعلة نكراء يندى لها الجبين خزياً. شرب حتى سكر، وبات ليلته مع عاهرة محترفة في ماخور. قصد إلى قسيس الكنيسة واعترف له بخطيئته فتقبل اعترافه كما يتقبل اعترافات المؤمنين الذين تابوا عن المعاصي وأنابوا. ورغم ذلك ظل يؤرق جنبيه لذع ضميره، ويلهبه بعذابات سوطه، فلم يجد لنفسه بُداً من أن يكاشف زوجه بما حدث ويصارحها الحقيقة بلا رتوش.
وتدور قصة "المهر" حول الأستاذ سمون لبريمو الذي يشتغل بالمحاماة وزواجه من الآنسة جين كورديه، وهي فتاة جميلة الطلعة لطيفة التكوين، ذات حُسن وبهجة ونضارة، مشبوبة العاطفة متأججة الوجدان، وعلى قدر لا يُستهان به من السذاجة والطيش أو خفة العقل أو سرعة التصديق. قال لزوجته الشابة في ختام الأسبوع الأول من حياتهما الزوجية: أتودين أن نذهب إلى باريس الثلاثاء القادم. سوف نفرغ تماماً لأفانين العشق هناك، ونرتاد المطاعم والمسارح وقاعات الموسيقى وغيرها من أماكن المتعة واللهو. ولكن عليك أولاً أن تخبري أباك بأن يعد لك مهرك لنأخذه معنا، وأثناء إقامتنا هناك سوف أسوي مسألة شراء مكتب المحاماة مع الأستاذ بابيلون المحامي.
استقلا قطار باريس وغادراه في محطة سانت لازاز. قال لها وهما يدلفان إلى فناء المحطة: لنذهب أولاً لنتناول الغداء في البوليفار، ثم نعود بهدوء لنأخذ حقائبنا وأمتعتنا ونتجه بها إلى الفندق.
أوقف الزوج بإشارة من يده باصاً ضخماً تجره ثلاثة أحصنة كان يمر في الطريق. قال لها وهو يقبض على منكبيها ويدفع بها إلى داخل العربة: ادخلي وسوف أصعد إلى الطبقة العليا، فإن نفسي تنازعني إلى تدخين سيجارة قبل الغداء.
راح الباص يمضي بها كأنما يسير في طريق لا نهاية له. راحت تتفكر في قلق: إن المسافة أبعد مما تصورت! كان ينزل في كل محطة يقف الباص عندها عدد من الراكبين ويصعد إليه آخرون. قالت جين لنفسها في ذهول وحيرة: يا لها من مسافة بعيدة! آمل ألا يكون قد أصابته نوبة من نوبات السرحان أو الشرود أو غلبة النعاس.
وعندما وصل الباص إلى غايته وجدت نفسها تجلس وحيدة. صاح الكمساري بصوت جهوري: فوجيرار!، فسألته: أهي بعيدة عن البوليفار؟ فسألها بدوره: أي بوليفار تعنين؟ فأجابت: بوليفار الإيطاليين، فقال بلهجة ساخرة: لقد فتناه بمسافة جد بعيدة!.
- فهل لك أن تتفضل وتخبر زوجي باسم هذه المحطة؟
- زوجك؟ أين هو؟
- في الطبقة العليا بطبيعة الحال.
- في الطبقة العليا؟! لقد خلت من الراكبين منذ وقت طويل.
ترجلت من الباص وهمت بمواصلة السير، بيد أنها بحركة غريزية لوت عنقها، وصعدت بصرها في لمحة سريعة إلى طبقته العليا، فوجدتها فارغة تماماً، لا يوجد بها راكب واحد!.
وتذكرنا قصة "مدام هسو والشاب الذي يعتلي عرش الفضيلة" بقصة "الورقة المهلكة" لنجيب محفوظ التي تدور حول شاب ثري يدلف إلى مقهى بلدي، ويقصد إلى ركن خال ويطمئن إلى كرسي ويطلب "جوزة". أراد صاحب المقهى أن يبالغ في إكرامه فقال: أتحب يا بك أن تسمع غناءً بلدياً؟ فقال بحماس للرجل: نعم.. نعم.. أين المغني؟. تقدم من بين صفوف الجالسين شاب طويل القامة عريض المنكبين، ودنا من مجلس البك الشاب ثم تربع جالساً على الأرض أمامه. سعل مرات متوالية يسلك حنجرته، ثم أسند رأسه إلى كفه ومضى يغني "ليالي"، فلما أتمَّ طار البك طرباً. أحس بالرضا والغبطة، وأفعم قلبه بعاطفة سعادة وخير، فود لو يستطيع أن يغمر كل محزون بفيض من سعادته، فدس يده إلى محفظته واستخرج منها ورقة من ذات العشرة جنيهات، ووضعها في يد المغني الشاب وهو يقول: هذه لك.. هجر المغني الشاب أسرته ومدينته وصحبه إلى الأبد. باعهم جميعاً بتلك الورقة السحرية. قادته قدماه إلى الأزبكية حيث وقعت في هواه بغي وأوقعته في شراكها. ترك زمامه لدفعات الهوى وانغمس في مستنقع الرذيلة حتى قمة رأسه، حتى جاء يوم رجع فيه إلى مخدع عشيقة له على غير موعد، فوجدها بين يدي أحد أتباعه، فكبر عليه الأمر وأعماه الغضب فاستل خنجره وقتل به الاثنين، وهنالك أمسكوه مجرماً، وحوكم وقضي عليه بالموت شنقاً سفاكاً خطيراً.
يقص علينا الراوي في قصة "مدام هسو والشاب الذي يعتلي عرش الفضيلة" حكاية شاب خجول شديد الحياء، مهذب الطباع، رقيق النفس، حساس الوجدان، مرهف الحس والشعور، يتملكه الانطواء حيال الغرباء، ويعتريه خجل يعقل لسانه في حضرة النساء، ويتلعثم بالخجل تحت نظرات الفتيات، يتوّج ملكاً للعفة والفضيلة، ويُمنح وسام وجائزة مالية ضخمة في حفل أقيم في البلدة في إحدى الأماسي الرائعة، فيستقل باصاً في نفس الليلة التي شهدت حفل التكريم قاصداً حانات باريس وخماراتها ودور العهر والفسق والفجور. وبذلك ينقلب بين عشية وضُحاها من شاب حيي خجول نقي السريرة إلى شيطان شديد الفجور يستسلم لتيار الشهوات العارم، كلف بالحسان ينسى في مجلسهن دينه ودنياه، ويتردى في مهاوي الشقاوة في كل يوم يسجل في كتابه حماقة جديدة.
وتدور قصة "الشيطان" حول امرأة عجوز ترقد فوق فراش الموت في هدوء واستسلام كامل وأطياف من العالم الآخر تلوح من آنْ لآن في نظرة عينيها الغائمة وهي تردد بصراً زائغاً بين ابنها الشاب والطبيب الذي استدعاه ابنها لفحصها.
ارتفع صوت الطبيب بغتة بحدة كأسنان المنشار قائلاً: أونوريه، ليس بمقدورك أن تترك أمك وحيدة وهي في هذا الحال. فربما يجيئها الاحتضار ثم تفيض روحها في أية لحظة.
فقال الشاب الفلاح وهو لا يملك قلبه من الجزع: ولكن يجب علىّ أن أحصد القمح، لقد ظل في الأرض مدة طويلة بعد أن نضج وأخشى عليه التلف، والجو اليوم مناسب تماماً للحصاد.
ضرب الطبيب أرضية الحجرة بغتة بقدمه بشدة، وصاح كمن به مسٌّ: إنك وحش لا قلب لك.. إني أمنعك أن تفعل هذا، أحظر عليك الخروج لتترك أمك وهي على فراش الموت، وإن كنت لا تجد لنفسك بُداً من حصاد قمحك اليوم، فلتذهب الآن من فورك لتدعو الأم رابيه لترقب أمك وهي تعاني ألم النزع الأخير وتتيه في غيبوبة الاحتضار.
عندما ذهب الابن الشاب إلى الأم رابيه في بيتها قالت له بعبارة بينة: إن ما أتقاضاه من أجر يرتهن بالطبقة الاجتماعية التي ينتسب إليها مستخدمي، فأجدني أتقاضى فرنكين من أفراد الطبقة الغنية للمراقبة والرعاية أثناء نهار يوم واحد، وثلاثة فرنكات أثناء الليل، وأتقاضى من أبناء المعوزين الفقراء فرنكاً واحداً للمراقبة سحابة النهار، وفرنكين في الليلة الكاملة. وسوف أدرجك بطبيعة الحال ضمن الصنف الثاني. جعل الشاب يزن الأمور واحتمالاتها بفكر سريع نافذ ثم قال: إني أؤثر أن تقاضيني ثمناً محدداً لقاء مراقبتك إياها حتى تسلم الروح بغض النظر عن طول المدة أو قصرها التي يستغرقها الاحتضار، فالأمر أشبه بالقمار لكلينا. يقول الطبيب أنها ستسلم الروح خلال ساعات قلال، فإن فعلت، فسوف يكون الحظ قد وافاك وأخلفني، ولكنها إن بقيت على قيد الحياة حتى الغد، وربما لفترة أطول، فإني سأكون أنا الرابح وأنت الخاسرة.
ينعي موباسان في قصته "أنموذج من لحم ودم للرسامين" على النساء حمقهن وخُرقهن وقلة عقولهن، فبطلة القصة التي تحترف الوقوف أمام الرسامين ليرسمونها، تلقي بنفسها من الشرفة عندما تعلم أن عشيقها الرسام قد قرّ منه العزم على هجرها نهائياً. يقول الراوي معلقاً على الحادث: كان حادثاً مأساوياً إلى حدٍ ما. لقد مثلت الفتاة دورها في ملهاة، أو فلنقل إن أردت الدقة، مهزلة ساخرة، ذات نهاية مفجعة. لقد خاطرت في الحقيقة بكل شيء في ضربة حظ واحدة، كلاعب النرد يتناول زهره في قبضته ويهزه ويرميه وهو يتحمس حتى الجنون لما يجيء به الزهر.
يقدم لنا موباسان في قصته "مؤسسة مدام تلييه" شخصية امرأة تمتلك ماخوراً، وتحترف القيادة دون حياء، وتتسم بقدرٍ لا بأس به من الحزم والعزم ودقة في الأداء وحسن معاملة فتياتها، لو اتبعت أي إدارة حكومية مثالها في معاملة موظفيها لم يكن أي موظف يجد ما يشكوه أو يتذمر منه.
أما في قصة "بول دو سويف" فيقدم لنا موباسان شخصية امرأة بغي تُدعى بول دو سويف، تعرض نفسها في سوق الهوى، وتطلب العيش ببذل عرضها، ورغم ذلك ترفض مضاجعة ضابط بروسي غزا جيشه بلادها في حين جعل مرافقوها في السفر من رجال ونساء من الطبقة الراقية يحثونها على الانصياع لرغباته أن يلج في عناده ويرفض السماح لهم بمواصلة رحلتهم.
وتدور قصة "شأن عائلي" حول مسيو كارافا الذي يشغل منصب رئيس الكتبة في إدارة البحرية الفرنسية والذي كانت حياته هادئة ساكنة كصفحة الغدير المصقول، وكانت فوق هدوئها منتظمة كدقات الساعة المضبوطة، إذ كان قد انطبع بالروتين الحكومي حتى تغلغل في روحه وسرى في سلوكه حتى السلوك غير الرسمي. وهو زوج وأب لطفلين. تتوفى أمه العجوز التي كان أعد لها حجرة فوق سطح البيت الذي يمتلكه لتقيم بها. تحرضه زوجه وهي امرأة رزينة قوية الشخصية، داهية أريبة، والتي يُعد هو بالنسبة إلى شخصيتها كالزائدة، فهي وحدها الشخصية التي تسيطر داخل دارها، وما هو إلا تكملة، يصدع بأمرها ويمتثل لنصيحتها ويشاورها في كل شأن من شئونه.. تحرضه على أن يصعد إلى حجرة الأم المتوفاة ليحضر منها ساعة بندولية عتيقة وصوان ملابس قبل أن تأتي أخته إلى البيت وتمنعهما من أن يأخذاهما: "فعندما ترى أختك هذه الساعة مستقرة فوق أحد قطع الأثاث بشقتنا، فلن يكون بوسعها على الإطلاق أن تخمن من أين أتت وتسلم بملكيتنا إياها، كما سوف تسلم بملكيتنا صوان الملابس الذي يعلو سطحه رخامة والذي يقوم بركن حجرتها".
أحمد هلال يس
---------------------------------------------