اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
فيما كان حسن الصباح ما زال يحكم قلعة ألموت، قامت مجموعة صغيرة من أتباعه برحلة طويلة خطرة عبر أراضي العدو نحو الغرب. وكانت سورية هي وجهتهم، وكان هدفهم نشر "الدعوة الجديدة" إلى تلك المنطقة. وقد مر كفاحهم لتدعيم أنفسهم هناك بثلاث مراحل.
تمكن الإسماعيليون الجدد ان يجعلوا حلب مركزاً لهم في نشر دعوتهم وذلك برضا الحاكم السلجوقي لحلب رضوان حيث سمح لأسعد أبو القنج الباطني المعروف بالحكيم المنجم وتابعه أبوطاهر الصائغ العجمي بممارسة شعائرهم والدعوة لمذهبهم. وكان رضوان بحاجة إلى حليف قوي في الداخل لمواجهة مؤامرات خصومه، حيث وجد ضالته فيهما فأطلق لهما حرية العمل وسمح لهما ببناء دار للدعوة في حلب. وكانت لحلب مزايا كثيرة تجذب الحشاشين فالمدينة يسكنها عدد كبير من الشيعة الاثنا عشرية وهي مجاورة لمناطق الشيعة الأخرى في جبل سماق وجبل البهرة. وقد كان قاضي حلب فضل الله الزوزني العجمي الحنفي أول ضحاياهم حيث كان يهاجم معتقداتهم. ثم قام الحشاشون بأول عمليات اغتيال مثيرة في أول مايو 1103 م 496 هـ عندما اغتال اثنان من الحشاشين متنكرين بثياب متصوفين جناح الدولة حسين أمير حمص أثناء صلاة الجمعة وكان شديد العداء لرضوان.
وبعد مقتل جناح الدولة تولى زعامة الحشاشين أبو طاهر الصائغ. والذي كان متحمسا لمزيد من الانتشار الإسماعيلي في سوريا. ففي سنة 499 هـ / 1105 م شن الإسماعيليون أول هجوم لهم على حصن أفاميا حيث تمكنوا من الاستيلاء عليها وقتل أميرها خلف بن ملاعب في 3 فبراير 1106 م. وسرعان ماوصل أبو طاهر الصائغ لتولي القيادة بنفسه. وضلت أفاميا بأيديهم حتى قام الأمير تانكرد حاكم إمارة أنطاكية الصليبية بمحاصرة المدينة وارغمها على الاستسلام في 13 محرم 500 هـ / 15 سبتمبر 1106 م. فقتلوا أبو القنج السرميني واطلقوا سراح أبو طاهر وبعض زملائه بعد فترة. ليعودا إلى حلب مرة أخرى.
وفي عام 1113 م أحرز الإسماعيلييون أكثر ضرباتهم طموحا حتى ذاك الحين باغتيال الأمير مودود في دمشق وهو الحاكم السلجوقي للموصل، إلا أن سطوتهم لم تدم طويلا، فقد توفي أكثر المدافعين عن الحشاشين رضوان بن تتش يوم 29 جمادى الآخر 507 هـ / 10 ديسمبر 1113 م ليتولى ابنه ألب ارسلان الحكم.
اتبع الب ارسلان سياسه أبوه بالنسبة للتعامل مع الحشاشين في حلب ولكن لم يلبث ان حدث رد فعل فقد وصل إليه خطاب من السلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه يحذره من الخطر الإسماعيلي ويدعوه إلى تدميرهم وقام ابن البديع قائد الشرطة للمدينة بالتقاط المبادرة وحرض الحاكم على النيل من الإسماعيليين. وبالفعل قام الحاكم بشن هجوم لم يتوقعه الإسماعيليين في المدينة فاعتقل أبو طاهر وزعماء الطائفة وقتلوا جميعا وتمكن اخرون من الفرار. لتنتهي بهذه النكسة أول مراحل الكفاح الإسماعيلي في بلاد الشام.
بالرغم من النكسة في حلب إلا أن الإسماعيليين الجدد لم يتراجعوا عن طموحهم في نشر دعوتهم. ففي عام 1114م قامت قوة مكونة من مائة إسماعيلي بالاستيلاء على معقل شيزار بعد هجوم مفاجئ بينما كان الحاكم وجنوده في مكان بعيد يشاهدون احتفالات المسيحيين بعيد الفصح. وقد تعرض الحشاشون فور ذلك لهجوم مضاد اوقع بهم الهزيمة.
وحتى في حلب استطاع الإسماعيلييون بالرغم من كارثة 1113م ان يحفظوا لنفسهم بموضع قدم. ففي عام 1119م تم طرد عدوهم ابن البديع من المدينة وهرب إلى ماردين وكان الحشاشون في انتظاره وهو يعبر الفرات فقتلوه.
تمكن خليفة أبو طاهر المعدوم في حلب "بهرام" من نقل النشاط الإسماعيلي جنوبا وسرعان مابدا يلعب دورا نشطا في شؤون دمشق. ففي عام 1126م/520 هـ حدث أول تعاون بين الحشاشين والحاكم التركي لدمشق ظاهر الدين طغتكين حيث اشتركوا سويا في هجوم فاشل شن ضد حصون الصليبيين.
وقام الحاكم الدمشقي بعد ذلك بمنح الإسماعيليون قلعة بانياس على الحدود مع المملكة الصليبية. كما حصلوا على في دمشق على على بناية اسموها "بيت الدعوة" واتخذوها مقرا لهم. وفي بانياس أعاد بهرام بناء القلعة وبدا حملة من التوسع في المناطق المجاورة. وكان وادي التيم في إقليم الحصيبة يسكنها خليط من الدروز والنصارى وكان يبدو ملائما للتوسع الإسماعيلي. لكن أثناء محاولة الإسماعيليين السيطرة على المنطقة نشب قتال حاد مع سكانها أدى إلى مقتل الزعيم بهرام وانسحاب الإسماعيليين.
ليتولى الزعامة بعده "إسماعيل" وقد سار على سياسة سلفه، واستمر الدعم الدمشقي له وخاصة من الوزير المزرجاني. ولكن سرعان ماجاءت النهاية ففي عام 1128م522 هـ توفي طغتكين وبعد وفاته حدثت حملة رد فعل تشبه تلك التي حدثت بعد وفاة رضوان في حلب. وجاءت المبادرة من قبل مفرج بن الحسن الصوفي الذي كان شديد العداء للإسماعيليين وقائد شرطة المدينة بتحريض الحاكم "بوري" ابن طغتكين وخليفته على توجيه ضربة قاضية للإسماعيليين والغدر بهم. ففي يوم الأربعاء 4 ستمبر 1129م523 هـ حدثت هذه الضربة. حيث اغتيل الوزير المزرجاني -باوامر من بوري- وهو جالس في مجلسه يستقبل الزوار وفصل راسه عن جسده ومان انتشر الخبر حتى قام عسكر المدينة ومعهم الرعاع على الحشاشين قتلا ونهبا حتى إذا حل الصباح ابيد الإسماعيليون بالمدينة ولم يعرف عدد الذين قتلوا بالضبط إلا أن أحد المؤرخين قدر العدد ب 20 الف قتيل.
وتحقق إسماعيل ان موقفه في بانياس أصبح بائسا فسلم القلعة للإفرنج مقابل إعطاءه واتباعه الملاذ الامن ففر ومن معه في اراضيهم حيث توفي في عام 1130م.
وقد اتخذ المسؤلين عن هذه المجزرة الكثير من الاحتياطات لحماية انفسهم من انتقام الحشاشين فارتدوا شباك من الازرد واحاطوا انفسهم بالحراس على مدار الساعة. ولكن بدون جدوى، إذ لم تلبث ان جاءت الضربة من مركز الفرقة في ألموت. ففي 7 مايو 1131م525 هـ تمكن اثنين من الحشاشين متنكرين بزي جنديين تركيين من الدخول لقصر بوري والانقضاض بشكل السريع على "بوري" وطعنه بالخناجر ليموت بوري متاثرا بجراحه.
خلال السنوات العشرين التالية حدثت المرحلة الثالثة والناجحة التي استطاع فيها الحشاشون الحصول على قواعد قلاعية لهم في سورية وكانت هذه المرة في جبل البهرة. ففي عام 1132م اشترى الحشاشون قلعة القدموس. وفي عام 1136م تمكن الحشاشون من طرد الإفرنج من الخريبة وسيطروا عليها. وفي عام 1140م تمكنوا من الاستيلاء على قلعة مصيف والتي ستصبح لاحقا أهم معاقلهم وتمكنوا بعدها من السيطرة على قلاع أخرى وهي الخوابي والرصافة والعليقة والمنيقة.
وتبقى علاقات الحشاشين خلال هذه الفترة غامضة بعض الشيء. غير ان من المعروف ان جماعة من الإسماعيليين النزاريين يقودهم شخص اسمه علي بن الوفا قد تعاونوا مع ريموند الانطاكي في حملته على أمير حلب نور الدين زنكي، الذي أثار عداوة الإسماعيليين بسياسته القمعية للشيعة. وقد فقد علي وريموند كلاهما حياتهما على ارض معركة أنب سنة 1149م.
وعقب ذلك بسنوات قليلة في عام 1152م547 هـ أقدم الحشاشون على أغتيال الكونت ريموند الثاني من طرابلس والذي كان الضحية الإفرنجي الأول الذي يقضي على يد الحشاشين. وقد قام ملك القدس بلدوين الثالث برد هائج بذبح اعداد كبيرة من المسلمين وقام فرسان الهيكل بغزو أراضي الحشاشين واجبروهم بعد سلسلة من الهجمات على دفع أتاوة سنوية بلغت زهاء 2000 قطعة ذهبية.
في 28 أبريل 1192م588 هـ تمكن الحشاشون من توجيه ضربتهم الكبرى باغتيال المركيز كونراد من مونفيراتو "Conrad of Montferrat" ملك بيت المقدس بينما كان في صور. حيث تخفى مغتالوه في زي رهبان مسيحيين وشقوا طريقهم إلى خلوة الأسقف والمركيز وعندما سنحت الفرصة طعنوه حتى الموت. ويذكر بعض المؤرخين تعاون صلاح الدين مع الحشاشين لتنفيذ الاغتيال. وتجدر الإشارة إلى ان بعد مرور اربعة أشهر من الاغتيال حصلت هدنة بين صلاح الدين والحشاشين. هذا الاغتيال اخر منجزات سنان الذي توفي عام 1192م588 هـ.
واصل خلفاء سنان علاقاتهم الطيبة مع خلفاء صلاح الدين من الايوبيين في سورية في الوقت الذي كانت علاقتهم متشنجة بشكل كبير مع الصليبيين فقاموا باغتيال ريموند ابن بوهيموند الرابع في كنيسة في طرطوس عام 1213م610 هـ الامر الذي أثار غضب بوهيموندالذي سارع في القاء الحصار على قلعة الخوابي إلا أن حكام دمشق وحلب الايوبيين لم يتاخروا في نجدة الحشاشين واجبار الفرنجة على التراجع وفك الحصار.
وفي غضون ذلك تمكن الحشاشون بطريقة ما من تحصيل أتاوات "الجزية" من بعض الأمراء النصارى. ففي عام 1227م بعث فردريك الثاني قائد الحملة الصليبية السادسة (1228-1229) وملك القدس بسفارة إلى زعيم النزاريين (الحشاشين) وقد أحضر سفراء فردريك هدايا بلغت قيمتها 80000 دينار.
ولاقت محاولات فردريك الثاني مع الحشاشين معارضة فرسان الإسبتارية، الذين سارعوا إلى الهجوم على القلاع النزارية وتكبيد الحشاشين خسائر مادية فادحة. وفي حلول سنة 1228م أقام الطرفان "حلف تعاوني" يدفع بموجبه الحشاشين مبالغ مالية لفرسان الاسبتارية مقابل دفاع الاسبتاريين عن قلاع النزاريين من اعتداءات القوات الصليبية في انطاكية وطرابلس. وقد تطور الامر إلى تعاون الطرفين (الحشاشين والاسبتاريين) في حملة شنوها من قلعة الحصن سنة 1230م ضد أمير انطاكية بوهيموند الرابع.
وكان هذا التعاون قد أثار غضب بوهيموند الخامس أمير انطاكية، فقام بكتابة إلى البابا غريغوري التاسع يشكو فيه تحالف الاسبتاريين مع الحشاشين. وفي رد البابا غريغوري على تلك الشكوى كتب إلى رئيس أساقفة صور وإلى اسقفي صيدا وبيروت: