اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قد تبدو ان اللهجة الشعبية العراقية صعبة غير مفهومة للبعض لوجود مفردات لفظية لا تستخدم في الأقطار العربية الأخرى، لكن الدراسات الأثارية الحديثة أثبتت أن الكثير من المفردات المتداولة في اللهجة المحكية العراقية تعود إلى إصول سومرية وآرامية وسريانية( )، بالإضافة إلى كلمات فصيحة لكنها خرجت عن الاستعمال الحالي، لذلك تبدو لغير المطلعين بأنها غامضة. وعليه فإنَّ تيسير فهمها يتطلب منا وضع ما يقابلها من المعنى المفهوم في هامش خاص بها.
وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت الساحة التي تحرك عليها الشعر الشعبي وخصوصاً ما يسمى بالأهزوجة، واسعة إلى حدٍ ما، إذ كانت الأرض التي زرعت عليها فنونها حافلة بكل ما يعطيها من قدرة الامتداد والتدفق والانتشار والأبداع معاً، لذا يمكن القول أن طبيعة الأهزوجة الشعبية كانت متصلة بكل ما يعينها على الاتصال بعناصر الشعر والتأثر بمعطياته الإنسانية، وكان أصحابها "المهاويل" قديرين على اتقان فنونها ومدركين لكل ما يتعلق بها من معنى وحكمة، بل انهم كانوا حريصين على مزج التأريخ والبلدان فيما ينظمون، وهذا ما جعلهم يتركون تراثاً خالداً عبر الأجيال.
ولا أُريد هنا أن أعرض بالتفصيل البناء التركيبي للشعر الشعبي، ولكنني سأقف عند حقيقة واحدة هي بناء الأهزوجة الشعبية التي شكلت جزءاً مهماً في سجل الشعر الشعبي، وربما يكون هذا الحديث أيضاً مطولاً وموسعاً لأن هذا الأمر يقتضي أن نباشر بالموضوعات التي يُريد أن يُعالجها الشاعر "المهوال" أو الفنون الشعرية التي كانت تبرز من خلال تلك المعالجة، إلا اننا سوف نضرب عن ذكرها صفحاً للاختصار، فالمديح في الأهزوجة الشعبية له بناؤه وأصوله، والرثاء له ضوابطه واحكامه كذلك، ومثلهما الهجاء والأغراض الأخرى التي أخذت حجمها في التسلسل البنائي وصورتها في الموروث الشعبي، وهي تنتقي مفرداتها على وفق المعاني المطلوبة وتختار الصورة المألوفة لدى المهوال والتي قد يجد فيها أداةً للتعبير وقدرة على التأثير في المقابل، والأهزوجة الشعبية لم تكن بعيدة عن ذلك البناء في التركيب، وإنما شكلت بناءً واحداً من تلك الأبنية التي أخذت شكلها المميز بين أصناف الشعر الشعبي، بعد أن أصبحت جزءاً من الحياة الريفية ولوحة تتكامل فيها فنون الشعر الشعبي، فهي تأخذ صورة البناء المتناسق المفردات وتكشف عن الوسائل التي تعطيها لونها المتميز وتحقق لها تأثيرها المطلوب من خلال اعتماد الصيغ المتبعة والتسلسل المتوافق والأوصاف الحادة لكل عنصر من عناصر التأثير.
ولأهزوجة ثورة العشرين لونها الخاص بها الذي أنفردت به بين بقية أنواع الأهازيج الشعبية الأخرى، فقد اتصفت تلك الأهزوجة بالرجولة والعطاء والتضحية بين أبناء الريف العراقي بشكل عام، فقد اتخذ شعراؤها الكلمات التي تثير في نفوس المقاتلين الحماسة وتنتزع من الخصم الكثير من الخصائص بغية رفع المعنويات لدى أبناء عمومته، فهو يعدد في كثير من الأحيان مآثر قومه التي تعطيه صفة القوة والمناعة في مواجه الخصم، فتجده يشيد بالبطولة ويقدم تأريخ المفاخر ويذكر مواقع الانتصار ويحشد المفردات والأوصاف الحية للحدث دون سابق إنذار، تتقافز العبارات المؤثرة عفوياً تبدو وكأنها منتقاة مسبقاً وهي غير ذلك، فتأتي الفاظها الموجزة بعد أن تتجمع الصورة لديه في إيضاح الجوانب التي يريد أن يعبر عنها في كل موقف، وعند كل حادثة وكأنها نشيد حماسي لا يفلت أحد من سحره.
إِنَّ ذلك البناء المتكامل يجري في حدود وحدة الموضوع ولا يمكن ان يكون مخصوصاً بغرض أو محصوراً في نطاق فني أو أدبي، وإنما هو تقليد وموروث شعبي التزمت به كل الأغراض فكانت له مقدمته المميزة، وكانت له أجواؤه الخاصة التي حركت كل بناء، وأوحت بكل المعاني المقصودة التي يرغب في وضعها المهوال، فتجده يشيد بالبطولة ويقدم المفاخر ويحشد المفردات والاوصاف متخذاً من التشبيهات المألوفة ذخيرة الاستعارة ومن التراكيب المتعارف عليها صورة البيان.
ومن هنا تبدو الصورة واضحة من خلال استخدام الشاعر "المهوال" للتقليد الفني لذلك البناء الذي سبق وأن اشرنا إليه، لأن الخروج عن ذلك الطريق يعني خروجاً عن العرف المألوف الذي أعد السامع أو المتلقي نفسه لقبوله، لأن خلافها يعني محاولة في ادخال المتلقي في متاهات تفقد عليه الجو النفسي الذي هيأ وجوده له، وحفّز مشاعره للاستماع إليه والذي تعود على استماعه في الأهازيج المماثلة، وهكذا تجلت حقيقة التزام المهوال بذلك البناء التقليدي الذي عُدَّ حقيقة لازمة من حقائق الهيكل الكامل الذي دخلت الأهزوجة ضمن إطاره العام والتزمت به.
عُدّت الأهزوجة الشعبية في العراق انشودة في اللغة العامية ينشدها أبناء الريف في المناسبات كافة، سواء كان ذلك في الأفراح أو الأحزان وفي أغلب الأحيان تقال قبيل المعارك من أجل تهيئة المقاتلين نفسياً واثارة الحماس لديهم، كما ينشدونها بعد الانتصار بفخر واعتزاز، وللأهازيج فعل السحر في اثارة العواطف والمشاعر وبعث الحماس في النفوس، وعادةً ما تلقى الأهزوجة "الهوسة" بطريقة خاصة، حيث يقف قائلها ويلوح بسلاحه أو بيده إذا كان لا يحمل السلاح، ثُمَّ ينبه الحاضرين بألفاظ خاصة، أو يقدم لها ببيت من الشعر، وبعدها يتحرك بحركة خاصة أثناء الالقاء، ويرددها من بعده الحاضرون برقصة وهم يدورون في حلقة ملوحين بأسلحتهم.
إِنَّ الأهزوجة ليست حديثة الاستخدام في الحروب، وإنما تعود إلى ما قبل الإسلام وما بعده، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال المصادر التاريخية التي وردت في الطبري وابن أثير وغيرها من المصادر، والأراجيز التي تقابل الأهزوجة في العصر الحديث، فقد وردت في معارك الرسول محمد () ضد المشركين، كما نشاهدها جلية في ثورة الإمام الحسين () إذ أدت الأرجوزة دوراً دراماتيكياً في رفع المعنويات وتثوير الحماسة في نفوس المقاتلين أولئك القلة الذين لا يتجاوز عددهم الثمانين شخصاً في مواجهة عشرات الألوف من أصحاب القلوب الصلدة الذين يقودهم عمر بن سعد ممثل السلطة الاموية، وعلى الرغم من صفة التقارب بين الأرجوزة في ذلك العهد والأهزوجة في العصر الحديث، إلا أنَّ الأولى تختلف بكون كلماتها فصيحة في حين أنَّ الثانية تعتمد الكلام العامي الدارج بين عامة الناس، كما أنَّ الأرجوزة تفتقد إلى ما هو موجود في الأهزوجة فيما يتعلق بالشطر الأخير الا وهو الرباط "الردسة" الذي يصاحبه في أحيان كثيرة تلك الرقصة الحماسية بين المجتمعين.