اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد وُصول كتاب شاهرُخ بن تيمورلنك، بايع العُلماء والقادة والأُمراء والوُزراء مُحمَّد چلبي سُلطانًا على العُثمانيين، وذلك في السراي الأميريَّة بِأدرنة، وتنص بعض المصادر على أنَّ بيعته كانت يوم 2 جُمادى الأولى 816هـ المُوافق فيه 30 آب (أغسطس) 1413م، واستقبل وُفودًا من سُفراء الدُول والإمارات الأوروپيَّة المُجاورة الذين جاءوا يُهنئونه على تولِّيه عرش أبيه وأجداده. وكان في مُقدمة الأعمال الضروريَّة التي وجَّه السُلطان انتباهه إليها، تعيين مُربيه بايزيد باشا الأماسيلِّي صدرًا أعظمًا، والعمل على توحيد الوضع السياسي المُبعثر إلى درجةٍ كبيرةٍ في الأناضول، والوُصُول بِالدولة - قدر الإمكان - إلى مرحلةٍ من القُوَّة التي كانت عليها أيَّام والده بايزيد، ولمَّا كان هذا السُلطان مُحاطًا بِثُلَّةٍ من أتباع أخيه موسى المُخلصين، الذين كانوا يرونه غاصبًا لِلسُلطة، كان عليه التخلُّص منهم قبل أن يأتي بأي عملٍ آخر.
تنص أقوى الروايات، أنَّ سلطنة موسى چلبي في الروملِّي بدأت من يوم الثُلاثاء 22 شوَّال 813هـ المُوافق فيه 17 شُباط (فبراير) 1411م، وانتهت يوم الأربعاء 5 ربيع الآخر 816هـ المُوافق فيه 1 حُزيران (يونيو) 1413م، وهي سنتان وأربعة أشهر وستة عشر يومًا، وخِلال هذه الفترة وقف بجانبه العديد من الأعوان المُخلصين كان في مُقدمتهم قادة وأُمراء غُزاة الحُدود الذين كانوا يتوقون لِلغزو والجهاد في سبيل الله بعد أن أقعدهم الشاهزاده سُليمان بن بايزيد وعطَّلهم عن مهامهم ودورهم الجهادي والعسكري طيلة فترة جُلُوسه على العرش في أدرنة، وانغمس هو نفسه في الملذَّات، فلمَّا تولَّى موسى چلبي العرش أطلق يدهم وحمل معهم عدَّة حملات على الصرب ومقدونيا وفتح بعض القلاع والقُرى والبلدات، كما استخدمهم في حصار القُسطنطينيَّة، ووقف في صفِّه أيضًا قاضي العسكر الشيخ بدرُ الدين محمود بن إسرائيل السماوني، الذي تأثَّر موسى چلبي بِأفكاره ومذهبه الصوفي الاشتراكي الداعي إلى إنكار حق التملُّك، والقول بِشُيُوعيَّة المال والمُلك، فأقصى ونبذ الطبقة الأرستقراطيَّة العُثمانيَّة، فعاداه هؤلاء بينما تقرَّب منه الدراويش والمُتصوِّفة. والحقيقة أنَّ هذا الأمر قضى على حُظوظ موسى چلبي في الاحتفاظ بِعرش أبيه، إذ لم يُقم التوازن المطلوب بين الطبقتين الأرستقراطيَّة والشعبيَّة، فانحاز أعيان العُثمانيين بِالروملِّي إلى مُحمَّد چلبي، فكان لانحيازهم إلى صفِّه دورٌ بِما آلت إليه الأُمور وانتصاره على شقيقه. فلمَّا هوى موسى بعد هزيمته أمام أخيه مُحمَّد، كان الشيخ بدر الدين في مُقدمة الأشخاص الخطرين الذين كان على السُلطان الجديد أن يتخلَّص منهم ويُبعدهم، ولم يشأ أن ينتقم منه أو يقتله، رُبما لِقُوَّة من التفَّ حوله من الأتباع، فأرسله إلى إزنيق ووضعهُ في الإقامة الجبريَّة، وخصَّصه بِراتبٍ شهريٍّ مقداره ألف آقچة، كما نفى بكلربك الروملِّي مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي إلى توقاد وزجَّ به في السجن. كذلك، أبعد من حوله الساسة الذين أوصلوا والده إلى كارثة أنقرة واستعاض عنهم برجال الدين المُحافظين. أمَّا باقي الأُمراء والقادة فقد أذعنوا له واعترفوا بِسُلطانه، وبِذلك صفى لهُ المُلك، ولم يبقَ سوى اعتراف الخِلافة العبَّاسيَّة بِسلطنته حتَّى يُصبح سُلطانًا شرعيًّا بِالتمام والكمال.
امتازت العلاقات العُثمانيَّة المملوكيَّة بِالود والتقارب الشديدين، مُنذُ أن قامت الدولة العُثمانيَّة وأخذت على عاتقها فتح بلاد البلقان ونشر الإسلام في رُبُوعها، وخطب السلاطين العُثمانيين ودَّ السلاطين المماليك باعتبارهم زُعماء العالم الإسلامي والقائمين على حماية الخِلافة الإسلاميَّة، واعترفوا لهم بِالأولويَّة السياسيَّة والدينيَّة، بينما خطَّطوا لِأنفُسهم دورًا مُتواضعًا هو دور البكوات حُماة حُدود ديار الإسلام. هذا وقد ظلَّ المماليك ينظرون إلى تحرُّكات العُثمانيين الجهاديَّة كجُزءٍ من المسألة الإسلاميَّة العامَّة. وعلى الرُغم من أنَّ العلاقات المملوكيَّة العُثمانيَّة عرفت بعض الجفاء خِلال عهد بايزيد الأوَّل بِسبب طُمُوحاته التوسُّعيَّة، إلَّا أنها سُرعان ما عادت إلى سابق عهدها عند جُلُوس ابنه مُحمَّد، الذي كان عليه أن يحصل على مُباركة ومُوافقة كُلٍ من الخليفة العبَّاسي المُقيم بِالقاهرة والسُلطان المملوكي على تولِّيه عرش آبائه وأجداده بِصفته سُلطان بني عُثمان الأوحد، خاصَّةً بعد الفوضى والاقتتال الذي جرى نتيجة أسر السُلطان بايزيد ووفاته. وصودف في تلك الفترة أن تولَّى عرش الدولة المملوكيَّة سُلطانٌ جديد هو أبو النصر شيخ بن عبد الله المحمودي الظاهري، فأرسل إليه السُلطان العُثماني كتابًا بِاللُغة العربيَّة، حُرِّر بيد قاضي قصبة إینهگول في أواسط ذي الحجَّة سنة 817هـ المُوافق فيه أواخر شُباط (فبراير) سنة 1415م، يُهنأه فيه ويدعو له بِدوام المُلك والعزَّة، ويُخبره بانتصاره وانفراده بِحُكم بلاد آبائه، ويُعلمه أنَّ تحالفه مع الإمبراطور البيزنطي ضدَّ أخيه موسى كان لِدفع الفتنة وتوحيد كلمة المُسلمين، وأرسل له أقمشة فاخرة كهدايا. أمَّا نص الرسالة فهو:
«أدام الله تعالىٰ عزَّ الجناب العالي العالمي العاملي العادلي الكبيري العوني الغوثي الغيَّاثي النظامي الهمَّامي المُشيدي المُنعمي المُفضلي النصيري المُرابطي الأوحدي الأمجدي الكاملي الكافلي مُحيي مراسم الإسلام، مُبدي الشرائع والأحكام، قاتل الطُغاة وأعداء الدين، ناصر الغُزاة والمُجاهدين، لا زال جنابه الرفيع منبع الشرف الجم ومطلع المجد الأشمّ، محفوفًا بِدولةٍ لا يتهدَّم دارها، وعزَّةٍ لا ينفصم آثارها، المُحب المُخلص الوارث لِمحبَّة المجالس الشريفة، والمقار المُقدَّسة المُنيفة، الحامي بِسُكَّان الحرمين الشريفين من آبائهم العظام، نوَّر الله مضاجعهم، الباذلين حال الحبوة مهجعهم في إعلاء كلمة الله وقهر أعدائه، بعد تقديم محبَّة أصبحت مُنوَّرة بِأنوار الوفاء والإخلاص الصافي، وأضحت مُحجَّلة بِصفاء الولاء والاختصاص الوافي، وأزهرت بِصدق الطوية رياضُها، وامتلأت من زُلال المحبَّة حياضها، ورفع أدعيةً صالحةً مُستجابةً شريفة، وعرض أثنية خالصة مُستطابةً لطيفة، يُنهى ويُبدلى لِعلمه الشريف:
إنَّ سبب التأخير في إرسال الكتاب إلى ذلك الجناب وُقُوع الفترة وامتداد المُنازعة بيننا وبين الإخوان، أصلح الله شأنهم، لا سيَّما كثرة المكر، ووفرة الاحتيال الصادر عن تكفور القُسطنطينيَّة، لعنه الله ودمَّره، ومُعاونته لهم وتحريكه إيَّاهم، فلمَّا يسَّر الله لنا في هذه الأيَّام الفُرصة والنصر وبرخًا من [...] الانتقام بِلُطفه الشَّامل العام، جدَّدنا رُسُوم آبائنا العظام وأجدادنا الكرام، أنار الله براهينهم إلى يوم القيام، في إرسال الرُّسل والرسائل إلى عتبتكم العليَّة وسُدَّتكم السُنيَّة، فجهَّزنا قدوة الأماجد والمُقرَّبين مولانا قوَّامُ المُلك والدين، دام فضله، القاضي يومئذٍ بِقصبة إینهگول من أعمال بورصة المحميَّة، صانها الله عن الآفات والعاهات والبلبلة، لِتجديد قواعد المحبَّة القديمة، وتمهيد مراسم المودَّة المُستقيمة، بِالرسالة المُنبئة عن خُلوصٍ الطويَّة، والآن يُؤدي نيابة من حضرتنا البهيَّة تهنئة جُلُوسكم على سرير السلطنة في نفس القاهرة، ويُعظِّم في التكاليف العاديَّة الملكيَّة المُلوكيَّة، وينقل عنَّا كلمات الألفة وحكايات الصداقة، كما قرأنا عليه وقرَّرنا إليه بلا زيادة ولا نقيصة، وأصدرنا معه بِرسم الهديَّة من الأقمشة المُتنوعة الروميَّة خمس طقوزات، ومن الإفرنجيَّة ثلٰث طقوزات، ومن العجميَّة بوقجتين، فالمأمول من كرمكم القبول حين الوُصُول، وأن تلتفتوا إلى القاصد المذكور، وتُعيدوه بِالخير الموفور، وتُعلنوا به أخبار سلامتكم وآثار صحتكم، وكيفيَّة أطواركم اللطيفة المُنيفة، والأجوبة المُطابقة لِأسئلتنا الخفيَّة، الله يُؤيدكم وينصُركم إلى قيام القيامة، وجعلنا وإيَّاكم من الهادين المُهتدين غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين.
حُرِّر في أواسط شهر ذي الحجَّة الحرام سنة سبع عشر وثمانمائة
ولم يتأخَّر السُلطان المملوكي بعد أن سلَّمه قاضي إینهگول رسالة السُلطان مُحمَّد عن كتابة رسالةٍ جوابيَّةٍ إليه وصفه فيها بِـ«سُلطان الإسلام والمُسلمين.. نصيرُ أمير المُؤمنين»، والمقصود بِأمير المُؤمنين الخليفة العبَّاسي المُقيم في القاهرة. ودلَّت رسالة السُلطان المملوكي أنَّهُ والخليفة العبَّاسي يتمنون القضاء على بقايا الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وإلحاق أراضيها بِالدولة العُثمانيَّة، كما أكرم السُلطان وفادة المبعوث العُثماني وعيَّن أحد الأُمراء وهو قرطباي الخاصكي لِيُرافقه في القاهرة. كما أهدى السُلطان المملوكي هو الآخر لِلسُلطان العُثماني هدايا تليق بِمقامه، وعيَّن رسولين لِإيصالها. أمَّا نص الرسالة فهو:
«حامدًا لله ومُصليًا على نبيِّه مُحمَّد وآله وصحبه، أعزَّ الله تعالىٰ أنصار المقر الكريمي الأعلمي الأعدلي الأمجدي المُثاغري المُرابطي الظهيري النصيري العوني الغوثي الغيَّاثي الإمامي الهمَّامي المُجاهدي الأعزِّي المُعزِّي، سُلطان الإسلام والمُسلمين، ملاذ الغُزاة والمُجاهدين، قاتل الكفرة والمُشركين، نصيرُ أمير المُؤمنين، المُؤيَّد من عند الله الملكُ الصَّمد، مُمهد الدولة والدين، السُلطان مُحمَّد، خلَّد الله تعالىٰ ظلال عدله وإحسانه على مفارق الأنام بِالعزَّة الأبديَّة والسعادة السرمديَّة بِحق صفته الأحديَّة ذي الجلال والإكرام، وبعد:
فلمَّا ورد كتابكم الشريف وخطابكم المُنيف عن يد قُدوة الأماجد والمُقرَّبين، مولانا قوَّامُ المُلك والدين من جُملة قُضاتكم، زيدت فضائله في أحسن الزمان وأطيب الأوان، أخذناه بيد المحبَّة، وقبلناه بِشفاء المودَّة إثر تعظيم القاصد المزبور، وتفخيم المولى المذكور، فقرأناه من أوَّله إلى آخره، واطلعنا ما في باطنه وظاهره، وفرحنا من غلبتكم على العدوان، بِعون الله الملك المنَّان، خُصوصًا عن دفع مكائد التكفور الكفور الوالي بِقُسطنطينيَّة، دمَّرها الله وسخَّرها، وجعل مُلكه وسلطنته مُنتقلة إلى سُدَّتكم العليَّة وعَرَصَتكم الإسلاميَّة، ورفع ظُلمة الفترة بِطُلُوع شمس إقبالكم على تلك المملكة، وانعكس مرآة سُروركم إلينا، وانكشف عنها جمالُ المحبَّة لدينا، وتلألأ مصابيح الاتحاد، وتضأضأ قناديل الوداد، وبششنا زيادة البشاشة عن تشييد مراسم المحبَّة والتهنئة، وشُرِّفنا غاية الشرافة عن تلزيم لوازم المودَّة البهيَّة، وعظَّمناه غاية التعظيم، وكرَّمناه نهاية التكريم، وقُلنا له بيت:
وصرنا محظوظين من الهدايا المُتبرَّكة، والخطابات المُختفية، وأجرنا الرسول المُشار إليه بِكمال الرعاية مع رفاقة الأميري الأمجدي الأكرمي قرطباي الخاصكي، دام عزُّه، وبِالخير أعاده، وأرسلنا معهُ الفرسين الجيدين، والسّرجين المُتخذين من الذهب والفضَّة، وخمس طقوزات من الأقمشة المصريَّة، وأربع طقوزات من الأمتعة الهنديَّة والإسكندريَّة، فالمرجو من ألطافكم الحميمة أن تقبلوها بِأخلاقكم الكريمة، وأن تُفتشوا المُشافهات عنهما، وتُرخِّصوا رسولينا بعد التفحُّص منهما بِالخير والسلامة، وأن تفتحوا أبواب المُكاتبات، وتُهيؤوا أسباب المُراسلات، لئلَّا يُنسج بيننا عناكب النسيان في بُيُوت الحدثان وزوايا الملوان، ختم الله لكم ولنا بِالخير والحُسنى، وأدامكم لِسد الثُغُور الإسلاميَّة في الدُنيا، وحشركم مع الشُهداء والصالحين والغُزاة والمُجاهدين في العُقبى بِحق سيِّد الأنبياء وسند الأصفياء مُحمَّدٍ المُصطفى عليه التحيَّة والثناء وعلى آله وصحبه نُجُوم الهُدى ورُجُوم العدى وسلَّم تسليمًا دائمًا أبدًا.
حُرِّر في أوائل شهر شعبان المُعظَّم سنة ثماني عشرة وثمانمائة
كانت الأعباء المُلقاة على عاتق السُلطان الشاب كبيرة، وفي مُقدمتها إعادة الأمن والاستقرار المفقودين إلى دولته، فاتبع سياسة السلم والمُهادنة مع القوى المُجاورة، لِإبعاد دولته التي تمر بِمرحلة النقاهة عن الأخطار ولِينصرف إلى لملمة أجزائها التي كادت تتبعثر. فخاطب مبعوثي جُمهُوريَّات البُندُقيَّة وجنوة وراگوزة، ومُمثلي الصرب والأفلاق والأرناؤوط، الذين جاءوا يُباركون انتصاره وتربُّعه على العرش قائلًا: «قُولُوا لِحُكَّامِكُم وَأُمَرَائِكُم إِنِّي أُرِيدُ السَّلَامَ مَعَهُم، وَالذِي لَا يُريدُ السَّلَامَ فَخَصمُهُ الله رَاعِي السَّلَام الأَكبَر». ويُروى أنَّ الإمبراطور البيزنطي لمَّا قدَّم الدعم لِمُحمَّد چلبي ضدَّ أخيه موسى، كان قد أبرم معهُ مُعاهدةً في أُسكُدار نصَّت على تعهُّد مُحمَّد لِلإمبراطور البيزنطي بِإعادة جميع الأراضي التي استولى عليها موسى من بيزنطة، الواقعة بِجوار القُسطنطينيَّة وسالونيك، مُقابل مساعدة الإمبراطور له في العُبُور إلى الروملِّي وتقديم المُساعدة العسكريَّة عند الضرورة. لِذلك، أرسل الإمبراطور البيزنطي وفدًا إلى مُحمَّد الأوَّل لِتقديم التهنئة بانتصاره، والطلب منه إعادة الأراضي التي سيطر عليها موسى چلبي من الروم. ولمَّا كان السُلطان العُثماني حريصًا على المُحافظة على مُحالفة إمبراطور الروم في هذه المرحلة الدقيقة من حياة الدولة، ويُدركُ أنَّهُ لولا مُساعدته له لخيف على عرى الدولة من الانفصام، فقد قبل أن يرُدَّ لهُ البلاد التي فتحها أخوه موسى على ساحليّ البحرين الأسود ومرمرة، كما أعاد إليه ضواحي سالونيك. وتذكر المصادر الغربيَّة بأنَّ السُلطان مُحمَّد خاطب مبعوثي الإمبراطور البيزنطي قائلًا: «بَلِّغُوا تَحِيَّاتِي إِلَى وَالِدِي الإِمبَرَاطور الذي بِمُسَاعَدَاتِهِ الفِعلِيَّةِ لِي تَمَكَّنتُ مِن اعتِلاءِ عَرشِ وَالِدِي، سَوفَ أَبقَى مُطِيعًا لَهُ طَاعَةَ الوَلَدِ لِأَبِيهِ». وقد أكَّد السُلطان مُحمَّد سياسته السلميَّة تجاه جيرانه الأوروپيين خوفًا من ظُهورٍ خطرٍ صليبيٍّ ضدَّ بلاده في تلك المرحلة الحسَّاسة، فاتبع سياسةً مرنةً مع القوى الأوروپيَّة، وأقام علاقاتٍ وديَّةٍ مع أُمراء الصرب والأرناؤوط ودلماسية والأفلاق والبُلغار ويانية، ومع أمير المورة البيزنطي تُيُودور پاليولوگ بن يُوحنَّا الخامس، شقيق الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل. أثمرت سياسة السُلطان مُحمَّد السلميَّة سريعًا، إذ رفض الإمبراطور البيزنطي إيواء الشاهزاده أورخان بن سُليمان في القُسطنطينيَّة، عندما بدأ يُعلن حقَّهُ في عرش آل عُثمان بِصفته وليّ عهد أبيه، الذي كان من وجهة نظره السُلطان الحق كونه أقام في العاصمة أدرنة وكان أوَّل من بويع بين إخوته بعد وفاة السُلطان بايزيد، وأيَّده في ذلك جماعة من المُتمردين على حُكم السُلطان الجديد. رأى الإمبراطور أنَّ مصلحته تقتضي الحفاظ على السلام القائم مع السُلطان مُحمَّد الذي ما يزال قادرًا عليه رُغم ما حل بِدولته من مصائب. سهَّل موقف الإمبراطور البيزنطي من الشاهزاده المذكور من عمليَّة القضاء عليه، فلمَّا أحسَّ أورخان بانعدام فُرصة مُساعدته، غادر القُسطنطينيَّة قاصدًا الأفلاق، وعند وُصوله إلى قصبة «قرين آباد»، اعترضته فرقة عسكريَّة من الآقنجيَّة، ومنعوه من مُتابعة التقدُّم. عند هذه النُقطة، ساق السُلطان مُحمَّد الأوَّل جيشًا لِلقضاء على ابن أخيه ومن والاه من العُصاة، فلقيهم وقاتلهم وأنزل بهم هزيمةً مُنكرة، وأُلقي القبض على أورخان بن سُليمان وسُلِّم إلى السُلطان مُحمَّد، الذي أمر بِسمل عينيه لِيمنعهُ من تكرار فعلته أبدًا، وأرسلهُ منفيًّا إلى بورصة. تنص بعض المصادر أنَّ من ألقى القبض على الشاهزاده المُدعي بِالحق في العرش كان الإمبراطور البيزنطي نفسه، الذي رغب - بحسب الظاهر - أن يُظهر حُسن نواياه تجاه السُلطان العُثماني، فسلَّمه ابن أخيه لِيظهر أمامه بِمظهر الحليف الوفي صائن العُهُود. بعد هذه الحادثة التي أقلقت مضجع السُلطان ووجهت أنظاره ناحية الروملِّي، ساد الهُدوء على الحُدود الغربيَّة لِلدولة العُثمانيَّة حتَّى حين، وأصبح بِإمكان السُلطان مُحمَّد التركيز على حل المُشكلات السياسيَّة بِالأناضول، وأوَّلُها عصيان الأمير القرماني.