اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ليست أشياء العالم الخارجي وحدها هي التي نعتقد في وجودها واستمرارها عبر الزمان، فهناك أيضاً الأشخاص، وأولهم الذات أو المرء باعتباره شخصاً. لكن كيف نحصل على فكرة عن الهوية الشخصية، أو وعي المرء بذاته باعتباره موجوداً ومستمراً عبر الزمان؟ ذهب هيوم إلى أن الذي يجعلنا نقطع بوجود شئ واستمراره عبر الزمان هو استقبالنا المستمر والدائم لانطباعات من هذا الشئ. لكن النفس الإنسانية ليست كذلك، فنحن لا نتلقى منها انطباعات مستمرة عبر حياتنا. وإذا كنا نحصل على انطباع عن أنفسنا، فإن هذا الانطباع يحدث في زمن محدد ولا يتكرر دائماَ. وبالتالي يصل هيوم إلى القول بأن فكرة النفس لا ترجع إلى الحواس، ويقول في ذلك: «عندما أتأمل في ذاتي دائماً ما أقف عند إدراك معين أو آخر، عن الحرارة أو البرودة، الضوء أو الظل، الحب أو الكره، الألم أو اللذة. لكنني لا أستطيع أن أمسك بذاتي في أي وقت دون إدراك ما، ولا يمكنني أن ألاحظ أي شئ سوى هذا الإدراك الحسي»( 32). فكل ما يحدث عندما ألاحظ نفسى هو سلسلة من الإدراكات الحسية التي تحضر أمام الحس الداخلي. هذه السلسلة من الإدراكات المتتابعة هي مجرد مجموعة من الانطباعات الجزئية، أما إلحاق هذه الانطباعات حول النفس بما يمكن أن يكون القوام أو الحامل أو الجوهر بالنسبة لها فهذا ما يرفضه هيوم، لأننا لا نتلقى انطباعاً بشئ يمثل جوهر النفس. وما ينطبق على الإدراك الداخلي للانطباعات النفسية ينطبق كذلك على نتلقاه من انطباعات من أشياء العالم الخارجي، فليس في هذه الانطباعات ما يبرر القول بأننا نرى الأشياء واحدة وذات هوية ثابتة ووجود مستمر عبر الزمن. ورغماً عن ذلك فإننا نستمر في إلحاق الهوية بالأشياء وبذواتنا، وهذا يرجع إلى دافع أو نزوع طبيعي في طبيعتنا البشرية، وليس له ما يبرره في العالم الواقعي.