اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان القرن التاسع عشر قرنًا مضطربًا لإسبانيا. فقد تنافس على السلطة السياسية كلا من هؤلاء الذين يؤيدون إصلاح الحكومة الإسبانية والمحافظين الذين حاولوا منع الإصلاحات. وسعى بعض الليبراليين وفقًا للتقاليد التي بدأت بالدستور الأسباني لسنة 1812 إلى الحد من سلطة الملكية الإسبانية وإقامة دولة ليبرالية. لم تستمر إصلاحات 1812 بعد أن حل الملك فيرناندو السابع الدستور وأنهى حكومة ليبرالية التي لم تدم طويلاً بمساعدة عسكرية ملكية فرنسية. وجرى مابين سنة 1814 و 1874 حوالي 12 انقلابًا ناجحًا. كانت هناك عدة محاولات لإعادة تنظيم النظام السياسي ليتناسب مع الواقع الاجتماعي. حتى خمسينيات القرن التاسع عشر كان اقتصاد إسبانيا يعتمد أساسًا على الزراعة. كان هناك نمو بسيط للطبقة الصناعية والتجارية البرجوازية. ولكن ظل ملاك الأراضي من الأقلية الأوليغارشية قوية. كان عدد قليل من الناس يمتلكون عقارات كبيرة (يسمون latifundia) وبالإضافة إلى استحواذهم جميع المناصب الحكومية الهامة. حاول القطاعين الصناعي والتجاري تحدي قوة ملاك الأراضي، ولكن دون جدوى.
في عام 1868 أدت الانتفاضات الشعبية إلى الإطاحة بالملكة إيزابيل الثانية. وساعد عاملان مهمان تلك الانتفاضات: سلسلة من أعمال الشغب في المناطق الحضرية، وحركة ليبرالية داخل الطبقات الوسطى والجيش (بقيادة الجنرال خوان بريم)، الذين كانوا قلقين بشأن التشدد المتطرف للنظام الملكي. وفي سنة 1873 استلم الحكم الملك أماديو الأول من آل سافوي الذي تنازل عن الحكم بسبب الضغوط السياسية المتزايدة، وأعلن أول جمهورية إسبانية. ومع ذلك فإن مؤسسي الجمهورية عجزوا عن منع انحدار الجمهورية نحو الفوضى. فقام الجيش بعدة انتفاضات. حتى عادت الملكية القديمة مع عودة البوربون في ديسمبر 1874، حيث اعتبر الإصلاح ليس بأكثر أهمية من السلام والاستقرار. على الرغم من إدخال حق الاقتراع العام للذكور سنة 1890، إلا أن الانتخابات كانت تحت سيطرة الزعماء السياسيين المحليين (caciques).
حاولت الجماعات السياسية المتمسكة بالتقاليد منع إصلاحات الليبرالية الإسبانية والحفاظ على الملكية الأبوية (الذكور من سلالة الأب). فحارب الكارليون - مؤيدو إنفانت كارلوس ونسله - لتعزيز التقليد الإسباني والكاثوليكية ضد ليبرالية الحكومات الإسبانية المتعاقبة. فحاولوا استعادة الامتيازات العريقة والاستقلال الإقليمي الواسع الممنوح لبلاد الباسك وكاتالونيا المسمى المواثيق الإقليمية (بالإسبانية: fueros). وتحالفوا أحيانا مع القوميون (منفصلين عن الفصيل الوطني أثناء الحرب الأهلية نفسها) خلال الحروب الكارلية.
وفي تلك الفترة أصبحت الأناركية شائعة بين الطبقة العاملة، حتى أضحت في إسبانيا الأقوى من أي مكان آخر في أوروبا. إلا أن القوات الحكومية استطاعت بسهولة هزيمتهم.
اغتيل رئيس وزراء إسبانيا أنطونيو كانوباس ديل كاستيو على يد فوضوي إيطالي في سنة 1897، بسبب ازدياد عدد الاعتقالات واستخدام الحكومة للتعذيب. وكان ضياع كوبا آخر المستعمرات المهمة لإسبانيا في الحرب الإسبانية الأمريكية سنة 1898 قد أضر بقوة التصدير من كاتالونيا؛ فاندلعت أعمال إرهابية وعنف قام بها عملاء محرضون في برشلونة. ونمت الطبقة العاملة الصناعية في العقدين الأولين من القرن العشرين، إلا أنه كان هناك استياء في إقليمي الباسك وكاتالونيا حيث الصناعات الإسبانية القوية. فقد كانوا يعتقدون أن الحكومة تفضل عليهم الإصلاح الزراعي، وبالتالي فشلت في تمثيل مصالحهم. كان متوسط معدل الأمية 64٪ مع تباين إقليمي كبير. كان الفقر في بعض المناطق كبيراً وجرت هجرة جماعية ضخمة إلى العالم الجديد في العقد الأول من ذات القرن.
نال حزب العمال الاشتراكي الإسباني (PSOE) ومعه نقابة اتحاد العمال العام (UGT) المرتبطة به على الدعم. وقد نمت نقابة UGT من 8000 عضو سنة 1908 إلى 200,000 سنة 1920. وأنشئت مكاتب فرعية للإتحادات (Casas del pueblo) في المدن الكبرى. وكان اتحاد العمال العام يخشى فقدان الشعبية أمام الأناركيين. إلا أن انضباطيته في الإضرابات لاقت الاحترام الواسع. وكانت سياسته وسطية ومعادية للكاتالونية، لذا كان لديه فقط 10,000 عضو في برشلونة حتى سنة 1936. وقد ارتكز كلا من PSOE و UGT على شكل بسيط من أشكال الماركسية افترضت ثورة حتمية، وكانت ذات طابع انعزالي. وعندما نقل UGT مقره من برشلونة إلى مدريد سنة 1899 لم يتمكن الكثير من العمال الصناعيين في كاتالونيا من الوصول إليه. وقد اعترف أعضاء في حزب PSOE بحاجتهم إلى التعاون مع الأحزاب الجمهورية.
وفي سنة 1912 تأسس حزب الإصلاح الذي جذب المثقفين. وتمكنت شخصيات عامة مثل أليخاندرو ليروكس من نيل دعم واسع من الطبقة العاملة. وجعلت معاداته رجال الدين من الديماغوجيين الناجحين في برشلونة. وقال إن الكنيسة الكاثوليكية لا تنفصل عن نظام القمع الذي كان يحكم الناس. وفي تلك الفترة أصبحت الجمهورياتية في المقدمة.
كان الجيش حريصًا على تجنب تفكيك الدولة، وكان يتطلع إلى الداخل بشكل متزايد بعد خسارة كوبا. فقد كان ينظر إلى القومية الإقليمية على أنها انفصالية وموضع استياء. وفي سنة 1905 هاجم الجيش مقر اثنين من المجلات الساخرة في كاتالونيا يعتقد أنها تقوض الحكومة. ولاسترضاء الجيش حظرت الحكومة التعليقات السلبية عن الجيش أو إسبانيا في الصحافة الإسبانية. ازداد الاستياء من الجيش والتجنيد مع حرب الريف الكارثية سنة 1909 في المغرب الإسباني. بلغت الأحداث ذروتها في لأسبوع المأساوي في برشلونة سنة 1909 عندما قامت مجموعات من الطبقة العاملة بأعمال شغب ضد استدعاء الاحتياطيين. وأحرقت 48 كنيسة ومؤسسات مماثلة في هجمات ضد رجال الدين. وتمكن الجيش من اخماد الشغب. تمت محاكمة 1725 عضوًا من هذه الجماعات، مع الحكم على خمسة أشخاص بالإعدام. أدت هذه الأحداث إلى تأسيس الاتحاد الوطني للعمل (CNT) وهي نقابة عمالية سيطر عليها الأناركيون وملتزمة بالنقابات الأناركية. كان لديها أكثر من مليون عضو بحلول 1923.
أدت زيادة الصادرات خلال الحرب العالمية الأولى إلى ازدهار في الصناعة وانخفاض مستويات المعيشة في المناطق الصناعية، ولا سيما كاتالونيا وبلاد الباسك، ولكن كان هناك زيادة في التضخم. فاستاء القطاع الصناعي بإخضاعه من حكومة مركزية زراعية. إلى جانب المخاوف بشأن أنظمة الترويج القديمة والفساد السياسي، تسببت الحرب في المغرب بانقسامات في الجيش. وأصبح التجدد مطلبا شعبيا، فاتحدت الطبقة العاملة والطبقة الصناعية مع الجيش على أمل إزالة الحكومة المركزية الفاسدة. ولكن تلك الآمال انهزمت سنوات 1917 و 1918 عندما تم استرضاء أو قمع مختلف الأحزاب السياسية التي تمثل هذه المجموعات من الحكومة المركزية، الواحدة تلو الأخرى. فأيد الصناعيون الحكومة في نهاية المطاف كونها وسيلة لاستعادة النظام. تنامى الخوف في إسبانيا بعد ظهور الشيوعية الدولية في 1919، فازداد قمع الحكومة من خلال وسائلها العسكرية. فانقسم حزب العمال الاشتراكي، حيث أسس الأعضاء اليساريين في سنة 1921 الحزب الشيوعي. ولم تتمكن حكومة عودة البوربون من مواجهة ازدياد الإضرابات بين العمال الصناعيين في الشمال والزراعيين في الجنوب.
جاء ميغيل بريمو دي ريفيرا إلى السلطة بانقلاب عسكري في 1923، فحول إسبانيا إلى دكتاتورية عسكرية. وسلم إلى اتحاد العمال العام (UGT) احتكار السيطرة على النقابات، وقدم برنامجًا شاملا للأشغال العامة. ولكن ذلك البرنامج دمرها، مثل السدود الكهرومائية والطرق السريعة التي تسببت في تضاعف العجز في سنوات 1925-1929. ثم تفاقم الوضع المالي في إسبانيا بسبب ربط البيزيتا بالغطاء الذهبي، مما أفقد العملة نصف قيمتها تقريبا سنة 1931. وأدخل بريمو دي ريفيرا اتحاد العمال العام من ضمن الحكومة لإنشاء مجالس للتحكيم الصناعي، على الرغم من أن هذه الخطوة عارضها البعض في المجموعة واعتبرها القادة الأناركيين أنها خطوة انتهازية. كما حاول الدكتاتور الدفاع عن التحالف الصناعي-الزراعي الملكي الذي شكل خلال الحرب. لم يتم خلال الدكتاتورية إجراء أي إصلاح كبير للنظام السياسي (وخصوصا النظام الملكي)، مما جعل تشكيل حكومة جديدة صعباً، فالمشاكل القائمة لم يتم إصلاحها. فبدأ النظام الدكتاتوري يفقد دعمه تدريجيا، فتدخل الدكتاتور بالحياة السياسية ضمنت مسؤوليته الشخصية عن إخفاقات الحكومة، وأيضا تدخله في الأمور الاقتصادية التي لم يفهمها ازداد الوضع سوءا. فاستقال دي ريفيرا في يناير 1930. ولم يتمكن الملك من ايجاد الدعم للعودة إلى النظام الدستوري ماقبل 1923، وفقدت الملكية مصداقيتها بسبب دعمها لحكومة عسكرية. فأمر الملك الجنرال داماسو بيرينجوار بتشكيل حكومة بديلة، لكن دكتاتورية ديكتابلاندا فشلت في توفير بديل قابل للتطبيق. أزعج اختيار بيرينجير جنرالًا مهمًا آخر هو خوسي سانخورخو الذي اعتقد أنه خيار أفضل. وفي الانتخابات البلدية التي جرت في 12 أبريل 1931 فشلت الأحزاب الملكية في الحصول على دعم قوي في المدن الكبرى، وتجمع عدد كبير من الناس في شوارع مدريد. تنازل الملك ألفونسو الثالث عشر لمنع "حرب أهلية بين الأشقاء". وبعد خروج الملك شكلت الجمهورية الإسبانية الثانية.