اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ما تزال البوذية العلمانية حركة في طور النشوء، بغالبها من الأشخاص العاديين غير المتخصصين. خلافاً للأنواع المختلفة من الحداثة البوذية، والتي تميل إلى كونها تعديلات على المدارس التقليدية للفكر والممارسة البوذية في ضوء خطابات الحداثة، فإن البوذية العلمانية تأسست على إعادة تشكيل للمنطلقات الأساسية لفلسفة دارما بذاتها. ولتحقيق هذا الهدف، تسعى البوذية العلمانية إلى استعادة التعليمات الأصلية لغوتاما بوذا، بوذا التاريخي، رغم أنها لا تدّعي أنها تكشف «ما أراد بوذا قوله حقّاً». بدلاَ من ذلك، تفسّر العلمانية البوذية التعاليم المقدسة المبكرة بطريقة تستخلص معانيها ضمن سياق بوذا التاريخي (أي، ثقافة سهول الغانج في القرن الخامس قبل الميلاد) وفي نفس الوقت تُظهر قيمتها وارتباطها بالبشر في واقعنا المعاصر. تنطبق على كِلا هذين الجانبين من التفسير كلمة «سيكيولار» (علماني) إذ تستحضر معنى الكلمة بجذرها اللاتيني –عصرٌ أو جيل محدّد. يمكن القول إن روح البوذية العلمانية تتجسد بشكلٍ أفضل في كتاب ستيفين باتشيلور «اعترافات بوذي ملحد».
تطرح البوذية العلمانية فكرة أنه يجب التخلي عن المعتقدات الغيبية وعلم الخلاص في الثقافة الدينية الهندية. نظرت هذه الثقافة للحياة الإنسانية على أنها عالمٌ مِن العذاب غير قابل للخلاص، ويجب على الفرد أن يسعى دومًا للتعالي عليه عبر الوصول إلى حالة «ما بعد إنسانية دائمة» وهو الموقف الذي تنادي به فعليّاً جميع المذاهب البوذية، كما الهندوسية والجاينيّة. على الطرف المقابل، تسعى البوذية العلمانية إلى توظيف تعاليم بوذا كمرشد للازدهار البشري في هذه الحياة وهذا العالم. بتبنّيها هذا الموقف «ما بعد الغيبي»، تنفصل البوذية العلمانية عن الأشكال الدينية الموجودة في الأرثوذكسية البوذية التي تطوّرت منذ وفاة بوذا. بدلاً من ذلك، تصنّف البوذية العلمانية نفسها مع الفلسفات المعاصرة المتجاوزة للغيبيّات، ليس أقلّها الفينومينولجية. وهكذا تجد البوذية العلمانية نفسها في خندق يجمعها بحركات مشابهة في اللاهوت المسيحي المتطرف، الذي تمثّله على أفضل وجه أعمال المفكرين من أمثال دون كوبيت وجياني فاتيمو.
يرفض البوذيون العلمانيون الهياكل الشمولية في السلطة والتي تُضفي عليها الشرعيّة ميتافيزيقيا الأرثوذكسية البوذية نفسُها. بل تشكّك البوذية العلمانية في السيرورة الروحانية القائمة على المواصفات المعيارية لممارسة التأمّل، والفكرة الشائعة بأن الممارسة البوذية تشغل نفسها بشكل رئيسي لاكتساب الفعاليّة عبر وسائل تأمليّة تقرّها سلطة الأستاذ أو المدارس التقليدية. على العكس من ذلك، تشدد البوذية العلمانية على الممارسة/ براكسيس التي تدفع إلى الاستقلالية والتي تشمل جميع الجوانب الإنسانية في حياة الفرد، كما تُذكر في نموذج الطريق النبيل الثماني (الرؤية الصحيحة، العزم الصحيح، الكلام الصحيح، الفِعل الصحيح، العيش الصحيح، الجهد الصحيح، الوعي الصحيح، والتأمل الصحيح). يفتح هذا الأسلوب البابَ لتوليد طيف واسع من الاستجابات للاحتياجات الفردية والجماعية، بدلاً من الإصرار على «طريق واحد صحيح» يقود إلى «الاستنارة» صالح في كل زمان وكل مكان.