اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت كاترين تطمح بِتطبيق نُظم التعليم الأوروپيَّة الغربيَّة في روسيا، وأن تُحيط نفسها بِثُلَّةٍ من العُلماء والمُفكرين أصحاب الفكر التنويري الغربي، وآمنت أنَّ «فئةً جديدةً من البشر» ستنشأ بِحال تربَّى الأطفال الروس على المبادئ والقيم الأوروپيَّة وتلقوا تعليمًا أوروپيًا. واعتقدت بِأنَّ هذا الشكل من التعليم من شأنه أن يُصلح نُفوس وعُقول الشعب الروسي ويسيرُ به نحو التقدُّم والازدهار. وكان هذا الأمر يعني تطوير الأجيال الصاعدة خُصوصًا على الصعيدين الذهني والأخلاقي، وتلقينهم المعارف الضروريَّة وإنشاءهم تنشأة مدنيَّة صالحة بحيثُ يُخلق لديهم الحس الوطني والمسؤوليَّة القوميَّة السليمان.
عيَّنت كاترين «إيڤان بتسكوي» مُستشارًا لها في شؤون التعليم، وتمكَّنت من خِلال مُساعدته من تجميع الكثير من المعلومات المُتعلقة بِالمُؤسسات التعليميَّة في روسيا وخارجها. كما أسَّست جمعيَّة تتكوَّن من عدَّة عُلماء ومُربين روس وألمان في سبيل صياغة نظام تعليمي راقٍ لِأبناء الشعب الروسي، كما استشارت بعض رُوَّاد التعليم البريطانيين، ومن أبرزهم: الكاهن دانييل دومارسق والدكتور جون براون، ففي سنة 1764م أرسلت بِطلب دومارسق وعيَّنتهُ عُضوًا في الجمعيَّة سالفة الذِكر بِمُجرَّد وُصوله إلى روسيا. درست الجمعيَّة المُقترحات الإصلاحيَّة التعليميَّة التي قدَّمها المُفكِّر والمُصلح إيڤان شوڤالوڤ في زمن الإمبراطورة أليصابت ومن بعدها بُطرس الثالث، فأجرى أعضائها بعض التعديلات عليها ثُمَّ قدَّموا توصيتهم بإنشاء نظام تعليمي شامل لِجميع الروس المسيحيين الأرثوذكس اللذين تتراوح أعمارُهم بين 5 و18 سنة، باستثناء الأقنان منهم. لكن على الرُغم من عمل اللجنة وتوصياتها، إلَّا أنَّ شيئًا من مُقترحاتها لم يُؤخذ، بسبب قيام كاترين بِحل اللجنة التشريعيَّة التي يُناط بها بِطبيعة الحال وضع قوانين لِلبلاد بِما فيها قانون التعليم الذي يُشرِّع أو يرفض التوصيات المُقدَّمة أو بعضُها. في شهر تمُّوز (يوليو) سنة 1765م، كتب دومارسق إلى الدكتور جون براون يشرح لهُ الصُعوبات التي تُواجه اللجنة التعليميَّة، فتلقَّى منهُ جوابًا طويلًا يتضمَّن اقتراحات عامَّة جدًا وشاملة هادفة لِلإصلاح التعليمي والاجتماعي في روسيا. وأشار براون في جوابة إلى أنَّهُ في الدُول الديمُقراطيَّة تتولَّى الدولة الإشراف على النظام التعليمي وتُحدد مساره وفق ما ينص عليه قانون التعليم المُعتمد في البلاد. وأضاف في رسالته إلى ضرورة اعتماد نظام تعليمي سليم وفعَّال لِلإناث؛ هذا وكانت كاترين قد لجأت قبل سنتين إلى إيڤان بتسكوي كي يضع برنامجًا عامًا مُخصصًا لِتعليم الأطفال الروس من كِلا الجنسين. هدفت كاترين من خلال مسعاها هذا إلى تنشئة «نوعٌ جديد» من الناس يعيشون بِمعزلٍ عن التأثير المُدمِّر لِلبيئة الاجتماعيَّة الروسيَّة المُتخلِّفة، وشكَّل أمرها بِإنشاء الدار التأسيسيَّة المسكوبيَّة (ميتم موسكو) أولى مُحاولاتها نحو تحقيق هذه الغاية. أُنيط بِتلك الدار مُهمَّة تجميع الأطفال الفُقراء والمعوزين والمُشرَّدين واللُقطاء وإخضاعم لِبرنامجٍ تعليميٍّ وفق ما تراه الدولة مُناسبًا. ونظرًا لِأنَّ الدار التأسيسيَّة المسكوبيَّة لم تكن تعتمد على التمويل الحُكومي، فقد كان بالإمكان إخضاع الطُلَّاب فيها لِنظريَّاتٍ تعليميَّةٍ مُختلفةٍ في مُحاولةٍ لِتحديد أيُّ تلك النظريَّات يُلائمهم ويُلائم الإمبراطوريَّة أكثر. على أنَّ تجربة هذه الدار أثبتت فشلها بعد حين، نظرًا لِنسبة الوفيَّات المُرتفعة جدًا بين الأطفال الذين أُدخلوا إليها، فلم يتخرَّج منها العدد الكافي من الرعايا المُتنورين الذين رغبت بهم الإمبراطورة واعتبرتهم ضروريين لِإحداث تغيير في المُجتمع الروسي.
بعد فترةٍ قصيرةٍ من إغلاق الدار التأسيسيَّة المسكوبيَّة، أمرت كاترين بِإنشاء «مؤسسة سمولني لِلنبيلات» المُخصصة لِتعليم وتثقيف الإناث. كانت تلك المُؤسسة الأولى من نوعها في روسيا، وفي بداياتها لم يندرج فيها سوى البنات الصغيرات المُنتميات إلى طبقة النُبلاء العُليا، ثُمَّ أخذت ترتادها فتيات الطبقة البُرجوازيَّة الصغيرة نسبيًا. كثيرًا ما قيل بأنَّ الفتيات اللواتي دخلن هذه المُؤسسة كُنَّ غافلات تمامًا عمَّا يجري من أحداثٍ على أرض الواقع خارج أسوارها، وأنَّهُنَّ عُشن في عالمهنَّ الخاص المعزول عن سائر الشعب. وكُنَّ يتعلَّمن اللُغة الفرنسيَّة الصرفة، وتذوُّق وعزف الموسيقى، والرقص، والطَّاعة التامَّة والولاء الخالص لِلبلاط الإمبراطوري. كانت فلسفة المُؤسسة تدور حول الانضباط الصارم، فكانت الفتيات ممنوعات من الركض أو مُمارسة الرياضة أو اللعب، كما أُبقي المبنى باردًا واستُبعدت منه وسائل التدفئة، نظرًا للاعتقاد السائد آنذاك بأنَّ كثرة الدفء من شأنها الإضرار بِصحَّة أجسام الأحداث النامية، شأنهُ في ذلك شأن اللعب واللهو الفائض والزائد عن حدِّه.
خلال الفترة المُمتدة بين سنتيّ 1768 و1774م لم يطرأ أي تقدُّم على مُحاولة إنشاء نظامٍِ مدرسيٍّ على المُستوى الوطنيّ في روسيا، واستمرَّت كاترين تتحرَّى النظريَّة التعليميَّة وتجارب الأُمم الأُخرى في ميدان التعليم، لكنَّها وعلى الرُغم من انعدام النظام الوطنيّ المدرسيّ في بلادها، أجرت عدَّة إصلاحات على الصعيد التعليمي، ففي سنة 1766م أقدمت على إصلاح وإعادة تشكيل نظام فيالق المُجندين العسكريين مُتبعةً في ذلك نهجًا شبيهًا بِالنهج الذي اتبعهُ العُثمانيُّون لِإنشاء وتنمية فيالق الإنكشاريَّة في ذُروة مجد وقوَّة الدولة العُثمانيَّة، فأمرت بِأخذ الأطفال من سنٍ مُبكرة وتعليمهم وتثقيفهم مُختلف العُلوم والمعارف العسكريَّة إلى أن يبلغوا الحادية والعشرين من عُمرهم. تمَّ توسيع نطاق هذا المنهاج لاحقًا لِيتخطَّى العُلوم العسكريَّة ويشتمل على العُلوم الطبيعيَّة، والفلسفة، والأخلاق، والتاريخ، والقانون الدولي. ثُمَّ نُقل تطبيق هذا النظام من الكُليَّات الحربيَّة إلى الكُليَّات البحريَّة وكُليَّات الهندسة والمدفعيَّة. ولمَّا انتصرت الإمبراطوريَّة على الثُوَّار القُوزاق بِقيادة إميليان پوگاچيڤ وقضت بهذا على جميع المخاطر الداخليَّة، أصدرت كاترين قرارًا يُوجب إنشاء المدارس في جميع الغوبرنيهات (الولايات) الروسيَّة دون استثناء، في مُحاولةٍ لِإقامة نوع من العدالة الاجتماعيَّة في البلاد.
سنة 1782م، أعادت كاترين تشكيل لجنة استشاريَّة جديدة لِتتولَّى دراسة المعلومات التي جُمعت عن النُظم التعليميَّة المُختلفة لِعددٍ من الدُول الأوروپيَّة الغربيَّة والمُجاورة. كان أبرز الأنظمة المُقترح تنفيذها في روسيا نظامًا اقترحه عالم الرياضيَّات الألماني فرانز أپنوس، الذي مال بِقوَّة إلى اعتماد النظام التعليمي النمساوي ثُلاثيّ المُستويات لِلمدارس البدائيَّة والعاديَّة والملكيَّة في القُرى والبلدات وقصبات الحاكميَّات. وإلى جانب اللجنة الاستشاريَّة، أنشأت كاترين هيئة تمثيليَّة لِلمدارس الوطنيَّة بِزعامة «پيوتر زاڤادوڤسكي» أُنيط بها تشكيل شبكة مدارس على مُستوى الإمبراطوريَّة، وتدريب المُدرسين على كيفيَّة التدريس والتلقين والإلقاء، وتأمين الكُتُب المدرسيَّة لِلتلاميذ. وبِتاريخ 5 آب (أغسطس) 1786م صدر القانون الأساسي لِلتعليم في روسيا، وبِمُقتضى هذا القانون اعتُمد نظامٌ تعلميّ مدرسيّ من مُستويان: ابتدائي وثانوي، في جميع قصبات (عواصم) الحاكميَّات، وخُصص لِجميع طبقات الشعب من الأحرار (غير الأقنان)، كما جُعل مجَّانيًا ومُوجهًا لِلذُكور والإناث على حدٍ سواء. نظَّم هذا القانون المواد التي تُلقَّن لِلتلاميذ في كُل مرحلةٍ عُمريَّة، كما حدَّد طريقة وأُسلوب التعليم بِتفصيلٍ كبير. وقامت الهيئة التمثيليَّة بِترجمة العديد من الكُتُب المدرسيَّة الأوروپيَّة إلى اللُغة الروسيَّة، وجمعت عدَّة مبادئ توجيهيَّة وإرشادات في كُتيِّبٍ أسمته «دليل المُعلِّمين»، وأعطته لِجميع الأساتذة لِيتقيَّدوا به، وقُسِّم هذا الكُتيِّب إلى أربعة أقسام تُعنى بِأساليب التعليم، والمواد المُعطاة، وسُلُوك المعلِّمين بِحُضور التلاميذ، وكيفيَّة إدارة الصُفوف والمدرسة ككُل.
انتقد مُؤرخو القرن التاسع عشر السياسات التعليميَّة التي انتهجتها كاترين الثانية زاعمين بِأنَّها لم تتمكن من تأمين ما يكفي من الأموال لِدعم برنامجها الإصلاحي في القطاع التعليمي والتربوي. بعد مُرور سنتين على اعتماد النظام الجديد في القطاع التربوي الروسي وفق البرنامج الكاتريني، أقدم عددٌ من أعضاء الهيئة التمثيليَّة لِلمدرس الوطنيَّة على تفقُّد المُؤسسات التعليميَّة التي افتُتحت في طول البلاد وعرضها لِلوُقوف على أوضاعها، فتبيَّن لهم أنَّ تأثيرها لم يكن مُنتظمًا، فعلى الرُغم من أنَّ طبقة النُبلاء ساهمت في إنشاء هذه المدارس من خلال تأمين الأموال اللازمة لِإنشائها، إلَّا أنَّ أغلب النُبلاء استمرَّوا يُفضِّلون إرسال إبنائهم وبناتهم إلى المدارس الخاصَّة الراقية، كما تبيَّن أنَّ كثيرًا من القرويين وأبناء البلدات كرهوا الانتساب إلى هذه المدارس بِسبب أساليب تعليمها التي رأوها غريبةً عنهم وعن عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم. قُدِّر عدد التلاميذ الذين انتسبوا إلى المدارس الحُكوميَّة الروسيَّة في أواخر عهد كاترين الثانية بِحوالي 62,000 تلميذ مُوزعين على 549 مدرسة، وهو عددٌ ضئيل بِالمُقارنة مع عدد سُكَّان الإمبراطوريَّة الروسيَّة آنذاك.
إلى جانب الاهتمام بِالتعليم، أولت كاترين الجانب الصحي اهتمامًا كبيرًا، ففي يوم 12 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1768، أصدرت قرارًا بِتعميم التلقيح الإلزامي ضد الجدري على جميع المواطنين، وتلقت التلقيح الأوَّل بنفسها لِتشجيع سائر الناس على الاقتداء بها، وكان من بين أوَّل الذين تلقوا هذا اللقاح أيضًا ابن كاترين بولس الأوَّل وزوجته مريم تُيُودروڤانا. خطت الحُكومة الروسيَّة خُطواتٍ واسعة في عهد كاترين الثانية في مجال مُجابهة الأوبئة والأمراض المُتوطنة في البلاد، وأُنيطت تلك المُهمَّة بِالمجلس الإمبراطوري، فتمَّ إنشاء عدَّة محاجر صحيَّة على أطرف الإمبراطوريَّة لِفحص الداخلين إلى الدولة والتأكد من خُلوهم من الأمراض المُعدية، كما أُنشئت عدَّة محاجر على طُول الطُرق المُؤدية إلى قلب روسيا حيثُ المُدن المُهمَّة الأكثر اكتظاظًا بالسُكَّان، وفي المرافئ والموانئ أيضًا.