English  

كتب الدين والتراث الإسلامى

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الدين والتراث الإسلامى (معلومة)


يعتبر التراث الإسلامي مظهراً من مظاهر الإبداع الفردي والإبداع الجماعي للأمة خلال تاريخها الطويل، كما يعتبر التراث أفضل تعبير عن الهوية الثقافية للأمة وذاتيتها الثقافية.

ويشمل التراث الإسلامي أشكالاً متعددة ثقافية وفنية وفكرية متوارثة من ماضي الأمة القريب والبعيد. وهو عطاء من صنع الإنسان، يختلف باختلاف الأزمنة والأماكن، وهو في مفهومه العام يخص التراث المادي وما يشمله من مبان أثرية، أو ما تكشفه الحفريات، وما تضمه المتاحف من آثار ممثلة العصور مختلفة، بل يضم أيضاً التراث الفكري النابع من أعمال ونتاج العلماء والكتاب والمفكرين والمبدعين، كل في عصره.

كما أن هناك تراثاً اجتماعياً يتمثل في العادات والأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع ومدى تأثيرها في أفراده. ولذلك كانت له علاقة وطيدة بالممارسات الثقافية ونظرتها إلى المستقبل، والربط بين حاضر الأمة وبين ماضيها.

وإذا كنا نؤمن بأن المصدر الأساس للتراث الإسلامي هو القرآن الكريم والسنّة النبوية الصحيحة، اللذان فجرا عطاءات علمية وفكرية وثقافية، فإننا ننزه تراثنا عن حصر مدلوله في مجرد الصيانة المنظمة للآثار، وتبويبها في قوائم، وعرضها، أو في مجرد مواصلة الاحتفالات التقليدية، أو في الارتباط العاطفي بآثار الماضي. ذلك أن التراث يعتبر من أهم الوسائل الفعالة في ترسيخ الهوية الثقافية.

كما أننا نرفض إضفاء هالة التقديس على التراث الإسلامي بحجة أن الوحي هو الذي فَجَّرَه، ذلك لأن هذا التراث ليس بوحي بل هو عمل إنساني وإن ارتبط بالوحي.

ولهذا نرى أن دراسته دراسة نقدية هادفة هي أمر مفيد يندرج ضمن سبل العناية به. فالثقافات التي لديها الجرأة على القيام بنقد ذاتي لتاريخها والاستفادة من الدروس المستخلصة من تراثها، يمكنها أن تصوغ تراثها المستقبلي بروح خلاقة لمواكبة التغير دون التخلي عن أصالتها، وإن الذين يستوعبون تراثهم اكتشافاً ودراية ونقداً، يكونون أكثر استعداداً للحفاظ على التواصل من خلال التغيير.

والتراث الإسلامي على صنفين : التراث المكتوب والمقروء والذي تزخر به آلاف المكتبات في مختلف البلدان والقارات، والتراث المرئي من آثار وأدوات ومنجزات عمرانية وحضارية ومهارات فنية لازال بعضها قائماً منتشراً يثير الإعجاب والتقدير.

عند الحديث عن التراث الإسلامى يثار دائماً السؤال التالى : ما موقع الإسلام (قرآناً وسنة) من التراث الإسلامى ؟ هناك مواقف ثلاثة تجيب عن هذا السؤال إجابات مختلفة :

  1. فهناك من يخلط بينه وبين الدين، ومن ثم يخلع على التراث صفة القداسة التي هي للدين ؛ إذ " لا يزال بعضنا يصر حتى اليوم على نقل القدسية من الكتاب والسنة المعصومين إلى أقوال واجتهادات البشر الفقهية، والفكرية وفعلهم التاريخى " وهؤلاء " يدافعون عن التراث كله على أنه دين
  2. وهناك – في المقابل – من ينادى بالفصل التام بين الدين والتراث الإسلامى بدعوى أن " الدين إلهى، والتراث بشرى، ولا ينبغى أن نخلط بين البشرى والإلهى " إلا أن البعض يحذر من هذا الرأى ويراه " قوله حق يراد بها باطل، تسعى إلى وضع القرآن والسنة موضع النصوص المقدسة البعيدة عن البشر بما يعنى جمودها " فضلاً عن أن " إخراج الإسلام من التراث يحول التراث إلى لا شئ" .
  3. وهناك رأى ثالث يرى أصحابه أن التراث " لا يقتصر على المنجزات الحضارية بل أنه يشتمل أيضاً على الوحى الإلهى ( القرآن والسنة ) الذي ورث عن الأسلاف".
وعلى ذلك يصبح في التراث جانبان :
الأول :إلهى مقدس يتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية.
الثانى : بشرى لا قداسة له يتمثل في إبداعات الإنسان الحضارة في المجالات المعنوية والمادية، ويجوز عليها – بحكم بشريتها – الصواب والخطأ .

والنظر إلى التراث والتعامل مع وفق هذا الموقف الأخير " لن يكون واحداً، إذ أن الوحى الإلهى لا يقبل الانتقاء والاختيار منه، أو محاولة تطويعه للواقع، أو التفكير في توظيفه لتحقيق مصالح خاصة أو عامة ، بل هو إطار يحكم الحياة ولكنه يدعها تتطور داخله ، فإذا انفلتت خارجة عنه ، فقد وقع انحراف لا بد من تقويمه ، وأما المنجزات البشرية الحضارية، فإنها قابلة للانتخاب والتوظيف وفق الرؤية المعاصرة.

وهكذا فالقرآن والسنة النبوية إن أدخلا في التراث فإنهما " يسموان عليه ، فالتراث ينطلق منهما وينضبط بهما. فالقرآن الكريم قوام على التراث وحفيظ على ما فيه من القيم، كما أنه – أى القرآن– قوام على السنة الصحيحة التي هي تطبيق له، وهما الإطار الذي يجب أن نرجع إليه ونحتكم في كل قضايا التراث" .

ومن ثم ، يصبح التراث الإسلامى عند أصحاب هذا الموقف الأخير هو " ما ورثناه عن آياتنا من عقيدة ، وثقافة ، وقيم ، وآداب ، وفنون وصناعات وسائر المنجزات الحضارية الأخرى المعنوية والمادية " .

وتأسيساً على ما سبق ، واستناداً إلى هذا الموقف الأخير ، الذي تتبناه الدراسة الحالة ، يمكن أن نعرف التراث الإسلامى – بإيجاز – بأنه كل ما خلفه الأسلاف المسلمون من عقيدة دينية (القرآن والسنة) وعطاءات حضارية (مادية ومعنوية).

الحدث القرآني

يحمل لفظ القرآن شحنة كلامية كثيفة لا تجعله كفيلا بأن يكون مفهوما إجرائيا يستخدم من أجل مشروع نقدي وإعادة تحديد للتراث الإسلامي في مجموعه. عندما أتحدث عن الحدث القرآني على غرار الحديث عن الحدث البيولوجي أو الحدث التاريخي، فإنني أرمي من ذلك إلى استبعاد كل البناءات المذهبية، وكل التحديات الكلامية والفقهية والأدبية والخطابية والتفسيرية… التي تؤخذ عادة على أنها غير قابلة للنقاش منذ انتقالها من متن قرآني مفتوح إلى متن رسمي مغلق. وهو انتقال يصعب تحديد تاريخه بدقة، وليس بإمكاننا إلا الإشارة إلى بعض المراجع الكرونولوجية كتاريخ الطبري وتفسيره ورسالة الشافعي وصحيح البخاري ومسلم والكليني وابن بابويه وأبي جعفر الطوسي. كل هؤلاء المؤلفين قد خلفوا لنا مؤلفات تعد معلمات في التطور التاريخي البطيء لبناء الأصول الإسلامية التي عرفت جدالا كلاميا وتناحرا سياسيا. وسرعان ما أصبحت الصحاح بدورها متونا رسمية منغلقة على ذاتها تحتل المرتبة الثانية ضمن الأصول التي حددها الشافعي لبناء شريعة[؟] يوقن بتفاسيرها. ومن حيث إن هاته المؤلفات السنية والإمامية إبداعات جماعية، فإنها تعكس التطورات اللغوية والثقافية والسيكو-اجتماعية لوضع إيتوس إسلامي بالمعنى الأنتربولوجي لكلمة ethos كما حدده C.Geertz. كما أنها تشهد على تبادل التفاعل بين تعاليم القرآن والمعطيات الأتنية الثقافية الخاصة بمختلف الأوساط التي دخلها الحدث القرآني.

لم يحدث الإيتوس الإسلامي وهو في طريقه إلى التكوين[؟] التأثير نفسه على مختلف الجماعات التي تنتمي إلى مجموعة شاسعة الأطراف تمتد من إيران القديم إلى المناطق الآهلة بالبربر[؟] إلى الجزيرة العربية والمجال التركي الشاسع الخ. وحتى بعد أن تحددت المتون الرسمية وتوقف انفتاحها وأخذت تذيع كتابة ومشافهة فإن انتشار الإيتوس الإسلامي لم يعمم على الجماعات كلها امتدادا وعمقا، كما أنه لم يتحدد دوما وفقا للتعريف الأصولي النموذجي الذي حافظ عليه التراث المكتوب.

ينبغي ربط التكون التاريخي لما ندعوه الشرع الإسلامي، خصوصا في جانبه الفقهي، بالحدث الإسلامي، أما الدور الذي يقوم به الحدث القرآني فيقتصر على أن يضفي على نصوص القواعد التي أصبحت شريعة طابعا قدسيا. ونحن نعلم اليوم أن تشكل المذاهب الفقهية قد استمر حتى القرن الرابع الهجري، وابتداء من القرن الثالث فرض إضفاء القدسية نفسه كضرورة دينية للحد من تشرب الأعراف والتقاليد المحلية. وإن كل المحاولات التي سعى عن طريقها الخطاب النبوي إلى نهج سبل تحرر قانوني للشخص لم تجد إلا تطبيقات جزئية عبر الأزمنة والأمكنة ما دامت تحالفات القرابة مازالت اليوم تثقل بكاهلها على محاولات بناء حديث للروابط الاجتماعية وظهور المجتمع المدني ودولة القانون والشخص -الفرد- المواطن كعوامل فعالة في السير التاريخي نحو الحداثة الفكرية والروحية والسياسية. سقت مثالا عن الكيفية التي يوظف بها الفقهاء أنفسهم الخطاب القرآني لحصار ما يرون أن من شأنه أن يهز أسس النظام العرفي الذي كان يضمن آليات التضامن الأسري والتآزر العشائري في الفضاءات العرفية والثقافية التي يمتد فيها حكم الدولة الإسلامية الناشئة. بعد أن فرض ما دعوته المتن الرسمي المنغلق نفسه كرس التراث الإسلامي الأمر الواقع الذي فرضته التفاسير والمصادر التي اعتبرت أصولا. لهذا لا يمكننا اليوم أن نرجع القهقرى ولا أن نحرر الشخص من الأوضاع التي حددت في ما دعي قانون الأحوال الشخصية. وبالفعل، فإن هذا الأمر الواقع أمر لا رجعة فيه، وما زالت الشريعة[؟] بالنسبة لأعضاء الأمة ينظر إليها على أنها أحكام تفرعت عن الآيات القرآنية.

رآي جمهور علماء المسلمين

بين إفراط الظاهريين وتفريط الحداثيين يجد الدارس للفكر الإسلامي أن الجمهور الأعظم من العلماء المسلمين فرقوا في تعاملهم مع التراث الإسلامي بين قسمين:

القسم الأول: ما هو نصوص سماوية أو وحي رباني بالمفهوم العام للوحي الذي يشتمل على السنة النبوية الصحيحة وما يدخل في حدود قوله تعالى  وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى   إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى    , وهذا لا شك أنه دين مقدس يجب الالتزام به، ولا يصح بحال التلاعب به لا زيادة ولا نقصا ولا تبديلا، فضلا عن إخضاعه لعملية النقد البشري.
القسم الثاني: ما هو اجتهادات بشرية في فهم هذه النصوص وتطبيقها على الواقع، وهذا بلا شك موروث تاريخي له قيمة كبيرة، يمكن الانتفاع به، والانطلاق منه، والبناء عليه، ولا يصح تجاوزه أو تجهله، ولكنه مع ذلك لا يحمل صفة الدين والقداسة، لذا فهو قابل للنقد أو حتى النقض والأخذ والرد والتطوير.

وبهذا المفهوم يمكن للثراث الإسلامي أن يجمع بين ما هو دين مقدس, وما هو تاريخ في ذات الوقت، أما الدين فهو النصوص القطعية -أقصد القرآن والسنة الثابتة- وهذه تمثل الأصول والكليات والأهداف والقواعد العامة، والمرن هو النصوص الظنية أي المحتملة لثبوت النقل وعدمه، وهي ما سوى القرآن والأحاديث النبوية الثابتة، أو النصوص المحتملة لأكثر من معنى، كلها بما فيها القرآن والسنة وهذه تمثل الفروع والجزئيات والوسائل وأساليب التطبيق.

وبهذا يجمع التراث الإسلامي وبمصطلح أدق الشريعة الإسلامية بين الثبات والمرونة، وهذا يجعلها قادرة على استيعاب كل المستجدات في كل العصور، مع محافظتها على المبادئ العامة والقواعد الكلية، وهذه - أقصد المبادئ- وحي من الله ولا يصح لبشر أن يتدخل فيها البتة، هذا إن سلمنا جدلا بأن أحدا من البشر قادر على التدخل فيها ونقدها وتعديلها، والصحيح أن ذلك فرض جدلي محال، يقول تعالى:  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ    , ثم إن أحق وأقدر من يضع هذه المبادئ الكلية التي تصرف أمور الخلق هو الخالق لا الخلق، الخالق صاحب الكمال والعلم المطلق الأعلم بطبيعة الخلق وما يصلح لهم، يقول تعالى:  أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ    , من هنا قال صلى الله عليه وسلم (إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه).

تندرج مؤلفاتُ جابر بن حيّان الكيميائية، ومؤلفات الخوارزمي الرياضية، ومؤلفات الرازي وابن سينا الطبية، ومؤلفات الإدريسي والمقدسي الجغرافية، تحت عنوان التراث الإسلامي. ومن حيث اللغة، تعدُّ مؤلفات الفردوسي وعمر الخيام وجلال الدين الرومي تراثًا إسلاميًّا وإن كُتبت بالفارسية، وتُلْحق كتاباتُ ابن كمال باشا وآشق باشا بالتراث الإسلامي رغم تدوينها بالتركية. ومن حيث المكان، تمثل مؤلفات العلماء في الأندلس وفارس وإفريقيا وجمهوريات ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي لبناتٍ متألقة في صرح التراث الإسلامي.

نظرة التقليديين

بعض التقليديين ينظروا إلى التراث الإسلامي، على أنه كله -النصوص الشرعية والاجتهادات البشرية على حد سواء- دين مقدس صالح لكل زمان ومكان ويجب الالتزام به، والوقوف عند كل جزئية من جزئياته، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). (أخرجه البخاري)، هؤلاء أوقفوا عجلة التاريخ ووقفوا عند مذاهب القدماء بكلياتها وجزئياتها، محاولين إسقاط تلك النصوص والاجتهادات على قضايا العصر، حتى القضايا المستجدة إما أن تكيف بما يتلاءم مع ذلك الموروث أو أن تعتبر من بدع هذا الزمان، وحكموا على كل إضافة في هذا التراث بالرد، وعطَّلوا باب الاجتهاد محتجين بأن الله أكمل الدين وأتم التشريعات الكلية والجزئية، ولا داعي لأي إضافة بشرية مستدلين بقوله تعالى:  حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ    ، ونتيجة هذا التفكير وقف هؤلاء عاجزين عن حل مشكلات العصر واستيعاب مستجداته، وضيقوا الإسلام عن أن يعالج تلك المشكلات ويستوعب تلك المستجدات، وعن أن يكون صالحا لكل زمان ومكان.

نظرة الحداثيين

بعض من الحداثيين ينظروا إلى التراث الإسلامي على أنه اجتهادات بشرية محكومة بعقول وأفهام بشرية-من جهة- وبواقع خاص من جهة أخرى، وبالتالي فهي قابلة للأخذ والرد؛ لأنها اجتهادات بشرية، ولأنها مرتبطة بزمان ومكان خاصين وقد لا تتناسب مع غيرهما، والواقع أن أكثر هؤلاء أداروا ظهورهم لكل هذا الموروث وجردوه من أي صفة دينية قدسية، وأقصى حالات الاحترام لهذا التراث -عند هؤلاء- مجرد الدعوة إلى إعادة صياغته بكلياته وجزئياته بصيغة تتلاءم مع العصر، فعلى سبيل المثال يدعو طه حسين إلى إخضاع القرآن الكريم للنقد كأي نص أدبي، ويدعوا آركون إلى نقد العقل الإسلامي، ويقصد كل ما كان له دور في تشكيل العقل الإسلامي من نصوص القرآن والسنة واجتهادات العلماء السابقين، ويعتبر نصر أبو زيد القرآن نصوصا خاصة نزلت لتعالج وقائع خاصة لشخوص وأزمان محددة، ولا يصح –عنده- أن تعمم على غير هذه الوقائع، ومثلهما محمد شحرور وغيرهما ممن يسمون بالحداثيين، وما يجمع بين هؤلاء أنهم يخضعون التراث الإسلامي كله بما فيه القرآن والسنة للنقد والنقض والأخذ والرد، أي أن التراث الإسلامي –عند هؤلاء- كله تاريخ وليس فيه شيء مقدس.

الإطار النظري

الحديث عن التراث الإسلامي بصيغة التعريف بدل الكلام عن الإسلام فحسب؟ وكيف يفحص هذا التراث بحيث يشمل الفحص جميع التجليات التاريخية والاجتماعية بعيدا عن التحديدات الكلامية التي تواجه بين تراث أصولي تعترف به كل جماعة (أهل السنة والجماعة بالنسبة لأهل السنة، وأهل العصمة والعدالة بالنسبة للشيعة الإمامية) وبين مختلف البدع. الإسلام هو الاسم العام الذي يطلق على مختلف المدارس الكلامية والفقهية والتفسيرية وعلى كل الشعوب التي تبنت هذا المذهب أو ذاك، على هذا النحو فإن الإسلام يتعدد بتعدد الأوساط الاجتماعية والثقافية واللغوية التي اقتسمت ذاكرة تاريخية طويلة، وعلى هذا النحو يتحدث عن إسلام أندونيسي وإسلام هندي وإسلام تركي وأزبيكي وسينغالي وإيراني الخ. وينبغي دراسة وجود الشخص وتطوره وحمايته أو قمعه داخل كل تراث محلي على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار بهيمنة التراث الإسلامي. إن التراث الإسلامي الذي يشترك فيه جميع المسلمين، مهما كانت مرجعيتهم اللغوية والثقافية والتاريخية، يشمل ثلاثة أصول كبرى: القرآن والأحاديث النبوية (التي يضيف إليها الشيعة تعاليم الأئمة الاثنا عشر أو الـ 7 حسب الشيعة الاثني عشرية أو الإسماعيلية[؟])، ثم الشريعة[؟] التي هي المظهر القانوني لأوامر الله والتي تبلورت بفضل اجتهاد الفقهاء.

لقد تحددت هذه الأصول الثلاثة نظريا حسب الترتيب الذي قدمناها به خلال فترة تشكل الفكر الإسلامي (661هـ) ، بعبارة أخرى فإن النصوص والتعاليم والمذاهب التي تندرج تحت هذا التراث المكتوب تنتمي جميعها إلى فترة من التاريخ العام للفكر يطلق عليها فترة وسيطية. سنعود فيها بعد إلى القضايا التي يطرحها تحقيب التاريخ العام للحضارات كذلك الذي فرضه التقليد التاريخي الأوروبي ابتداء من القرن السادس عشر. ولنكتف الآن بالقول إن بإمكاننا أن نتحدث عن التراث الإسلامي بصيغة التعريف لأنه سعى دوما لفرض سيادته متجاهلا، بل ولاغيا في بعض الأحيان الممكنة، التراثات المحلية السابقة عليه، لأنها تنتمي إلى ما ينعته القرآن الكريم بالجاهلية أي فترة الجهل بالديانة الصحيحة التي بعثها الله لنبيه خاتم المرسلين. إن هذا التعريف الكلامي للتراث الذي يقضي على غيره ويمحوه، يجهل بطبيعة الحال مفاهيم التقاليد والأعراف كما بلورتها الاثنوغرافيا والأنتربولوجيا الثقافية منذ القرن التاسع عشر. إن التوتر التقليدي بين التراث الكتابي كما هو عند علماء الكلام والفقهاء، وبين التقاليد المحلية يغتني اليوم بإعادات النظر التي بلورها التاريخ النقدي ومجموع العلوم الاجتماعية وأدخلتها في دراسة كل أشكال التراث الديني ابتداء من اليهودية والمسيحية اللتين لم تنفكا تواجهان تحديات الحداثة. كما أن صيغة التعريف التي أعطيناها للتراث تشير كذلك إلى المقاومات التي يبديها الفكر الإسلامي الحديث إزاء ما تمليه الحداثة باسم “دين حق” يرفض الأسئلة التي تطرحها عليه حتى التوترات التربوية لماضيه عندما كان ذلك الماضي يسمح بالتعدد المذهبي.

المصدر: wikipedia.org