اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت سلسلة جبال لُبنان الغربيَّة تُشكِّلُ ملجأً لِمُختلف الفرق الإسلاميَّة والطوائف المسيحيَّة في العصر المملوكي، كما استوطن هؤلاء بعض المناطق المُجاورة لِجبال لُبنان في سهل البقاع وجبل عامل وسهل عكَّار وجبال اللاذقيَّة وريف حِمص. فقد انتشر الدُرُوز من وادي التَّيم إلى جبل لُبنان، والشُّوف خاصةً، واختلف النُصيريُّون مع الدُرُوز، فتركوا وادي التَّيم وسكنوا في عكَّار ثُمَّ امتدوا شمالًا حتَّى اللاذقيَّة، حيثُ استوطنوا الجبال المُشرفة عليها التي عُرفت مُنذ ذلك الحين بِـ«جِبال النُصيريَّة». وأقامت بقايا الشيعة الإسماعيليَّة في بعض القلاع الكائنة على أطراف جبل لُبنان الشمالي ثُمَّ انتقلوا منها واتجهوا شرقًا والتحقوا بِإخوانهم في بلدة سلميَّة قُرب حِمص، وهي الموطن الرئيسي لِلإسماعيليَّة في الشَّام مُنذ أيَّام السلاجقة. وأقام الشيعة الاثنا عشريَّة في كسروان وفي السُفُوح والمُدن العامليَّة. اتخذ المماليك موقفًا سلبيًّا من الفرق الإسلاميَّة غير السُنيَّة، وقال بعض المُؤرخين أنَّ السبب وراء ذلك كان الموقف الذي اتخذته هذه الفرق من الصليبيين والمغول، ولأنها حالفتهم ووالتهم ضدَّ الدولة المملوكيَّة وعُموم أهل السُنَّة، فيما قال آخرون أنَّ اضطهاد المماليك لِتلك الفرق نابع فقط من تعصُّبهم لِمذاهب أهل السُنَّة ولِسيطرة وُعَّاظ السلاطين على عُقول الأُمراء، ويتفق الطرفان على أنَّ هُجُوم المماليك على هذه الفرق كان بِفتوى شيخ الإسلام آنذاك ابن تيمية، كما يتفقان على أنَّ بعض الجماعات من تلك الفرق والت المماليك وتعاونت معهم ضدَّ المغول والصليبيين، فأقرَّهم السلاطين في أراضيهم وخلعوا عليهم ألقاب الإمارة والمُقدَّميَّة. فمن جهة، يُشيرُ برنارد لويس إلى أنَّ الحشيشيَّة الإسماعيليَّة كانوا على صلةٍ وثيقةٍ بِالصليبيين يتآمرون على أهل السُنَّة، ولا يتركون فُرصةً تلوح لِلانتقام منهم إلا اهتبلوها، فوجَّهوُا كُل عمليَّاتهم ومُؤامراتهم ضدَّ قادة الجبهة الإسلاميَّة ضد الصليبيين والمُؤسسات السُنيَّة في الشَّام، وأنهم لم يُقاتلوا الاثنا عشريَّة أو الشيعة الآخرين، ولم يُديروا سكاكينهم ضد النصارى أو اليهود المحليين، بل كان جُل هُجومهم على قادة أهل السُنَّة. وعندما هاجم الصليبيُّون مصر بِقيادة لويس التاسع، سعى الأخير إلى عقد اتفاقيَّات مع الباطنيَّة الإسماعيليَّة من ناحية ومع المغول من ناحيةٍ أُخرى حتى يتحقق لهُ بِهذا التحالف نوع من التوازن بين الصليبيين من جهة والمماليك والأيُّوبيين من جهة ثانية. وقد جامل شيخ الجبل – زعيم الحشاشين في الشَّام - لويس التاسع وأرسل لهُ الهدايا.
وأشار المُؤرخون أنَّهُ في أثناء تقهقر فُلُول عساكر المماليك إلى مصر على أثر هزيمتهم في وقعة وادي الخزندار أمام المغول، واحتلال المغول دمشق، تعرَّضوا لِسُوء المُعاملة والسَّلب والنهب على أيدي الكسروانيين وسُكَّان منطقة جزِّين من الشيعة، وأنَّ الكسروانيين أمسكوا ببعض العساكر الهاربين وباعوهم لِلإفرنج. وبعد أن رحل المغول عن الشَّام، واستتب الأمر للمماليك، جرَّدوا حملة كبيرة على بلاد كسروان سنة 699هـ المُوافقة لِسنة 1300م واستولوا عليها، وأُرغم سُكَّانُها على دفع ضرائب باهظة، وأُخذت منهم أراضيهم ومُمتلكاتهم وأُقطعت لِلتنوخيين الدُرُوز جزاءً لهم على حُسن استضافتهم لِلقُوَّات المملوكيَّة المهزومة أمام جحافل المغول. وفي سنة 705هـ المُوافقة لِسنة 1305م، نهضت حملة مملوكيَّة جديدة إلى كسروان لِقتال الشيعة بعد أن عادوا إلى مُناوأة المماليك والتمرُّد عليهم، فسار إليهم نائب السلطنة في دمشق الأمير جمال الدين آقوش الأفرم على رأس جيشٍ عظيم، فقاتلهم وأخرجهم من كسروان، بناءً على فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي اعتبر أنَّ قتال الشيعة والنُصيريَّة أولى من قتال الصليبيين والمغول لأنَّهم «عدُّوٌ في ديار الإسلام، وشرُّ بقائهم أضر». نتيجة تلك الحملات، نزح الشيعة إلى جزِّين في جبل عامل، وفي تلك البلاد اتبعوا مبدأ التقيَّة وتظاهروا باعتناق المذهب الشافعي. وقد أصبحت جزِّين مركزًا هامًّا لِلتجمُّع الشيعي المُتستِّر بِالشافعيَّة خِلال القرن الرابع عشر الميلاديّ، وفيها حاول الشيعة مُقاومة المماليك مُجددًا لكنَّ حركتهم فشلت مرَّة أُخرى، ولم يلبث أن اعتنق شيعة بيروت والسَّاحل اللُبناني المذهب السُني، وذابوا في النسيج الإسلامي السُني القائم في تلك البلاد، وانصرف شيعة جبل عامل إلى الاهتمام بِبلادهم الجديدة لا سيَّما بعد أن ظهر فيها النظام الإقطاعي. أمَّا الدُرُوز فتذكر بعض المصادر أنهم حالفوا المماليك وخضعوا لهم بِطيب خاطر، فثبَّت السلاطين أُمرائهم في إقطاعاتهم وخلعوا عليهم، وأنهم شاركوا المماليك في حرب الصليبيين وحملوا معهم على كسروان ضدَّ أهلها من الشيعة، وأنهم استضافوا العساكر المملوكيَّة المُنسحبة من أمام المغول بعد معركة وادي الخزندار وأحسنوا إليهم، فقابلهم هؤلاء بأن اعترفوا بسُلطتهم على منطقة الغرب في جبل لُبنان المُشرفة على بيروت، وعلى بيروت ذاتها، وعلى ما بين أيديهم من مُقاطعات في المتن والشوف. بينما تنص مصادر أُخرى على أنَّ حملة كسروان كانت موجهة كذلك ضدَّ الدُرُوز «سُكَّان جبال كسروان»، على أنَّهُ لا يرد أي ذكر لِسُكَّانٍ دُرُوزٍ في كسروان في تاريخ صالح بن يحيى التنُّوخي، وهو المُؤلِّف الموثوق الذي كتب بِإسهابٍ عن حملات المماليك على كسروان.