English  

كتب الحي الباريسي

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الحياة في باريس (معلومة)


تبدأ الرواية مع كلامانس وهو يجلس في حانة مكسيكو سيتي، ويتحدث بشكل عفوي إلى شخص غريب – القارئ.. وعلى الرغم من الطابع العالمي لمدينة أمستردام، يرفض النادل الرد على أي شيء إذا لم يكن باللغة الهولندية. وهكذا، عمل كلامانس كمترجم.. هو والقارئ، اكتشفا بأنهما من نفس البلد، وكلاهما من باريس.. وباشرا بالحديث عن امور موضوعية. يخبرنا كلامانس أنه كان يعيش حياة مثالية في باريس كمحامي دفاع ناجح للغاية ويحظى باحترام كبير. والغالبية العظمى من عمله تتمحور حول قضايا "ألارامل والايتام"، أي الفقراء والمحرومين ممن كانوا عاجزين عن تقديم دفوعات مناسبة لانفسهم أمام القانون. ويروي أيضا حكايات عن كيف انه كان يشعر بالمتعة دائما عند تقديم نصائح ودية إلى الغرباء في الشارع، وكيف انه ترك مقعده للآخرين في الحافلة، وإعطاء الصدقات للفقراء، وقبل كل شيء، كيف يساعد المكفوفين على عبور الشارع. باختصار، تصور كلامانس نفسه بأنه كان يعيش بشكل خالص من اجل خدمة الآخرين و "ان هذا يعني انجاز أكثر من مجرد المطامح العادية التي يرنو اليها الاشخاص العاديون، ويعني السمو إلى القمة العليا حيث الفضيلة هي الجزاء الوحيد" (السقطة، 22).

في وقت متأخر من احدى الليالي وهو يعبر جسر بونت رويال (الملكي) في طريقه إلى منزله بعد لقاء "عشيقته"، اقترب كلامانس من أمرأة ترتدي ملابس سوداء كانت منحنية على حافة الجسر. وحين أمعن النظر في رؤية هذه المرأة الغريبة في مثل هذه الساعة والشوارع فارغة، مضى في طريقه بعد تردد دام لحظات. ولم يكن قد سار بضع خطوات حتى سمع صوت هادر صادر عن جسد يصطدم بالماء. وقف كلامانس لمعرفة ما حدث بالضبط، لكن لم يفعل شيئا - في الواقع، انه حتى لم يلتفت لمعرفة ما يجري. كان صوت الصراخ، "قد تكرر عدة مرات، لشخص يغرق، ثم توقف فجأة. وحين سكن الليل فجأة، لاح الصمت الذي تبع ذلك وكأنه صمتا ابديا. واردت الركض لكن لم اتحرك بمقدار بوصة. وكنت ارتعد، أعتقد كان ذلك بسبب البرد والصدمة. وقلت لنفسي علي ان اسرع، وشعرت بضعف لا يقاوم يسيطر علي. لقد نسيت ماذا كان تفكيري آنذاك. "فات الاوان، أبعد من المستطاع... أو انه كان شيئا من هذا القبيل. وكنت ما ازال اصغي بينما كنت واقفا بلا حراك. ثم مضيت في طريقي، ببطء، تحت المطر، ولم اخبر أحدا بذلك. (السقطة، 59) " ورغم وجهة نظر كلامانس عن نفسه كمحامي بانه انسان ناكر لذاته امام الضعفاء والمحرومين، تجاهل الحادث ومضى في طريقه. ويوضح لاحقا أن اخفاقه بالقيام بأي محاولة كان على الأرجح لأن ذلك كان يتطلب منه أن يضع سلامته الشخصية في خطر.

بعد عدة سنوات من انتحار المرأة قبالة جسر بونت رويال – والجهود المثمرة الواضحة لمسح الحدث بأكمله من ذاكرته – كان كلامانس في طريقه إلى منزله مساء يوم خريفي بعد قضاء عمل مرضي، توقف على جسر الفنون الخالي من اي بشر، وتأمل: "وكنت سعيدا، وكان النهار طيبا: رجل أعمى، العبارة المقتضبة التي كنت اترقبها، والمصافحة الودية من زبوني، وبعض الهبات التي منحتها، وبعد الظهر، بعض الحديث المرتجل بصحبة عدد من الاصدقاء عن قسوة طبقتنا الحاكمة ونفاق قادتنا... واحسست بشعور متزايد من القوة ينبثق في داخلي - لست أعرف كيف أعبر عن ذلك – الكمال، الذي ابهج قلبي. واعتدلت، وبينما كنت احاول ان اشعل سيكارة، سيكارة القناعة، انبثقت في تلك اللحظة ضحكة خلفي. (السقطة، 33) ".

استدار كلامانس لمعرفة مصدر الضحكة، طبعا، لم تكن موجهة إليه، لكن ربما صدرت من محادثة بعيدة بين عدد من الأصدقاء - مثل ذلك هو المسار العقلاني من أفكاره. لكنه يخبرنا: "كنت أستطيع سماعها خلفي بوضوح، قادمة من مكان ما من النهر." (السقطة، 34).. الضحكة بالتالي تنذر بالخطر كونها تذكره فورا بفشله الواضح في أن يفعل شيئا حيال المرأة التي غرقت قبل سنوات. والصدفة المشؤومة لكلامانس ذكرته بذلك في اللحظة التي كان يهنأ بها نفسه بانه شخص يتحلى بنكران الذات. وعلاوة على ذلك، وصف الضحكة بأنها "كانت طيبة نابعة من القلب، ضحكة ودية تقريبا" (السقطة، 34)، في حين، وبمجرد لحظات بعد ذلك، وصف نفسه بأنه يمتلك قلب طيب، مما يعني أن الضحكة صدرت من داخل نفسه، مضيفا بعدا آخر إلى المعنى الباطني للمشهد. ذلك المساء على جسرالفنون يمثل، لكلامانس، اصطدام شخصيته الحقيقية مع صورته الذاتية المتضخمة، حيث ادرك اخيرا نفاقه الذي بات واضحا بشكل مؤلم.

يشكل الحادث الثالث والأخير دوامة لكلامانس. فذات يوم اثناء انتظار إشارة التوقف، وجد كلامانس نفسه محاصرا خلف دراجة نارية توقفت أمامه وقد انطفأ محركها.. وبعد تغير الإشارة الضوئية إلى اللون الأخضر، بدأت ابواق السيارات الأخرى التي كانت تقف خلفه تصخب، فطلب كلامانس من صاحب الدراجة مرارا وبأدب إذا كان بامكانه ابعاد دراجته عن الطريق كي يتسنى للآخرين قيادة سيارتهم والمرور حوله، ومع ذلك، مع كل تكرار للطلب، يستشيط سائق الدراجة غضبا ويهدد كلامانس بالعنف الجسدي.

وبغضب، خرج كلامانس من سيارته لمواجهة هذا الشخص.. في ذلك الاثناء قفز شخص آخر واندفع نحوي وقال لي "أنني اسفل السافلين وأنه لن يدعني اضرب رجلا تعترضه دراجة عاطلة بين ركبتيه، وبالتالي كنت في وضع غير مؤات "(السقطة، 45). والتفت كلامانس للرد على محاوره، لكنه تلقى ضربة عنيفة على اذنه من صاحب الدراجة وهو ينطلق مسرعا. وبدون الانتقام من محاوره، احس كلامانس بالإهانة، وعاد إلى سيارته وانطلق بعيدا. وفي وقت لاحق، تخيل "مئات المرات" بما كان يتعين عليه القيام به – مثلا ضرب محاوره، ثم مطاردة صاحب الدراجة ورميه خارج الطريق. كان شعور الاستياء ينخر بعيدا في وجهه، ويوضح كلامانس: "بعد أن تلقيت الضربة علنا بدون ان ارد عليها، لم يعد في وسعي ان احتفظ في ذهني بتلك الصورة الجميلة عن نفسي. ولو كنت صديق الحقيقة وصاحب الذكاء الذي كنت ادعيه، فأية اهمية كانت ستكون لتلك الحادثة؟ لقد نساها اولئك الذين رأوها فعلا. (السقطة، 47) "

هكذا يصل كلامانس إلى خاتمة انه عاش حياته كلها بحثا عن الشرف، والتقدير، والتسلط على الآخرين. وبعد ان أدراك ذلك، لم تعد لديه القدرة على العيش بالطريقة التي كان يعيشها من قبل.

المصدر: wikipedia.org