اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
اتجه نُورُ الدين محمود عقب فشل الحملة الصليبيَّة الثانية، وانسحاب الجُيُوش الصليبيَّة من أمام دمشق إلى إمارة أنطاكية، بِهدف فتح معاقلها، ولِمُعاقبة صاحبها ريموند پواتييه الذي أشار بأن تتجه الحملة الصليبيَّة الثانية ضدَّ حلب، معقل نور الدين. وقد حدث أثناء حصار دمشق أن خرجت قُوَّة عسكريَّة إسلاميَّة من حلب، وأغارت على إمارة أنطاكية، فاستغلَّ ريموند غياب نُور الدين محمود عن حلب وقرَّر الانقضاض على المدينة، فجمع عساكره عند بُحيرة العُمق، قُرب حلب، واستعان بِطائفة الحشيشيَّة الباطنيَّة الذين يُكنُّون الكراهيَّة لِنُور الدين محمود. كان نور الدين آنذاك يُهاجم حصن العُريمة، فتوجَّه بعد فراغه من مُنازلة الحصن لِمُلاقاة ريموند، وذلك في شهر جُمادى الأولى سنة 543هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) سنة 1148م. ودارت بين الطرفين رحى معركة قاسية عند مكانٍ يُعرفُ بِـ«يغرى» إلى الشمال الشرقي من بُحيرة العُمق، انتهت بانتصار المُسلمين، وقُتل عددٌ كبيرٌ من رجال ريموند، ووقع آخرون في الأسر، وأرسل نُورُ الدين بعض الغنائم والأسرى إلى أخيه سيف الدين وإلى الخليفة العبَّاسي في بغداد، وإلى السُلطان مسعود السُلجُوقي. ودخل، في هذه الأثناء، السُلطان مسعود بن قلج أرسلان صاحب سلاجقة الروم، على الخط السياسي، وهو عازمٌ على توسيع سلطنته باتجاه قيليقية ووادي الفُرات حتَّى يتسنَّى لهُ الانفتاح على الشَّام، وتأمين حصَّته من جرَّاء تقطيع أوصال الأراضي الصليبيَّة في كونتيَّة الرُّها وغربيّ الفُرات. وقرر هذا السُلطان القيام بِهُجُومٍ على مُرعش، فتجهَّز ريموند پواتييه لِلقائه، فما كان منهُ إلَّا أن طلب من نُور الدين محمود مُهاجمة مُمتلكاته حتَّى يُخفف الضغط عن قُوَّاته، فاستجاب نور الدين لِطلبه. اجتاح الزنكيُّون القُرى التابعة لِإمارة أنطاكية، وأغار في ربيع سنة 543هـ المُوافقة لِسنة 1149م، على الإقليم المُحيط بِحارم على الضفَّة الشرقيَّة لِنهر العاصي، ودمَّر ما فيها من قُرى استوطنها الإفرنج ومواليهم، واتجه جنوبًا لِيُحاصر قلعة إنِّب على الضفَّة الشرقيَّة لِنهر العاصي قُرب معرَّة النُعمان، فخرج ريموند پواتييه وحُلفاؤه الحشَّاشين بِزعامة عليّ بن وفا لِلتصدي له، وقد أخطأ ريموند پواتييه عندما أرسل مددًا إلى حامية إنِّب فتناقص عدد أفراد جيشه البالغ أربعة آلاف فارس وألف راجل، فمالت الكفَّة إلى المُسلمين الذين بلغ تعداد جيشهم ستَّة آلاف فارس، ولمَّا أدرك نور الدين ما أضحى عليه الجيش الصليبي من ضعف، زحف باتجاهه، والتقى الجمعان في المُنخفض قُرب عين مُراد، في السهل الواقع بين إنِّب ومُستنقع الغاب، فدارت بينهما رحى معركةٍ شديدة انتصر فيها المُسلمون ودُمِّر الجيش الصليبي تدميرًا، ولقي كُلٌ من ريموند پواتييه وعليّ بن وفا مصرعهما، فكان ذلك نصرًا إسلاميًّا واضحًا، ابتهج به المُسلمون ابتهاجًا كبيرًا في كُلٍ من الشَّام والعراق ومصر والأناضول. اضطربت أحوال أنطاكية بعد تدمير جيشها ومقتل أميرها سالف الذِكر، فاستغلَّ نور الدي محمود هذه الأوضاع القلقة وأغار على أراضي الإمارة لِتتم لهُ السيطرة على الوادي الأوسط لِنهر العاصي، ففتح أرزجان وتل كشفان وأرتاح وحارم، ثُمَّ توجَّه نحو الغرب حيثُ ظهر أمام أسوار أنطاكية وضرب الحصار عليها، وامتدَّت غاراته حتَّى بلغت السُويديَّة، ميناء أنطاكية الرئيسي، كما حاصر حصن أفامية حتَّى اضطرَّ أهله إلى طلب الصُلح والأمان، فمُنحوا إيَّاه وسلَّموا البلد لِلمُسلمين. وحيثُ أدرك نور الدين صُعُوبة فتح مدينة حصينة كأنطاكية دون استعدادٍ كافٍ، وبِخاصَّة أنَّ المدينة ستتلقَّى نجدات سريعة من مملكة بيت المقدس وكونتيَّة طرابُلس، وبلغهُ في نفس الوقت وفاة كُلٍ من مُعين الدين أنُر المُهيمن على أُمور دمشق، وسيف الدين غازي صاحب الموصل، اضطرَّ إلى مُغادرة شماليّ الشَّام لِينصرف إلى الأوضاع التي استجدَّت على أثر وفاة هذين الحاكمين، فعقد هدنةً مع إيميري الليموجي، بطريرك أنطاكية اللاتيني، وانسحب بِقُوَّاته.