اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
التعارف بين الناس سنة إلهية ترغب بها النفس البشرية السوية وتؤيدها أغلب الفلسفات باستثناء تلك الفلسفات المتطرفة، وما يهدد التواصل بين المجتمعات، وينهي حكمة التعارف هو انتشار العنف باختلاف أنواعه ومستوياته، والعنف في الحقيقة هو إنهاء للوجود الفلسفي، وتحطيم لخطاب الحكمة، ولن نكون مبالغين إذا قلنا بأن العنف السياسي الذي يتبعه العنف العسكري هو أخطر عنف يهدد المجتمعات، ويهين بالنفس البشرية.
واستبشر الباحثون والمفكرون خيرا بميلاد فلسفة الغيرية وفلسفة التواصل وفلسفة الاعتراف، ظنا منهم أن هذه الفلسفات تدعو إلى انشاء علاقات جيدة بين المجتمعات، وتنهي الصراع بين الشعوب فهي تربية وتهذيب للنفس، بل وساد الاعتقاد طويلا أن السلم مشروع قائم، وأن العالم يسير نحو الأمن والأمان إلى أن جاءت أحداث طوفان الأقصى، والتي أكدت أن السلم والتعارف والتواصل والغيرية وفلسفة العيش المشترك، أغلبها فلسفات مميّعة لا وجود لها في عالم السياسة وعالم صراع القوى، وهي للاستهلاك العربي فقط، ومن هنا أردت أن أصحّح النظرة التي سادت في الأوساط الاجتماعية والفكرية، والتي تدعو إلى العيش المشترك تحت رعاية هذه الفلسفات لأبيّن أننا في مواجهة دول غربية تريد أن تجعل منا شعوبا دون كرامة ودون هوية ودون مقاومة ودون سلاح، يريدوننا شعوب مستسلمة ومستكينة لهم، يريدون نهب شرفنا وعزّتنا وكرامتنا قبل نهب ثرواتنا لقد كانت أحداث طوفان الأقصى صخرة صلبة فتت كل ادعاء غربي زائف، ومن هذا المنطلق علينا أن نعد أنفسنا لحرب قادمة، وأن نربي الأجيال على حب المقاومة، والتضحية بالنفس في سبيل أوطاننا.
ويبّين هذا الكتاب أيضا الخروقات التي مارسها الكيان الصهيوني المحتل، وتجاوزه لكل القوانين الدولية، هذه الخروقات لا تنفع معها فلسفة ولا حكمة، والحكمة الوحيدة لمواجهتها هي إرغام الكيان الصهيوني بالقوة، ولا شيء غير ذلك، ويعتبر الكتاب نافذة لفهم ضرورة التفوّق على العنف الغربي، وتبني خطاب الحكمة فلسفيا والمقاومة عسكريا.
ونتساءل هنا: إذا كان الغرب يدّعي أنه موطن الفلسفة والحكمة والحرية والعدالة والديمقراطية. فلماذا يعدّ الغرب عدتّه وأسلحته النووية؟ أفلا تغنيه الحكمة عن السلاح؟
ويستمر التساؤل: هل استطاعت فلسفات التواصل والحوار، والغيرية والاعتراف أن توجه ميزان العنف إلى دائرة الحكمة؟ هل كان لها وجود يذكر إلى جانب الوجود السياسي والوجود العسكري والإعلامي؟ هل لمسّنا لها أثرا واضحا أو تأثيرا يذكر على ميزان القوة؟ ماذا لو تخلى الفرد العربي المسلم عن أخلاق المقاومة؟ كيف سيكون مصيره؟ هل يحق للفرد المسلم المستهلك الذي وهب كل ما يملك للمجتمعات الغربية بما في ذلك استهلاك الأفكار والقيم والمناهج التربوية والاقتصادية أن يتكلم عن العيش المشترك؟
إن ميزان الدول الغربية يرجح دائما كفّة العنف عن الحكمة والتاريخ يثبت ذلك، ويجب أن تدرك الأجيال في المجتمعات العربية أن حرب دمار شاملة قادمة، وهم المستهدف فليعدّوا العدّة، وليصنعوا القوة بالحكمة، وليدافعوا عن الحكمة بالقوة.
أ.د. زروخي الدراجي
جامعة محمد بوضياف-المسيلة / الجزائر