English  

كتب الحقبة الدامية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الحقبة الدامية (كتاب)


المقدمة
لربما يرى البعض ان الكتابة في مثل هذا الموضوع حكر على الشخصيات السياسية و اصحاب الشأن كما جرت العادة بذلك و لا تتوفر لغيرهم مما يعني انني اقدم على امر لست من اهله. لكن لا أرى على نفسي بأسا من الخوض في هذا الموضوع و تدوين ما لاقيته من قهر و تشريد و غربة امتدت أعواما طوال ما دام ان لكل عراقي حر عزيز النفس يأنف الذل و الهوان محنة و قصة جديرة بالنشر و التدوين و لم تعد المسألة مقتصرة على محترفي السياسة و الاسماء اللامعة في سمائها بل ان نظام المقبورالمتهالك على السلطة جعل من كل مواطن يأبي العنان و الانقياد لسلطانه الغاشم رمزا لقضية فهو لا يعترف بحق الحياة لكل من يخالفه الرأي و بالتالي أصبح الجميع سواسية في تجرع غصة سياسته القمعية سواء من كان له ثقل فكري و سياسي بحيث يؤثر في الواقع الاجتماعي أو المواطن العادي الذي ليس له نصيبا من ذلك.
و لقد سجل العديد من السياسيين مذكراتهم و تجاربهم و التي تناولوا فيها الأنظمة التي عاصروها أو كانوا جزء منها و الثورات التي شاركوا فيها و الأحزاب التي انظموا اليها و العقائد التي تأثروا بها و ما الى ذلك مما احاط بحياتهم السياسية و لعلهم يبغون بذلك ان ينتفع بها غيرهم. إلا أن قضيتي من طراز آخر و من طبيعة اخرى إذ لست من ارباب التواريخ السياسية كما هو واقع الحال و لا سبق و أن انتميت الى حزب أو جهة سياسية مناوئة و لا ادعي لنفسي النضال و الكفاح فما أنا ممن يلطخون ايديهم بدماء القتلى لا سيما و نحن قد تجاوزنا مرحلة الشدة و الضيق كما لا يعني ذلك اني من الزاهدين بهذه الاحزاب و الفئات التي بذلت ما بوسعها بغية اسقاط النظام البعثي و لكن لتوثيق الحقيقة, فهذه الصفحات التي بين يديك بسيطة متواضعة و لا تتضمن وقائعا و احداثا انما تروي معاناة مواطن تعرض للظلم و الاضطهاد دون ان يرتكب جرما سياسيا أو يمارس عملا يهدد أمن النظام كما هو حال الكثيرين ممن مسهم الضّر جرّاء سياسته الهوجاء فلم أكن الشاهد الوحيد في سجله الاجرامي.
فتارة تروي سني الشقاء و العذاب المرّ و اُخرى تشير الى أن الأفكار و الاديولوجيات التي فتنا بواحدة منها لا تملك الحقيقة كاملة و ليست هي الحل الأمثل لإدارة الحياة كما يصورها اتباعها لكونها تستند الى نظرية البعد الواحد و لا تمثل إلا قناعات و تصورات دعاتها و لأن العقيدة السياسية تقوم و تنطلق على اقصاء الآخر و تغييب دوره و هذا ما يتنافى مع التعايش و الانسجام و كثيرا ما تكون العقيدة عموما محورا للسجال و الجدل على المستويين السياسي و الاجتماعي و بالتالي لا يسعها ان تستوعب مجتمعا متباينا من حيث الاعراق و الديانات و المذاهب و قد ثبت ان القوانين المبنية على اعتبارات انسانية و التي تستند الى مبدأ المساواة الذي يعطي جميع المواطنين الحقوق ذاتها هي وحدها التي تحضى بالقبول و الرضا و التسليم على صعيد الفرد و الجماعة.
و لهذا كله تم تسجيل هذه الصفحات لتروي للأجيال القادمة و لو جزء يسير مما كابده و قاساه هذا الشعب المعذب في هذه الحقبة السوداء من تاريخه و التي تعتبر من أشد الحقب قسوة و همجية و ظلما في تاريخ العراق.