اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في العام 2004 شاهدت مسلسلاً تلفزيونياً بعنوان "عباس الأبيض في اليوم الأسود"، وصفة الأبيض تعبر عن صدق شخصية عباس وبراءتها رغم أيامه السوداء. عباس مدرس تاريخ يحاول تغيير الكثير من الأشياء في عالم حالك السواد، وكان يبوح لتلاميذه بما هو مقتنع به ولو خالف مقررات وزارة التريبة والتعليم التي تحمل الكثير من الزيف، وبسبب شفافيته الشديدة، يلقى جفاءً من المسؤولين يجعله يقبل الإعارة إلى العراق، وهناك يدخل السجن لنفس السبب الذي حمله لترك مصر وهو أنه يروي |"التاريخ كما يجب أن يكون"|، ويظل مسجوناً عشرين عاماً، ليعود بعدها إلى وطنه وتبدأ أحداث قصته التي يجسدها بملامح مفعمة بالإنسانية الممثل يحيى الفخراني.
عبارة |"التاريخ كما يجب أن يكون"| التي يكررها عباس وجعلها كتاباً، ويعني بها إعادة قراءة التاريخ دون تزييف وانحياز، هذه العبارة هي التي أوحت لي بفكرة هذا الكتاب.
طبعاً ليس ميسوراً لأحد إعادة قراءة كامل التاريخ السياسي للمسلمين، ولا أنوي فعل هذا ولا أدعي القدرة عليه. وإن كانت السياسة ستكون حاضرة بقوة، لأنّ التاريخ كله سياسة انقضى زمانها. كل ما سأحاوله هو تتبع نشوء التيارات والمدارس المذهبية والفرق في تاريخ المسلمين، والظروف والبيئة التي تشكلت فيها، والعوامل التي أثرت فيها، وبالأخص العامل السياسي، ورصد أثرها في حاضرنا، والأهم رفع القداسة عن الأفكار التي سطرها أشخاص التاريخ، لأنها فعلا تشكلت في التاريخ وتأثرت بكل عوامله، بينما يصر البعض على وضعها بموازاة الوحي المنزل. والغاية من رفع القداسة عن التاريخ ومخرجاته الفكرية أو المعرفية أو الثقافية، هو استعادة الثقة بأنفسنا، وأننا نملك القدرة على التقدم على ما وصلنا، وورثناه، وقبلناه، وقبلنا معه في غفلة مقولة أن الأوائل لم يتركوا قولاً لقائل، أو ليس في الإمكان أبدع مما كان!! لقناعتي أنّ الفكر الإنساني -ولو استند لمصدر ديني- يظل تراكمياً متحركاً في خطوط تقدمية أو رجعية وربما لولبية.
التقدم في الحياة لا يحصل ونحن مشغولون بالماضي وصراعاته، التقدم يحصل بالانشغال بالحاضر والتطلع للمستقبل كما يجب أن يكون. ونحن لا نزال مشغولين بالماضي ومتعلقين به أشد تعلق، لا نزال نعيش التاريخ بكل صراعاته وخلافاته، على المستوى السياسي لا نبرح نتناطح حول عليّ ومعاوية، ونختلف حول صلاح الدين، منا من يستنهضه ومنا من يكيل له التهم، نتغنى ببطولات ونتهم انتصارات، ونتباكى على كل مجد ضاع!! وعلى المستوى الفكري لا زلنا منقسمين إلى طوائف ومذاهب وفرق، كل طائفة ترى نفسها الفرقة الناجية أو الطائفة الظاهرة! فكيف والحالة هذه يمكن للمسلمين أو أي شعب من شعوب المسلمين أن يخرجوا من التاريخ وخلافاته وصراعاته؟! كيف يمكن لهم أن يعيشوا حاضرهم وأن يتطلعوا للمستقبل، وهم يعيشون الماضي لحد الإدمان؟!
والنتيجة التي وصلت إليها هي أنه: لا يمكن الخروج من التاريخ إلا بفهمه ومعرفة الأسباب والبيئة والظروف التي تشكلت فيها مذاهبه وفرقه وطوائفه، وكل ما أدى إلى انقسام الأمة الواحدة إلى طوائف ومذاهب وفرق. فكان لا بد من محاولة فهم تاريخ الفكر الإسلامي ومدارسه، وكل التحولات التي طرأت عليه، والتعرف على جملة مقدساته المفترضة المتناقضة التي أورثت تعصباً هدم جسور الحوار والتفاهم بين الفرقاء. وقبل ذلك فهم المقدمات السياسية التي أفرزت هذا الانقسام.
التاريخ ليس مقدساً لأنه من صنع البشر وليس من وحي الإله، نظرتنا غير الواقعية للتاريخ هي التي جعلت منه مقدسات متناقضة تعمقت بسببها الخلافات، وترسخت العداوات، وأريقت الدماء في سبيل دفاع كل طرف عن مقدسه الموهوم. والحقيقة هي أن التاريخ من ألفه إلى ياءه وسواء في جانبه السياسي أو الفكري، وفي كل مذاهبه وعقائده وطوائفه من عمل أيدينا وبنات أفكارنا، ويمكن إخضاع كل مخرجاته للنقد بعد إسقاط وهم القداسة عنها.
التاريخ السياسي سيكون حاضراً بقدر ما يلزم، وبما يخدم أهداف الكتاب الذي سيرصد التشكلات المذهبية والفرقية دون الانشغال والغرق في تمحيص الروايات التاريخية التي لا بد من استحضارها لسرد وقائع التاريخ الثابتة، لأن المهم ألا نغالط في وقائع التاريخ الثابتة بسبب الكذب في الروايات التي تسرد هذه الوقائع.
وحتى تكون القراءة للتاريخ منتجة لا مجرد ترف فكري يلزم القارئ للتاريخ الانحياز المسبق لقيم العدل والحق، وعلى هذا إذا ضللته الروايات لا تضل معها بوصلته ومقاييسه، فلو جاءك أحدهم بمجموعة من الروايات التاريخية تظهر عدل الحجاج وتحريه الحق في كل تصرفاته، فينبغي استناداً لقيم العدل التي يتوافق عليها البشر أن تكون مع الحجاج في عدله وتحريه الحق، فإذا تبين لك لاحقاً أنّ هذه الروايات غير صحيحة، وأنّ الحجاج كان ظالماً غاشماً فلم تتقبل الحقيقية وتنازلت عن قيم العدل والحق والموضوعية لصالح تبرئة شخص الحجاج، وانحيازاً للصورة المسبقة عنه، لأنك لا تريد أن تكون مثل من فُجع بمن أحب، إذا فعلت ذلك فأنت تظلم التاريخ، ولا تقرأه كما يجب، ولا تنتفع من قراءته، بل تهرب من حقائقه لأنها مرة ومؤلمة، وقبل ذلك تكون قد ظلمت نفسك بتخليك عن مقياس الحق والعدل. إنّ بلاغة الحجاج في خطبته التي رأى فيها رؤوساً قد أينعت لا يجوز أن تصرفنا عما فيها عن ظلمه وتخطيه لقيم الحق والعدل في قوله: (والله لآخذن صغيركم بكبيركم، وحركم بعبدكم). ومثله زياد بن أبيه وجبروته الذي تجسده خطبته البتراء وهو يقول: (وإِنِّي أقسمُ بالله لآخُذَنَّ الوَلِيَّ بالمُوْلَى، والمقيمَ بالظَّاعنِ، والمقبلَ بالمدبرِ، والمطيعَ بالعاصِي).
الأهم دائماً في قراءة التاريخ هو أخذ العبرة منه، وفهم تحولاته، والتعرف على مواطن الخلل فيه وأسبابها من أجل إصلاحها، ومن أجل تأسيس الحاضر على قيم الحق والعدل، والخطر أن نقرأ التاريخ من أجل البحث عن تبريرات لتصوراتنا المسبقة عن أشخاص التاريخ بسبب معتقدنا فيهم. لأن هذا سيؤدي إلى تقديم تنازلات على مستوى القيم مخافة أن تهتز صورة الشخصيات التاريخية التي نحتفظ لها بصورة مثالية! فننزل بمستوى القيم إلى المستوى الذي نزل إليه أشخاص التاريخ، مما يجعل قراءة التاريخ وبالاً وتقبلاً وتجرعاً لكل آفاته وأمراضه.
معاوية على سبيل المثال حسب رواية التاريخ انقلب على شورى المسلمين وجعل السلطة حصراً في عائلته، وهذا من رواية التاريخ المستفيضة، ولا وجود لرواية غيرها، وكل محاولة لإبطالها أو القفز عنها أو تبريرها معناه أننا ما زلنا نقدم براءة أشخاص التاريخ على قيم الحق والعدل، وكما بررنا لأشخاص التاريخ سنبرر لأشخاص الحاضر لأن هذا ما صار عليه عقلنا، والعقلية التبريرية غير الموضوعية يستحيل أن تأخذنا للأمام لأنها ببساطة تمرر الأخطاء وتحميها.
من فعلوا ذلك بنا في مثال معاوية هم من قالوا: معاوية صحابي، وكل الصحابة عدول، وراحوا يقرأون التاريخ بتبريرات وتفسيرات لا تمس معتقدهم هذا، فتضاءلت قيمة الشورى في عقولنا وتقبلنا كل أنواع الدفاع عن حكومات التغلب التي سادت التاريخ الإسلامي كله بعد معاوية! طريقتهم هذه ميعت المناخ السياسي والتشريعي فتقبل عقل المسلمين وخاصة الفقهي منه كل تشريعات وتبريرات الاستبداد التي أورثت عقل المسلمين عبودية سياسية أحرارها أندر من الكبريت الأحمر، فَقَبِل هذا العقل حكم التوريث، وتسامح مع حكم التغلب، وتنازل عن حقه في شورى حقيقية، وتقبل فتاوى بجواز قتل تلثي الناس من أجل الثلث الذي سيبقى، وفتاوى تبرر قتل الخليفة لأخيه حتى يورث لابنه بحجة الحفاظ على استقرار الحكم. وشيئا فشيئا تهشمت كل قيم الحق والعدل والحرية.
هناك شخصيات تاريخية أخذت مكان القداسة في العقل الجمعي العربي والإسلامي وفي وجدانهم الجمعي أيضاً، ويعد هذا التقديس من أهم العقبات التي يجب إزالتها عند إعادة قراءة التاريخ، ما زلنا ومن أسفٍ نقرأ التاريخ ونحن نخشى أنّ نخدش الصورة الذهنية المبهرة لبعض الشخصيات التاريخية التي ترسخت منذ قرون! فنسلك مسلك الدفاع عن هذه الصورة المسبقة، ونهدر القراءة الموضوعية المنتجة للتاريخ، وإذا كان من جريمة لا تغتفر في قراءة التاريخ فهي القراءة المنحازة. الانحياز الوحيد المقبول في قراءة التاريخ هو الانحياز لقيم الحق والعدل.
والهدف الأعمق من الكتاب ليس قراءة التاريخ الذي كان حاضراً، بل قراءة الحاضر الذي كان تاريخاً، أي التعرف على الماضي الذي ما زال يؤثر تأثيراً سلبياً في حياتنا الحاضرة، وأهمية نسبة هذه الأفكار للتاريخ تكمن في نفي نسبتها للوحي الصريح ووضعها موضع القداسة، وذلك بالتعرف على ظروف نشأتها وحجم الخلاف عليها وفيها فلا تظل محل تقديس في الوقت الذي يمكن أن نتقدم عليها ونأتي بخير منها.
ولنأخذ مثال الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى في المعتقد والمذهب الشيعي، وملخصه: أنّ الإمام الحادي عشر الحسن العسكري الذي امتدت إمامته ما بين 254ه إلى 260ه، أوصى لابنه محمد بن الحسن المهدي -الذي أخفاه عن الناس- بالإمامة من بعده، وظل هذا الإمام -الذي لم يره أحد- يتصل بالأتباع بواسطة سفراءه الأربعة حتى عام 329 ثم انقطع عن الاتصال المفترض بالاتباع بموت السفير الرابع! وهذه هي الغيبة الصغرى عند الشيعة الإمامية. وبعد هذا التاريخ بدأت الغيبة الكبرى وظل هذا الإمام (المهدي) (الثاني عشر) غائباً منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، وهذه هي الغيبة الكبرى عند الإمامية! وينتظرون أن يظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً!
هذا المعتقد تكون في التاريخ، ولكنه ماثل في الحاضر، وأثره في الحاضر لا يزال كبيرا جدا وسلبياً جداً، فلما جاء الخميني وقفز عنه وأحل مكانه مفهوم ولاية الفقيه، وحل الفقيه مكان المهدي في زمن غيبته، نجح الخميني في الانتقال من مفهوم خرافي إلى فكرة عملية واقعية، أي أتى بأفضل من الفكرة التي تشكلت في التاريخ وعوملت طوال الوقت وما زالت على أنها وحي مقدس لا يجوز المساس به. وطبعاً لم يكن الأمر سهلا وميسوراً للخميني، بل كان يمكن لمثل هذا الصنيع أن يطيح به لولا مكانته الرفيعة عند شيعته، بل أستطيع القول إنّ الخميني لم يستطع أن يتجاوز مفهوم تشكل في التاريخ إلا بحماية مفهوم آخر تشكل في التاريخ أيضاً! وهو قداسة المراجع الدينية عند الشيعة، وهو مفهوم باطل مثله مثل مفهوم الغيبة، مما يعني أنّ التاريخ بكل مصائبه الفكرية ما زال يعبث بحاضرنا ويشكله كما يشاء، خاصة وأنه يجد له من الحراس بقدر ما يشاء.
إذا كنتم ممن سموا أنفسهم أهل السنة وقبلتم المثال، وهو متوقع لأنكم تعتبرون الفكرة من سخافات المذهب الشيعي، وهو مذهب يكاد يكون مرفوضاً عندكم جملة وتفصيلاً، فيبقى أن تتقبلوا نقداً مماثلاً لفكرة المهدي المنتظر عند أهل السنة الواردة في كتب (الصحاح) والتي لا تفترق عنها في المذهب الشيعي إلا في مفهوم الغيبة، فالمذهبان متفقان على انتظار مهدي يأتي في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً ويمهد لنزول المسيح. وبالإمكان تتبع النشأة التاريخية للمفهومين عند الفرقتين لبيان أنهما فكرتان وجدتا في التاريخ وليس في الوحي الثابت الصريح، فإذا ثبت ذلك وتمكنت الفرقتان من دفن الفكرتين، لأثرهما السيء على الحاضر، والإتيان بما هو خير منهما، نكون قد خرجنا من التاريخ، وانتقلنا للعيش في الحاضر بعقلنا لا بعقل التاريخ الذي حوى الكثير من الأفكار الخرافية والإقصائية والتكفيرية.
الكتابة في تاريخ أي أمة من الأمم من أجل إعطاء صورة قبيحة أو مشوهة عن تاريخها ممكن، وستكون الأمثلة حاضرة. والكتابة في تمجيد تاريخ نفس الأمة وإعطاء صورة زاهية عنه ممكن، وستكون الأمثلة حاضرة. وليس من العقل والحكمة الانسياق وراء القراءتين، فليس في القراءتين أي عبرة، العبرة لا تكون إلا في القراءة الواقعية للتاريخ.
في تاريخ المسلمين ما نخجل منه، وفي تاريخهم ما نفخر به، وينبغي لنا تجاوز القراءات المنحازة بقصد تحسين الصورة أو تقبيحها، كما لا ينبغي أن تكون قراءة التاريخ من أجل الحكم بالبراءة أو الحكم بالإدانة، فتلك أمة قد خلت وجنت منافع وأضرار كسبها، كما أخبر القرآن بعبارته الجامعة المانعة، وإنما يجب أن تستهدف قراءة التاريخ تصحيح أخطاءه وتجاوزها وأخذ العبرة منه. يجب نبذ القراءات التمجيدية والتشويهية معاً، لأنّ في كليهما إفساد للعقل والرأي، ولا ينفعنا في هذا المنعطف الحضاري من تاريخ المسلمين سوى القراءة الواقعية للتاريخ.
عام 1968 حصلت معركة الكرامة مع جيش الاحتلال الصهيوني في الأردن، وعرفنا أنّ جنود العدو كانوا مربوطين داخل الدبابات بالجنازير حتى لا يهربوا من المعركة. وعلمنا من التاريخ أنّ عقبة بن نافع في دخوله للأندلس أحرق السفن التي جاء بها مع جنوده، أيضاً حتى لا يهربوا من المعركة. وتركز في وجداننا أنّ ربط الجنود دليل الجبن، وإحراق السفن دليل الحزم! ولكن حتى لو كان صحيحاً أنّ جنودهم جبناء وجنودنا شجعان، فإنّ إحراق السفن وسد باب الانسحاب قد يكون فيه مهلكة للجيش، كما أنّ ربط الجنود سد لباب نجاتهم. والمعقول أن القيادة العسكرية في حال الهزيمة تسعى للخروج بأقل الخسائر، ولذلك فإنّ القراءة الموضوعية يمكن أن تدين إحراق السفن. ولكننا سنظل نقف ضد ربط الجنود وننحاز لإحراق السفن. بينما تتطلب الحيادية محاكمة الحدثين بعيداً عن الانحياز المسبق حتى تكون قراءة التاريخ منتجة.
وإذا كنا نرفض منهج جلد الذات الذي يسلط الضوء على الصور القبيحة في التاريخ الإسلامي، فيلزم أيضاً أن نرفض إغماض العين عن أخطاءه، وتصويره مثاليا لا تشوبه الشوائب! وأهم من توجيه أصابع الاتهام لمحاولات التشويه، أهم منها خلع عباءة التقديس والتمجيد، ليس لمجرد خلع العباءة، (فلا يصح أن نشق طريقنا في الحاضر عراة بدون تاريخ ولا جذور ولا أمجاد نفتخر بها)، وإنما لنلبس مكانها عباءة العقل والحكمة. المطلوب دائماً أن نأخذ على عاتقنا مسؤولية القراءة الواقعية المتوازنة للتاريخ، فلا نقع ضحية للقراءات المنحازة، ولا نتشوش بمحاولات التشويه.