اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إذا تركنا المعتزلة والشيعة والمتصوفة، نرى مشكلة التأويل تعرض لأهل السنة من رجال علم الكلام، فيتعرض لها كلٌّ من الغزالي وابن تيمية، ويقف كل منهما منها موقفًا خاصًّا يتعارض وموقف الآخر.
تعرَّض الغزالي لهذه المُشكلة ولا عجب في هذا، فهو مُتكلم ومُتصوف وفيلسوف معًا! فهل نراه يُسرف في تأويل القرآن والحديث كالمعتزلة والمتصوفة ومن إليهم؟ أو نراه يسير فيه بحذر وعلى بيِّنة كابن رشد مثلًا؟
حجة الإسلام يرى أنَّ في القرآن والحديث نصوصًا تفيد غير معانيها الظاهرية؛ ولهذا يُجيز تأويلها؛ ولهذا أيضًا عُني بوضع رسالة في ذلك تسمى «قانون التأويل»، كما تناول هذه المشكلة بالبحث في رسالة أخرى هي «إلجام العوام عن علم الكلام». ومن تلك النصوص مثلًا ما يُشير بظاهره إلى التجسيم أو التشبيه في ذات الله تعالى أو صفاته.
وذلك مثل الآيات التي تُوهم بظاهرها أنَّ له تعالى بعضَ ما للإنسان من الأعضاء والحواس، وأنَّه يتحرك وينتقل ويجلس على العرش، وأنه فوقنا، ومثل ما جاء في بعض الأحاديث من أنه ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا. فهذه النصوص القرآنية والحديثية يرى الغزالي أنَّ لها معاني خفية لا يصل إليها أهل المعرفة، وأنَّ موقف العامي منها هو التصديق بها مع الاعتراف بالعجز عن فهمها، والتسليم فيها لأهل المعرفة القادرين على إدراك المراد منها. وينبغي أن نُلاحظ أنَّ «العامَّة» هنا يدخل فيهم الأديب والنحوي والمُفسر والمُحدث والفقيه والمُتكلم، بل كل عالم سوى «المتجردين لعلم السباحة في بحار المعرفة»، أي: المتصوفة. إذن، لم يخرج من العامة إلا المتصوفة، كما لم يخرج ابن رشد من العامة إلا الفلاسفة على ما تقدم ذكره.
وهؤلاء المتصوفة أي: «أهل الغوص في بحر المعرفة» لا يصل إلا واحد من كل عشرة منهم — في رأي الغزالي — إلى معرفة «الدر المكنون والسر المخزون». وبعبارة أُخرى: إنَّ أسرار هذه النصوص ومعانيها الخفية ليست خفية بالنسبة للرسول وأكابر الصحابة، كأبي بكر وعمر وعلي، ويلحق بهم الأولياء والعلماء الراسخون. وإذا كانت هذه المعاني الخفية يصل إلى إدراكها «أهل المعرفة»، فهل لهم أن يُذيعوها بين الناس، أي: هل لهم أن يظهروا للناس جميعًا ما يدركونه من التأويلات؟
يجيبُ الغزالي عن هذا إجابة تجعلنا نلمح فيه المتصوف الذي لا يرى أن يطلع على الأسرار إلا المُريدون، إنَّه يرى أن لمن عرف التأويل أن يحدِّث به من هو مثله في الاستبصار، أو مَنْ هو مستعدٌّ للمعرفة وطالبٌ لها ومقبل عليها بكله، ثم يختم ذلك بقوله في شبه قاعدة عامة: «فإن مَنْع العلم أهلَه ظلم، كبثِّه لغير أهله.» وما ينبغي لنا أن نفهم من إجازة الغزالي التأويلَ لأهله، وإجازته إظهارَ التأويلات لمن هو أهل لمعرفتها، أنَّه في هذا أو ذاك كابن رشد الذي رأينا فيما سبق عنه أنه يُجيز إذاعته في هاتين الحالتين، كما أجاز ابن ميمون من بعده، ليس لنا أن نفهم هذا، فإنَّ أهل التأويل وأهل المعرفة في رأي «حجة الإسلام» هم المُتصوفة كما عرفنا، على حين أنَّهم الفلاسفة عند فيلسوف الأندلس وبلديِّه الحبر اليهودي، وشتان بين أولئك وهؤلاء.
ومهما يكن من شيء، فإنَّ الغزالي بما وضع من قانون للتأويل، جعل الذين يبحثون فيما بين المعقول والمنقول من «تصادم في أول النظر وظاهر الفكر» خمسَ فرق، وجعل الفرقة الخامسة هي المُحِقَّة، وهي التي وقفت موقفًا وسطًا بين المعقول والمنقول؛ إذ جعلت كلًّا منهما أصلًا وسبيلًا إلى المعرفة، وأنكرت أن يكون بينهما تعارض حقيقي، وعملت على التوفيق والجمع بينهما، على ما في هذا من مشقة وعسر في أكثر الأحيان. ولهذه المشقة والعسر يجب أحيانًا الكف عن التأويل، وعدم تعيين المعنى الخفي المراد ما دام لا يوجد الدليل القاطع على تعيين هذا المعنى الذي يقصده الله أو الرَّسول عليه الصلاة والسلام.
مثلًا جاء في القرآن والحديث أنَّ أعمال الإنسان تُوزن يوم القيامة، والعقل يقطع بلا شك أنَّ المعنى الظاهر الحرفي غير مقصود؛ لأنه غير معقول، وإذن لا بدَّ من تأويل لفظ «الوزن» تأويلًا مجازيًّا بإرادة نتيجته وهي تعريف مقدار العمل، أو تأويل لفظ «العمل» بإرادة الصحيفة التي كان مكتوبًا فيها، وليس لدينا ما يدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ هذا التأويل أو ذاك هو المراد، والنتيجة أنه يجب الكف عن تعيين المعنى المجازي المراد؛ لأنه لا يجوز الحكم على مراد الله أو رسوله بالظن والتخمين.
من هذا كله نرى الإمام الغزالي مع مشاركته للصوفية في أنه يوجد «مريدون» يصحُّ أن تُذَاع لهم التأويلات الحقيقية والمعاني الخفية لبعض النصوص المُقَدَّسة، لم يُفْرط كما أفرطوا في التأويل، بل إنه رأى التوقف فيه في حالات كثيرة عندما لا يوجد دليل قاطع على تعيين المعنى المجازي المراد. أمَّا الإمام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية والمتوفى عام 728ه، فإنه قد وقف بالنسبة لمشكلة التأويل موقفًا معارضًا كما رأينا عند من سبق من أولئك الفلاسفة والمفكرين. إنه يرى أن يفرق بين لفظ «التأويل» في عرف السلف، وبينه عند المُتكلمين — وبخاصة المعتزلة — والمتصوفة والفلاسفة من رجال الدين.
التأويل في رأي رجال السلف الإسلامي هو التفسير وبيان المراد من النص القرآني أو الحديثي، وبهذا المعنى ورد كثير في القرآن نفسه، وهو التأويل المقبول، ويُقال على هذا المعنى إن الصحابة والتابعين كانوا يعرفون تأويل القرآن الذي فسروه كله، ومن ثم قال الحسن البصري من التابعين: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يُعلم ما أراد بها. ولذلك لا يجوز التوقف وترك بيان معنى الآية من آيات القرآن؛ لأن الله أَمَرَنا أن نَتَدَبَّر القرآن وأن نفهمه، والرَّسُول لم يترك هذا من غير بيان للصحابة، اللهم إلا أن يُقال إن الرسول كان لا يعلم معاني القرآن الذي أُنْزِل عليه، أو كان يعلمها ولم يبلغها كلها للناس مع أنه مأمور من الله بالتبليغ، وكل ذلك غير مقبول ولا معقول.
ونرى أن ابن تيمية غير مفهوم تمامًا هنا، فإنه يرى، مع تأكيده أنَّ الصحابة والتابعين كانوا يفهمون القرآن كله، أنَّ ما جاء فيه عن الله وصفاته واليوم الآخر، وما يجري فيه من أُمور غيبية كان أولئك الصحابة والتابعون يعلمون تأويله وتفسيره، وإن لم يعرفوا كيفية ما أخبر به الله من ذلك كله هذا؛ وأمَّا النوع الآخر من التأويل الذي يتكلم عنه كثيرًا من الفلاسفة والمتصوفة، وبعض رجال علم الكلام، فهو أمرٌ آخر غير النوع الأول، إنَّه في اصطلاحهم الخاص «صرف اللفظ عن المعنى المدلول عليه المفهوم منه إلى معنى آخر يُخالف ذلك.» أي: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر خفي. وهذا ضرب من التأويل لم يغب عن الرَّسول الذي بيَّن بنفسه، في كل موضع يجبُ فيه ترك المعنى الظاهري، المعنى الآخرَ المراد بهذا اللفظ؛ وذلك لأنه «لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبيِّنه لهم.» وما دام الأمر كذلك؛ فلا تعارُض إذن بين المَعقول الصريح والمنقول الصحيح، أي: لا تعارُض بين ما يؤدي إليه العقل السليم وبين ما ثبت نقله عن الرسول. هكذا يرى ابن تيمية، وهو يُؤكده بأنَّه قد تحقق ذلك بنفسه؛ إذ تبين له بعد تفكير طويل اتفاق ما وصل إليه العقل الصحيح النظر في المسائل الكلامية الكبرى، كمسائل التوحيد والصفات والقَدَر والنبوات والمعاد، مع ما جاء عن ذلك في الشريعة تمامًا.
ولنا أن نأخذ بحق مما تقدم أنَّ مُشكلة التأويل لم توضع أمام ابن تيمية، بمعنى أنه لم يرها مشكلة تتطلب حلًّا لها، وذلك بأنَّ هذه المشكلة لم تعرض للمفكرين من رجال الدين إلا لما رأوه من وجود تعارض بين ما ثبت بالعقل وما ورد به الشرع، فاضطروا لتأويل ما لا يتفق والعقلَ من النصوص الدينية الوحيية. ولكن ابن تيمية لا يرى وجود تعارض مُطلقًا، والمنقول الذي يُقال إنه يُخالف العقل لا يكون إلا حديثًا موضوعًا، أو نصًّا آخر لا يدلُّ دلالة قاطعة على ما يُراد الاستدلال به عليه، وعلى فرض وجود تعارض بين العقل والنص يجب ترجيح الأخذ بالنص الثابت عن الأنبياء على ما يؤدي إليه العقل واستدلاله. ومن الحق أنه ذكر في بعض ما كتبه في هذا الشأن أنَّه عند تعارض العقل والسمع يجبُ تقديم ما تكون دلالته قطعية منهما، سواء أكان هو الدليل العقلي أم الدليل السمعي، ولكنَّه قال بعد هذا بقليل: «ولكن كون السمعي لا يكون قطعيًّا دونه خَرْط القَتَاد.» أي إنَّ الدليل السمعي متى ثبت صحة النقل يُقدَّم دائمًا على العقل وما يؤدي إليه، وكل ذلك يؤدي بنا إلى النتيجة التي استخلصناها، وهي أنَّ مسألة التأويل لم توضع أمام ابن تيمية؛ إذ لم يكن لديه أسبابها.
ومن أجل هذا نرى الإمام تقي الدين ينقد بشدةٍ ابن سينا والغزالي وابن رشد وابن ميمون، وغيرهم من المتصوفة والملاحدة الذين اصطنعوا طريقة التأويل لِبَثِّ آرائهم في القرآن والحديث، وبذلك مزجوا هذين المصدرين المقدسين بالآراء الفلسفية التي جعلوها أصلًا يُؤوِّلون النصوص الدينية بحسبها لتتفق معها؛ ولذلك أيضًا قد يضطُرون عندما يجدون النص لا يُوافق ما زعموه حقًّا بعقولهم، إلى أن يقولوا إنَّ الرسل تكلموا على سبيل التمثيل والتخييل للحاجة إلى إفهام العامة وأمثالهم.