English  

كتب الاستئذان الجزء الخامس

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الاستئذان الجزء الخامس (كتاب)


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
كما صليت على إبراهيم
وآل إبراهيم إنك حميد مجيد
"حينما اعتُقِلنا من قِبل البعثيين الصداميين، وبعد الانتفاضة الشعبانية المباركة، وحينما كنت في أروقة السجن، سألني أحد الجلاوزة الطغاة آنذاك وبلهجته: "أنت ابن مَنْ"؟ أجبته: "أنا ابن سيد محمد الصدر". فقال لي بما نصّه أيضاً بلهجته: (هذا اليتعارك ويانه)"
مواجهة الطغاة ومشروع الظهور
في أروقة التاريخ المظلمة، وتحت سياط الجلادين، تُكتب أصدق وثائق الانتماء والنيابة الحقيقية. لكي نلج إلى عمق العبارة الشريفة الواردة في زيارة الاستئذان:
"السلام على نائب الإمام المهدي (عليه السلام) في هدايته وولايته ورحمة الله وبركاته"
لا بد لنا أن نستحضر شهادةً حيةً من قلب الزنازين البعثية. يروي السيد مقتدى الصدر لحظة فارقة في صياغة هذا المعنى، قائلاً:
"حينما اعتُقِلنا من قِبل البعثيين الصداميين، وبعد الانتفاضة الشعبانية المباركة، وحينما كنت في أروقة السجن، سألني أحد الجلاوزة الطغاة آنذاك وبلهجته:
"أنت ابن مَنْ"؟
أجبته: "أنا ابن سيد محمد الصدر". ف
قال لي بما نصّه أيضاً بلهجته: (هذا اليتعارك ويانه)".
إن هذه الجملة العامية البسيطة التي نطق بها أحد جلاوزة النظام:
("هذا اليتعارك ويانه")
تختزل في طياتها حقيقة المشروع الصدري بأكمله.
إنها شهادة من رحم العدو تثبت أن السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) لم يكن مرجعاً مهادناً أو منعزلاً، بل كان في حالة "عراك" ومواجهة وجودية مستمرة مع قوى الظلام.
ويعلق السيد مقتدى الصدر على هذه الحادثة بكلمات ترسم ملامح هذه النيابة المهدوية قائلاً:
"نعم، هو ذاك الذي أرعب البعث الكافر حتى في سجنه، بل في سجونهم الظالمة. نعم، هو الذي أعلن العصيان عليهم، ليس في سجنه الأول ولا الثاني فحسب، بل في كل حياته ومرجعيته الزاخرة بالمكارم والشجاعة والجهاد والتضحية".

النيابة المهدوية:
من المفهوم الغيبي إلى الساحة الميدانية
إن ارتباط السيد الشهيد بالإمام المهدي (عجل الله فرجه) ووصفه بـ "النائب في هدايته وولايته"، ليس مجرد لقب تشريفي أو اصطلاح عقائدي مجرد، بل هو "تكليف حركي وعملي".
إن العامل المشترك الأبرز والأعظم بين الإمام المهدي (عليه السلام) وبين نائبه الشهيد الصدر، هو :
"مواجهة الطغاة والفاسدين".
من المعلوم في العقيدة الإسلامية أن الإمام المهدي سيخرج "ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً". إن مشروعه الكوني هو اجتثاث جذور الفساد، وتحطيم عروش الطغاة الذين استعبدوا البشرية. فكيف يكون المرء نائباً حقيقياً لهذا الإمام المصلح، إن لم يكن هو نفسه مشروعاً لمواجهة الظلم في مساحته وزمانه؟
لقد جسّد السيد الشهيد الصدر هذه النيابة بأبهى صورها؛ فلم ينتظر الظهور المقدس مكتوف الأيدي، بل شرع في تطبيق المنهج المهدوي على أرض الواقع العراقي، متصدياً لأعتى طاغية في العصر الحديث.
إن الهداية والولاية المهدوية تتطلب قائداً يمتلك من الشجاعة ما يجعله سمواً فوق الطغيان.
وفي هذا السياق، يصف السيد مقتدى الصدر تلك الشجاعة المذهلة لوالده في مواجهة أقسى آلات الرعب قائلاً:
"والسمو فوق كل خوف من أجلاف الطاغية وأعوانه آنذاك، فلعلكم
لا تعلمون مدى رعب هؤلاء البعثية حينما يقفون بين يديه،
فـ ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾، ووجوههم غبرة ترهقها ذلّة، كأنما أغشيت قلوبهم وصمّت أعينهم وزال طغيانهم".
هنا نلمس السر المهدوي العظيم:
الطاغية الذي يمتلك السلاح والسجون يرتعب أمام العالم الأعزل.
إن هذه الهيبة التي أسقطت طغيان البعثيين وأغشت قلوبهم، هي قبس من هيبة الإمام الغائب التي يلقيها الله على أوليائه وخواص نوابه.
لقد كان الصدر يقاتلهم بروح المهدوية المتأصلة فيه.
الزئير في وجه الاستبداد:
مراحل كسر الطغيان
لم تكن مواجهة السيد الشهيد للبعثيين وليدة لحظة التصدّي للمرجعية في التسعينيات، بل هي متأصلة في مسيرته منذ البدايات. إن النائب الحقيقي لا يتراجع عند أول اختبار، بل تتصاعد قوته مع كل محنة. يوثق السيد مقتدى الصدر هذه المراحل النضالية المشرّفة، موضحاً كيف كسر السيد الشهيد هيبة الطغاة في عقر سجونهم:
"فهو ذاك الذي أرعبهم في سجن السبعينات بصبره واعتصامه وإضرابه، حتى اضطروا إلى الإفراج عنه،
وهو الذي أخذ يزأر في وجوههم في سجن التسعينيات، حتى صاروا بين يديه كفريسة بين أيدي الأسد الهمام".
تأمل معي هذا الوصف العميق:
"يزأر في وجوههم... كفريسة بين أيدي الأسد الهمام".
إن مشروع الإمام المهدي ليس مشروع استسلام ومهادنة، بل هو زئير الحق في وجه الباطل.
لقد حوّل السيد الشهيد المعادلة النفسية تماماً؛ فبدلاً من أن يكون السجين خائفاً من جلاده، أصبح الجلادون المدججون بالسلاح "فريسة" مرعوبة أمام أسدٍ أعزل إلا من إيمانه ونيابته عن إمام زمانه.
صناعة البنيان المرصوص:
التمهيد العملي لدولة العدل
إن العامل المشترك الثاني والأهم بين الإمام المهدي ونائبه الشهيد، بعد مواجهة الطغاة، هو:
"بناء القاعدة الشعبية المؤمنة"
الإمام لا يظهر إلا بوجود جيش وقاعدة من الأتباع الذين محصتهم التجارب وذاب عنهم الخوف. وهنا تجلت العبقرية الإصلاحية للسيد الشهيد، حيث لم يكتفِ بمواجهة النظام بمفرده، بل انتزع الخوف من قلوب الملايين وصنع منهم جيشاً ممهداً.
يقول السيد مقتدى الصدر واصفاً هذه النقلة الجماهيرية المعجزة:
"وهو الذي جعل من طغيانهم وحكومتهم أضحوكة حينما تصدّى للمرجعية، وأزال الخوف من قلوب العراقيين، وجعلهم صفاً واحداً كالبنيان المرصوص،
وهم يصطفون خلفه في جُمعته أو في برانيه، فكيف لا يخافون وقد زلزل حكمهم، وأقضّ مضجعهم،
بلا سيف أو سلاح، بل بحكمته وكفنه وخُطَبِه وأُبُوّتِه وقاعدته الشعبية المؤمنة".
لقد حوّل السيد الشهيد "المجتمع العراقي الممزق" إلى "بنيان مرصوص". إن هذه القاعدة الشعبية التي تصطف خلفه في صلاة الجمعة أو في برانيه، هي ذاتها القاعدة التي:
تتدرب (اليوم) على الطاعة والولاء انتظاراً للمصلح الأكبر.
لقد زلزل الصدر حكم البعثيين وأقض مضاجعهم "بلا سيف أو سلاح"، بل بأدوات النيابة المهدوية: (الحكمة، الكفن، الخطب، الأبوة الرعوية).
إن إزالة الخوف من قلوب الناس هي الخطوة الأولى والأصعب في طريق التحرير، وبدونها لا يمكن لأي أمة أن تنصر إمامها.
الديمومة والاستمرارية:
مقاومة الاحتلال والفساد
إن نيابة الشهيد الصدر عن الإمام المهدي لم تنتهِ باستشهاده، فمشروع الإمام المهدي مشروع مستمر ولا متناهٍ، وكذلك مشروع نائبه.
إن المنهج الصدري الذي أرسى قواعد المواجهة مع الديكتاتورية، هو ذاته المنهج الذي يستلهم منه الأحرار قدرتهم على مقارعة كل أشكال الانحراف المعاصرة.
يؤكد السيد مقتدى الصدر على هذه الاستمرارية بقوله: "فهو لا زال تلك الصفحة المشرقة الوضّاءة، التي ننهل منها البطولات والمقاومة للظلم والاحتلال والفساد على حدّ سواء، فلا زالت ذكرى جُمعته المدوّية مطبوعة في قلوبنا وعقولنا، وما كان يسطر فوق منبرها أروع معاني الجهاد،".
هنا تتضح الصورة الكبرى؛ إن مواجهة الطغاة والفاسدين ليست محطة تاريخية مضت، بل هي:
"عقيدة حركية" باقية.
لقد ترك السيد الشهيد للأمة "صفحة مشرقة وضّاءة" تتعلم منها كيف تقاوم "الظلم والاحتلال والفساد على حد سواء".
إن الجمعة المدوية التي سطر من فوق منبرها أروع معاني الجهاد، لا تزال تتردد أصداؤها لتبني أجيالاً ترفض الاستسلام، وترفع راية الحق، ممهدةً الطريق ليوم الظهور المقدس.
بهذا الفهم العميق، ندرك لماذا سلّم نجله (القائد) على روحه الطاهرة بصفة "نائب الإمام المهدي في هدايته وولايته".
فقد أثبت بدمائه وكفنه، بزئيره في السجون، وبهندسته للبنيان المرصوص، أنه:
الممهد الأكبر،
الذي تصدى للطواغيت بقلبٍ مفعم باليقين، فكان بحق السيف المشرع والموطئ الأول لدولة العدل الإلهي في عصر غيبة إمام زمانه.