اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
التأمين أو نِظَامُ التأمين أو الضَّمَان هو وسيلةٌ لِمُواجهة المخاطر التي يتعرَّض لها الإنسان في كيانه أو أمواله أثناء فترة حياته في سبيل التخفيف من وطأتها. جوهرُ هذه الوسيلة هو التعاون الذي يتحقق باشتراك الأشخاص المُعرَّضين لِذات الخطر في مُواجهة الآثار التي تنجم عن تحقيقه بالنسبة لِبعضهم، وذلك بدفع كل منهم لاشتراك أو لقسطٍ، وتُجمَّع المبالغ المُتحصِّلة ثُمَّ تُوزَّع على من تحلُّ بهم الكارثة. وبهذا تُحقق آثار الكارثة على المُشتركين في تحقيق هذا التعاون. فالتأمين هو واقعٌ عمليّ، وهو من أفضل الوسائل التي تُمكِّنُ الإنسان من التخفيف من آثار الكوارث، سواء وقعت هذه الكوارث بفعل الشخص نفسه، بتقصيرٍ منهُ أو بإهماله، أو بِفعل الغير. وهو وسيلةُ الأمان التي تتفق وروح العصر الحديث الذي كثُرت فيه مُتطلبات الحياة وازداد فيه خطر الآلة وأصبحت مخاطر التطوّر فيه واضحة.
كانت فعاليَّة التأمين، باعتباره الوسيلة الحديثة لِمُواجهة المخاطر وما تُرتبهُ من آثار، هي السبب الأبرز الذي أدَّى إلى ازدهاره، وتنوُّع مجالاته، وتطوُّره، وامتداده إلى المجالات المُختلفة، ليُؤمن الأفراد من كُلِّ خطرٍ يتعرَّضون له سواء في أموالهم أو أشخاصهم. وفعاليَّة التأمين أيضًا أدَّت إلى قيام بعض الدُول بِفرض بعض أنواعه ضمانًا لِحُصول بعضُ فئات الشعب على تعويضٍ عن وُقوع حادثٍ مُعيَّن.
ونظامُ التأمين يفترض وُجود أداة قانونيَّة تُنظِّم علاقة المُؤمِّن بالمُؤمَّن لهم، هي عقدُ التأمين. غير أنَّ التأمين لا يقتصر على هذا الجانب، فالتأمين بالإضافة إلى ذلك عمليَّة فنيَّة تستعين فيها شركاتُ التأمين بوسائل فنيَّة حتَّى تتمكَّن من تحقيق أهدافها في تغطية ما يقع من مخاطر، فهي تستعمل العناصر الفنيَّة اللَّازمة لِإدارة عمليَّات التأمين، كالقواعد المُستمدَّة من علم الإحصاء ونِظام المُقاصَّة بين المخاطر وتطبيق قانون الكِثرة، إضافةً إلى قواعد الإدارة الماليَّة. وبذلك تتمكَّن من تحقيق هدف تغطية المخاطر التي تُحيق بالمُؤمَّن لهم، وفي ذات الوقت يتمكَّن المُؤمِّن -شركة التأمين- من إدارة مشروع التأمين بما يُحقق أغراضه الاستثماريَّة، لِيُجني بعض الربح ويُساهم في تحقيق أغراض الاقتصاد القومي.
«التَّأْمِيْنُ» لُغةً من «أَمَّنَ»، والأمن ضدَّ الخوف، وهو يعني: سُكونُ القلب واطمئنانه وثقته. قيل: «وَأَصْلُ الأَمْنِ طَمَأْنِيْنَةُ النَّفْسِ وَزَوَالُ الخَوْفِ، وَالأَمْنُ وَالأَمَانَةُ وَالأَمَانُ فِي الأَصْلِ مَصَادِر، وَيُجْجَلُ الأَمَانُ تَارَةً اسْمًا لِلْحَالَةِ الَتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الإِنْسَانُ فِي الأَمْنِ، وَتَارَةً اسْمًا لِمَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ». وهو يُجمعُ على تَأْمِيْنَات.
تعدَّدت التعريفات الفقهيَّة للتأمين واختلفت فيما بينها. ويرجع ذلك بصفةٍ أساسيَّةٍ إلى أنَّ التأمين ينطوي على جانبين، الجانب الأوَّل قانوني، والآخر فني. فمن الفُقهاء من ركَّز على الجانب الأوَّل مُبرزًا أداة التأمين القانونيَّة، أي عقد التأمين، ومنهم من ركَّز على الجانب الفني للتأمين على حساب جانبه القانوني. فيما يذهب جمهور الفُقهاء إلى أنَّ التعريف الدقيق للتأمين يجب أن يتعرَّض لِجانبيه القانوني والفني، وإلَّا كان تعريفًا ناقصًا. والجانب القانوني للتأمين يتمثَّل في العلاقة بين المُؤمِّن والمُؤمَّن له، والتي تنشأ عن عقد التأمين الذي يربط بينهما. وهذه العلاقة تفترض أنَّ هُناك خطرًا، أو حادثًا، يُخشى وُقوعه للمُؤمَّن لهُ. فيسعى هذا الأخير لِتأمين نفسه من هذا الخطر، أو الحادث، وذلك عن طريق التعاقد مع المُؤمّن. وهو عادةً شركة التأمين. الذي يلتزم بتغطية هذا الخطر عند وقوعه، مقابل قسطٍ مُعيَّنٍ يلتزم بِدفعه المؤمَّن له. أمَّا الجانب الفني للتأمين، فيتجاوز تلك العلاقة الفرديَّة، ويتمثَّل في الأُسس الفنيَّة التي يستند إليها المُؤمّن في تغطية الخطر. ذلك أنَّ المُؤمِّن عند قيامه بتغطية الخطر المُؤمَّن منهُ لا يقبل ذلك على وجه المُضاربة، وإلَّا أصبح التأمين عمليَّة مُقامرة أو مُراهنة، وكان عقدًا غير مشروع، وإنَّما تقوم شركة التأمين بالتعاقد مع عددٍ كبيرٍ من المُؤمَّن لهم وتتقاضى من كُلٍّ منهم قسطًا مُعينًا بحيثُ أنَّهُ عند تحقق الخطر لِأحدهم، تقوم الشركة بِتعويضه بمجموعة الأقساط التي تتقاضاها من سائر المُؤمَّن لهم. وتقوم الشركة عند تحديد القسط الواجب على المُؤمَّن له دفعه بالاستعانة بِقوانين الإحصاء، بحيثُ يُمكنُ تحديده بدقَّة على نحوٍ لا يُعرِّضها للخِسارة أو لِخطرٍ جسيمٍ. ومُؤدّى ذلك أنَّ عمليَّة التأمين تقومُ على تعاون المُؤمَّن لهم لِمُواجهة الأخطار التي يتعرضون لها، ويكون دورُ المُؤمِّن إدارة هذا التعاون وتنظيمه، استنادًا إلى الأُسس الفنيَّة وقوانين الإحصاء. ومن هُنا يُمكنُ مُلاحظة ما يؤخذ على الكثير من التعريفات الفقهيَّة للتأمين.
عرَّف الفقيه الفرنسي مارسيل فرديناند پلانيول التأمين بأنَّهُ «عقدٌ يتعهَّد بِمُقتضاهُ شخصٌ يُسمّى المُؤمِّن أن يُعوِّض شخصًا آخر يُسمَّى المُؤمَّن لهُ عن خسارةٍ احتماليَّةٍ يتعرَّضُ لها هذا الأخير، مُقابل مبلغٍ من النُقود هو القسط الذي يقوم المُؤمّن له بدفعه إلى المُؤمِّن». وذهب جانبٌ من الفقه المصري في تعريف التأمين بأنَّهُ «عقدٌ يأخُذُ فيهِ المُؤمِّن على عاتقهِ طائفة مُعيَّنة من الأخطار، يخشى العاقدان وُقوعها، ويرغب المُستأمن ألَّا يتحمَّلها مُنفردًا، في مُقابل جعل يُسمّى قسط التأمين أو الاشتراك يدفعهُ المُستأمن». وقد أُخذ على هذين التعريفين وما شابههما، النظر إلى التأمين من ناحيته القانونيَّة فقط باعتباره عقدًا يتمُّ بين شخصين هُما المُؤمِّن والمُؤمَّن لهُ، وإغفاله الناحية الفنيَّة للتأمين والأُسس الفنيَّة التي تقوم عليها عمليَّة التأمين، وعدم إبرازه لفكرة التعاون بين المُؤمَّن لهم. كما أُخذ على هذا التعريف أيضًا أنَّهُ ليس تعريفًا جامعًا، فهو يُقيِّمُ التأمين على أساس أنَّهُ يؤدّي إلى تعويض المُؤمَّن لهُ عن خسارةٍ احتماليَّةٍ، فهذا الوصف لا يصدق إلَّا على التأمين من الأضرار، كالتأمين ضدَّ الحريق أو ضدَّ السرقة.
وأراد بعض الفقهاء وضع تعريفٍ للتأمين يجمع بين جانبيه الفني والقانوني، فعرَّفوه بأنَّهُ: «عمليَّة فنيَّة تُزاولها هيئاتٌ مُنظمةٌ مُهمتها جمع أكبر عددٍ مُمكن من المخاطر المُتشابهة، وتحمُّل تبعتها عن طريق المُقاصة وفقًا لِقوانين الإحصاء، ومن مُقتضى ذلك حُصول المُستأمن أو من يُعينه، حال تحقق الخطر المُؤمَّن منه، على عوضٍ ماليٍّ يدفعهُ المُؤمِّن في مُقابل وفاء الأوَّل الأقساط المُتفق عليها في وثيقة التأمين». وأُخذ على هذا التعريف أنَّهُ اهتمَّ بإبراز الجانب الفني لِفكرة التأمين أكثر من اهتمامه بالجانب القانوني لِهذه الفكرة، كما أُخذ عليه أيضًا النقصُ في بعض الإيجاز. وفي مُحاولةٍ لِإبراز جانبيّ التأمين، الفني والقانوني، على قدم المُساواة، اتَّجه بعضُ الفُقهاء الفرنسيين إلى وضع تعريفٍ قانونيٍّ للتأمين يليه التعريف الفني لِهذه العمليَّة. حيثُ يرى هؤلاء الفُقهاء أنَّ التعريف القانوني لِعقد التأمين يُصبح لا معنى لهُ ما لم يُكمَّل بتعريفٍ فنيٍّ لِعمليَّة التأمين. وعلى ضوء ذلك عرَّفت الفقيهة إيڤون لامبرت فاڤر التأمين على النحو التالي:
كان للتعريف الأخير الفضل في إبراز جانبيّ عمليَّة التأمين ووضعها على ذات المُستوى من الأهميَّة، دون تغليب لِأحدهما على الآخر. ورُغم ذلك فإنَّهُ يؤخذ عليه الفصل بين جانبيّ التأمين في تعريفين مُستقلين على نحوٍ قد يوحي بأنَّ الأمر يتعلَّق بشيئين مُنفصلين، مع أنَّ الحقيقة خِلاف ذلك، فالمقصود وضع تعريف للتأمين وهو عمليَّة واحدة وإن تعددت جوانبها. لذلك فضَّل جمهور الفُقهاء وضع تعريفٍ واحدٍ للتأمين يُحيطُ في ذات الوقت بجانبيه القانوني والفني. ولذلك فقد ساد في الفُقه الفرنسي تعريف الفقيه جوزف هيمار للتأمين، حيثُ عرَّفهُ بأنَّهُ: «عمليَّةٌ يحصلُ فيها أحد الطرفين، وهو المُؤمَّن له، نظير قسطٍ يدفعهُ على تعهّد الطرف الآخر وهو المُؤمّن، بأداءٍ مُعيَّنٍ عند تحقق الخطر المُتفق عليه من الطرف الآخر، وهو المُؤمِّن، تعهُّدٍ بِمُقتضاه يدفعُ هذا الأخير أداءً مُعينًا، وذلك بأن يأخذ المُؤمَّن على عاتقه مجموعةٌ من المخاطر، ويُجري بينها المُقاصَّة طبقًا لِقوانين الإحصاء». ويؤيِّد غالبيَّة الفُقهاء في الدُول ذات النظام القانوني اللاتيني (الفرنسي) هذا التعريف.
يُقصدُ بالتعريف التشريعي للتأمين ذلك التعريف الذي وضعهُ المُشرعون في دولةٍ ما، لذا فهو قد يختلف شكلًا بين دولةٍ وأُخرى، دون أن يختلف جوهرًا. فالفرق بين تعريف المُشرّع المصري والمُشرّع اللُبناني للتأمين على سبيل المِثال يكمن في المُصطلحات المُستخدمة. فالمُشرِّع اللُبناني يستخدم مُصطلح «الضمان» بدلًا من «التأمين»، و«الضامن» بدلًا من «المؤمِّن»، و«المضمون» بدلًا من «المُؤمَّن لهُ». ويُراعى أنَّ السائد في القوانين العربيَّة استخدام مُصطلح التأمين، ومؤمِّن ومُؤمَّن لهُ. ومن الأمثلة على التعريفات التشريعيَّة:
تُشيرُ الدلائل والمُكتشفات الأثريَّة إلى أنَّ بعض التُجَّار القُدماء في بابل والصين اتبعوا أشكالًا من نظام نقل أو توزيع المخاطر مُنذُ الألفيتين الثالثة والثانية قبل الميلاد. فالتُجَّار الصينيّون المُتنقلون الذين كانوا يُسافرون عبر مجاري النهر السريعة الخطيرة، كانوا يُوزعون سلعهم في سُفنٍ عديدةٍ للحد من الخسارة بحال انقلبت السفينة أو غرقت أو سُرقت. وطوَّر البابليّون نظامًا للضمان ورد ذِكره في شريعة حمورابي الشهيرة حوالي سنة 1750 ق.م، كان يُطبَّقُ في بلاد ما بين النهرين وفي بعض بُلدان حوض البحر المُتوسِّط. ووفقًا لِهذا النظام، فقد كان يحقُّ للتاجر الذي استلف مبلغًا من المال لِتمويل تجارته أن يدفع للدائن مبلغًا إضافيًّا لِقاء ضمانة الأخير أن يُلغي القرض بحال ضاعت حُمولة البضائع أو سُرقت في البحر.
وفي الألفيَّة الأولى ق.م، ابتكر أبناء جزيرة رودس نظامًا تأمينيًّا عُرف باسم «المُتوسّط العام»، بحيثُ كانت مجموعةٌ من التُجَّار تدفعُ مبلغًا من المال لِضمان شحن بضائعها في ذات الوقت في السفينة ذاتها. وكانت الأقساط المجموعة تُستخدم لِإيفاء دُيون أي تاجرٍ تضررت بضائعه، أو فُقدت أثناء الشحن، سواء أكان السبب عاصفة أم الغرق.
ابتُكرت عُقودُ التأمين الخاصَّة أو المُنفصلة (مثل بوليصات التأمين غير المُثقلة بالقُروض أو الدُيون أو أي شكلٍ آخر من أشكال العُقود) في جُمهوريَّة جنوة خِلال القرن الرَّابع عشر الميلاديّ، وأوَّلُ عقد تأمينٍ مكتوب معروف فيها يرجعُ إلى سنة 1347م. وفي القرن التالي تطوَّرت فكرة التأمين تطوُرًا ملحوظًا، وانتشرت بين تُجَّار المُدن الإيطاليَّة، واختلفت أقساطها اختلافًا حدسيًّا باختلاف المخاطر المُتوقعة. سمحت عُقودُ التأمين الحديثة هذه بفصل التأمين عن الاستثمار لأوَّل مرَّة في التاريخ، وقد أثبت هذا الفصل جدواه بدايةً بالتأمين البحري.
من المُسلَّم به بين الشُرَّاح أنَّ التأمين البحري كان أوَّل صورة ظهرت للتأمين الحديث بمعناه السالِف الذِكر، وذلك في القرن الرَّابع عشر الميلاديّ إثر ازدهار التجارة البحريَّة وانتشارها بين المُدن الإيطاليَّة ودُول حوض البحر المُتوسِّط. ويرجع انتشار التأمين البحري إلى عقد القرض البحري المُسمّى «عقد المخاطر الجسيمة». وهو نوعٌ من العُقود كان ذائعًا من قبل في روما وأثينا. وبِمُقتضى هذا العقد يقترض صاحب السفينة مبلغًا من المال لِإصلاحها وتجهيزها، أو يحصل بِمُقتضاه صاحب الشحنة على مبلغٍ يوفي به ثمن البضاعة التي تتكوَّن منها الشحنة، وتكون السفينة أو شحنتها في الحالتين ضامنة لاسترداد مبلغ القرض وفوائده. ويتضمَّن هذا الاتفاق أيضًا شرطًا يقضي بأنَّهُ إذا غرقت السفينة أو أصاب شُحنتها تلف، لا يسترد المُقرض شيئًا، أمَّا إذا وصلت سالمة، التزم المُقترض بِرد مبلغ القرض مع فائدته الباهظة. غير أنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة اعتبرت أنَّ هذا العقد غير شرعي لِما يتضمَّنه من فوائد مُحرَّمة في العقيدة المسيحيَّة، فحرَّمت اشتراط الفائدة في جميع القُروض ومنها القرض البحري، وقد تمَّ ذلك بمُقتضى مرسومٍ من البابا گريگوري التَّاسع سنة 1234م. أدَّت فتوى الكنيسة سالِفة الذِكر إلى ظُهور نظامٍ جديد، يقترب إلى حدٍ بعيدٍ من عقد التأمين بمعناه الحالي، لِمُواجهة المخاطر البحريَّة. وقد تمثَّل هذا النظام في عقد بيعٍ مُعلَّق على شرطٍ فاسخ بِمُقتضاه يتَّفق شخص على شراء السفينة وما عليها من البضاعة بِثمنٍ يدفعهُ هذا المُشتري (المُؤمِّن) إذا لم تصل البضاعة سالمة، وهذا العقد كان يتضمَّن شرطًا فاسخًا، بِمُقتضاهُ يكونُ البيعُ مفسوخًا إذا وصلت السفينة لِميناء الوُصول، مع تعهُّد صاحب السفينة، وهو في نفس الوقت البائع والمُؤمَّن لهُ، بدفع مبلغٍ مُعيَّنٍ للمُشتري مُقابل تحمُّلهُ هذه المُخاطرة. ويرى الشُرَّاح أنَّ عناصر عقد التأمين الأساسيَّة قد وُجدت خِلال تطوُّر هذه العمليَّة، فهُناك العوض المالي الذي يجب دفعه عند وُقوع الكارثة، وهُناك القِسط وهو مُقابل تحمُّل الخطر، وكذلك الخطر المُؤمَّن منهُ.
أمَّا فيما يتعلَّق بالتأمين البرّي فقد تأخَّر ظُهوره إلى القرن السَّابع عشر الميلاديّ. ففي هذا القرن، وتحديدًا سنة 1666م، اندلع حريقٌ هائلٌ في لندن دمَّر كاتدرائيَّة القدّيس بولس الكبيرة و89 كنيسة وأكثر من 13,000 منزل. ولم توجد أي وسيلة لِتعويض الخسائر الناجمة عن هذا الحريق. وقد دفع هذا إلى ظُهور الحاجة إلى التأمين البرّي، فظهرت صورته الأولى في شكل التأمين ضدَّ الحريق، وقد أشار المُهندس السير كريستوفر رن إلى تخصيصه موقعًا «لِمكتبٍ تأميني» في مخطوطة إعادة إعمارها سنة 1667م. بعد ذلك جرت عدَّة مُحاولات لوضع نظامٍ تأمينيّ مُعين، يقي الناس من خطر الحرائق، إلَّا أنَّ أيًّا منها لم يُكتب له النجاح، ولكن في سنة 1681م أقدم الاقتصادي نِقولا باربون على تأسيس أوَّل شركة تأمين ضدَّ الحريق بالتعاون مع أحد عشر شخصًا، وأُطلق عليها تسميه «مكتب التأمين للدُور» (بالإنگليزيَّة: The Insurance Office for Houses)، وأبرم حوالي 5,000 صاحب منزل عقودًا معها. ومن إنگلترا انطلقت فكرة التأمين ضدَّ الحريق إلى كثيرٍ من البُلدان منها فرنسا، والتي تكوَّنت فيها أوَّل شركة لِتأمين مخاطر الحريق في سنة 1750م. ويُلاحظ أنَّ التأمين ضدَّ خطر الحريق كان في البداية مقصورًا على العقارات فقط دون المنقولات، ولكن تطوّر الأمر أدّى إلى شمله إيَّاها أيضًا. وشهدت نهاية القرن الثامن عشر الميلاديّ انتشار التأمين ضدَّ الحريق في البلاد الأوروپيَّة والأمريكيَّة بِكافَّة خصائصه القانونيَّة والفنيَّة المعروف بها الآن.
ترافق ظُهور أولى شركات التأمين مع أولى المُخططات التأمينيَّة للاكتتاب بواسطة رؤوس الأموال الاستثماريَّة. وبحُلول أواخر القرن السَّابع عشر، أدَّى تنامي أهميَّة لندن كمركزٍ تجاريٍّ عالميّ إلى ارتفاع الطلب على التأمين البحري. وفي أواخر عقد الثمانينيَّات من القرن سالف الذِكر، افتتح إدوارد لويد مقهىً أصبح فيما بعد مُلتقى جميع الفُرقاء العاملين في التجارة البحريَّة والشحن، والراغبين بتأمين بضائعهم وسُفنهم، وأولئك المُستعدين للمُوافقة على الدُخول في مثل هذه المشاريع. أدَّت هذه البدايات المُتواضعة اللارسميَّة إلى تأسيس سوقٍ ائتمانيَّة، عُرفت مُنذُ ذلك الوقت باسم «لويدز لندن» (بالإنگليزيَّة: Lloyd"s of London)، وعدَّة شركات ومشاريع تأمين وشحن أُخرى مُرتبطة بها.
أمَّا التأمين على الحياة فقد تأخَّر في الظُهور نظرًا لاعتباره في البداية عملًا مُنافيًا للأخلاق والدين المسيحيّ ونوعًا من المُقامرة على حياة الإنسان. لذلك فقد حرَّمه المُشرِّعون في الكثير من أنحاء أوروپَّا، وحُرِّم في فرنسا بالأمر الذي أصدرهُ الملك لويس الرَّابع عشر سنة 1681م. غير أنَّهُ في القرن الثامن عشر بدأت تظهر الإحصاءات الخاصَّة بِالوفاة ممَّا أمكن معه تحديد درجة احتمال خطر الوفاة، وبذلك أصبح من المُمكن تحديد قسط التأمين على أُسسٍ علميَّةٍ وفنيَّةٍ، بعد أن كانت نوعًا من المُقامرة، وأدَّى ذلك إلى ظُهور التأمين على الحياة. وكانت أوَّل شركة تأمين من هذا النوع في إنگلترا هي «مكتب المُجتمع المُتحاب للتأمين الدائم» (بالإنگليزيَّة: Amicable Society for a Perpetual Assurance Office)، وقد تأسست سنة 1706م على يد القس وِليم طالبوت والسير طوماس ألان. وفي سنة 1762م، أسس إدوارد رو موريس شركة تأمينٍ أُخرى هي «مُجتمع تأمين الحياة المُنصف» (بالإنگليزيَّة: The Equitable Life Assurance Society). وظهرت أوَّل شركة فرنسيَّة للتأمين على الحياة سنة 1787م، وكان اسمها «الشركة الملكيَّة للتأمين» (بالفرنسية: Compagnie Royale d’assurances). ومُنذُ ذلك التاريخ ومع تقدّم أُسس الإحصاء التي يُعتمد عليها في تحديد درجة احتمال خطر الوفيَّات وقيمة الأقساط ذاع التأمين على الحياة وانتشر.
أمَّا التأمين من المسؤوليَّة فقد ظهر نتيجة التغييرات الاقتصاديَّة، والتطوُّرات التي أدَّت إليها الثورة الصناعيَّة، وانتشار الآلات الميكانيكيَّة، والسيَّارات، ووسائل النقل البرّي والبحري والجوّي. فقد أدّى هذا التطوّر إلى زيادة نشاط الإنسان وتوسُّعه، وصاحب ذلك كثرة الحوادث، وكثرة دعاوى المسؤوليَّة المدنيَّة عن الإصابات التي تحدث للغير. ودفع ذلك إلى ظُهور وتطوّر نظام التأمين ضدَّ المسؤوليَّة، حيثُ يؤمِّن الشخص مسؤوليَّته الناتجة عن استخدام وسائل المدنيَّة الحديثة مثل التأمين ضدَّ حوادث السيَّارات، والتأمين ضدَّ المسؤوليَّة عن الحوادث التي تقع للعُمَّال بسبب الآلات الميكانيكيَّة وأدوات المدنيَّة الحديثة، حيثُ يقومُ أصحاب الأعمال بالتأمين ضدَّ مسؤوليَّتهم بسبب تلك الحوادث، أو بتأمين عُمَّالهم مُباشرةً ضدَّ الحوادث التي يتعرَّضون لها أثناء قيامهم بعملهم. ويُلاحظ أنَّ التأمين ضدَّ الحوادث كان في بداية الأمر أشبه بالتأمين ضدَّ العجز المُعاصر. وأوَّلُ الشركات التي قدَّمت تأمينًا ضدَّ الحوادث كانت «شركة تأمين رُكَّاب السكك الحديديَّة» (بالإنگليزيَّة: Railway Passengers Assurance Company)، وهي شركةٌ إنگليزيَّةٌ تأسست سنة 1848م لِضمان الأضرار الحاصلة بسبب ارتفاع نسبة ضحايا القطارات.
بحُلول أواخر القرن التاسع عشر، أخذت الحُكومات الأوروپيَّة تُطلق برامجًا تأمينيَّة وطنيَّة ضدَّ المرض والعجز، وكانت ألمانيا من الدُول الرائدة في هذا المجال، إذ كانت قد شرعت في تطبيق مشاريع خيريَّة في كُلٍّ من بروسيا وسكسونيا مُنذُ عقد الأربعينيَّات من القرن سالِف الذِكر، وخلال عقد الثمانينيَّات منه أدخل المُستشار أوتو ڤون بسمارك نظام معاشات العجزة، والتأمين ضدَّ الحوادث، والرِعاية الطبيَّة، فشكَّلت هذه الأُسس التي نمت عليها ألمانيا كدولةٍ رفاهيَّة. وفي بريطانيا شُرِّعت عدَّة قوانين وأنظمة على نحوٍ أوسع خِلال عهد الحُكومة الليبراليَّة سنة 1911م، ومن أبرزها قانون التأمين الوطني الذي منح الطبقة الكادحة البريطانيَّة أوَّل نظامٍ تأمينيٍّ مُساهمٍ ضدَّ المرض والبطالة. وسِّعَ هذا النظام على نحو مُكثَّفٍ بعد الحرب العالميَّة الثانية بفضل تقرير بڤريدج، لِتدخل البلاد بفضله في عداد دُول الرفاهيَّة.
هذا وقد تطوَّر التأمين خِلال القرن العشرين تطورًا هامًّا، وأصبح مُلازمًا لِأوجه النشاط الإنساني المُختلفة، لا سيَّما في مجال التأمين ضدَّ المسؤوليَّة، ومن أهمها تأمين أرباب المهن الحُرَّة، كالأطبَّاء والصيادلة والمُهندسين المعماريين والمُحامين وغيرهم، من المسؤوليَّة المدنيَّة الناشئة عن أخطائهم. كما ظهرت صورٌ أُخرى للتأمين لم تكن معروفةٌ من قبل، كالتأمين من المخاطر الذريَّة، والتأمين من أخطار استخدام الحاسبات الآليَّة والإلكترونيَّة.
أقدم البُلدان العربيَّة اعتمادًا للتأمين هي مصر. وقد بدأ المُشرّعون المصريّون بتنظيم التأمين البحري في المواد من 173 إلى 234 من قانون التجارة البحري الصادر سنة 1883م، والذي حلَّ محلّه لاحقًا قانون التجارة البحريَّة رقم 8 لِسنة 1990م. وفي المُقابل ظلَّت الأنواع الأُخرى من التأمين بلا تنظيم تشريعي في القانون المدني القديم، حتَّى صدر التقنين المدني الحالي حيثُ ضمَّن المُشرّع هذا التقنين تنظيم عقد التأمين في المواد 747 وما بعدها، وقد تأثَّر المُشرِّع المصري في هذه الأحكام بِقانون التأمين الفرنسي الصَّادر في سنة 1930م. هذا ويُراعى أنَّ عدم تنظيم عقد التأمين البرّي قبل صُدور التقنين المدني الحالي لم يكن يعني عدم الاعتراف بِنظام التأمين أو بالعُقود التي كانت تُبرم والمُتعلِّقة بِصور التأمين المُختلفة. فقد انتشر نظام التأمين مُنذُ وقتٍ مُبكرٍ في مصر وعُرضت على القضاء مُنازعاتٍ كثيرةٍ تتعلَّق بأنواع التقنين المُختلفة. وكان القضاء المصري يلجأُ بدايةً في سبيل الفصل في مُنازعات التأمين إلى القواعد العامَّة، وكان من الطبيعي أن يلجأ أولًا إلى قياس أحكام التأمين البري على أحكام التأمين البحري التي تضمَّنها قانون التجارة البحريَّة. وعلى هذا النحو كانت أحكام التأمين البحري تمتد إلى التأمين البرّي وذلك بالقدر الذي يتلاءم فيه معها. غير أنَّ هذا القياس لم يكن مُجديًا في كثيرٍ من الأحيان، نظرًا لِما بين النظامين من فوارق جوهريَّة. لذلك كان القضاء يُطبّق القواعد العامَّة في الالتزامات والعُقود لِمُواجهة الصُور المُختلفة التي لم يكن مُجديًا القياس فيها على التأمين البحري. وقد أعمل القضاء في هذا النطاق القاعدة الأساسيَّة التي تقضي بأنَّ العقد شريعة المُتعاقدين. هذا ويُلاحظ أنَّ المشروع التمهيدي للتقنين المدني المصري الحالي كان يتضمَّن تسعًا وتسعين مادَّة في التأمين، وقد حذفت لجنة المُراجعة بعض المواد التي تتناول أحكامًا تفصيليَّة، ثُمَّ رأت لجنة القانون المدني بِمجلس الشُيوخ حذف الكثير من نُصوص هذا المشروع استنادًا إلى أنَّ تنظيم تفاصيل هذا العقد يتطلَّب الإفاضة على نحوٍ يخلُّ بتناسق القسم الخاص بالعُقود، وأنَّ عقد التأمين لا يزال في عُنفوان تطوُّره ومن الأنسب أن تكون تفاصيله بعيدة عن نطاق التقنين، وعلى هذا الأساس أصبحت المواد التي تُنظم التأمين في القانون المدني المصري خمسًا وعشرين مادَّة، الأمر الذي جعل البعض يصفُ التشريع المصري بأنَّهُ تشريعٌ ناقص في هذا الخُصوص.
وقد دعت الحاجة إلى صُدور بعض التشريعات الخاصَّة بأنواعٍ مُعيَّنةٍ من التأمين جعلها القانون إجباريَّة حمايةً لِبعض الفئات، ومن ذلك التأمين ضدَّ المسؤوليَّة الناشئة عن حوادث وأمراض المهنة وغيرها من المخاطر الاجتماعيَّة التي تضمَّنتها قوانين التأمين الاجتماعي. ولمَّا اتسع نشاط شركات التأمين في مصر وازدادت أهميَّتها على المُستوى الاقتصادي والاجتماعي، تدخَّل المُشرِّع لِتنظيم الرقابة والإشراف على هيئات التأمين بِقصد الوُقوف على مدى اتباعها للأُسس التي يقوم عليها التأمين وحماية حُقوق المُؤمَّن لهم ومُراقبة مدى وفاء هذه الهيئات بِتعهُداتها. وقد كان أوَّل تدخل تشريعي في هذا الصدد بمُقتضى القانون رقم 92 لِسنة 1939م. وفي شهر تمّوز (يوليو) 1960 صدر القانون رقم 1961 بِتأميم شركات التأمين، ثُم تبع ذلك إنشاء المُؤسسة المصريَّة العامَّة للتأمين لِتضم جميع شركات التأمين وتنسيق العمل بينها. وعلى أثر سياسة الانفتاح الاقتصادي أُتيحت الفرصة للقطاع الخاص للعمل في مجال التأمين من جديد، واستتبع ذلك ضرورة مُراقبة التشريعات المُنظمة لِهيئات التأمين والرَّقابة عليها بما يتَّفق والتوجُهات الاقتصاديَّة الجديدة، فصدر لِذلك القانون رقم 119 لِسنة 1975م بشأن شركات التأمين ليحُل محل القانون رقم 195 لِسنة 1959م، كما صدر قرار رئيس الجُمهوريَّة رقم 221 لِسنة 1976م بإنشاء الهيئة المصريَّة العامَّة للتأمين لِتحل محل المؤسسة العامَّة للتأمين. ثُمَّ صدر بعد ذلك القانون رقم 10 لِسنة 1981م الذي ألغى القانون والقرار السابقين وأحلَّ محلهما قانونًا جديدًا هو قانون الإشراف والرقابة على التأمين في مصر. وفي مُنتصف التسعينيَّات ونتيجة لِمُتطلبات سياسات الإصلاح الاقتصادي وتحرير السوق تمَّ تعديل القانون رقم 10 لِسنة 1981م بموجب القانون رقم 91 لِسنة 1995م لِيسمح بمُشاركة أجنبيَّة بِنسبة 49%، ثُمَّ تمَّ تعديلُ القانون الأخير بمُوجب القانون رقم 156 لِسنة 1998م ليسمح بمُشاركة أجنبيَّة حتى نسبة 100%. وأخيرًا، فقد صدر القانون رقم 118 لِسنة 2008م والذي ألزم شركات التأمين التي تجمع بين نشاطيّ تأمينات الحياة وتأمينات المُمتلكات بأن تفصل بينهم في خلال سنتين من تاريخ صُدور القانون ويجوز مد هذه المهلة لمهلة أُخرى بموافقة الهيئة.
وفي لُبنان عرض المُشرِّع للضمان البحري في القانون البحري في المادَّة 293 وما بعدها من هذا القانون. أمَّا التأمين البرّي فلم يوجد له تنظيم تشريعي قبل صُدور المجموعات القانونيَّة الحديثة حتَّى صدر قانون الموجبات والعُقود، حيثُ عرض لِأحكام الضمان في الباب الأوَّل من الكتاب العاشر. وقد جاء قانون المُوجبات والعُقود اللُبناني أكثر تفصيلًا في هذا الصدد من القانون المدني المصري، حيثُ تناول الأحكام العامَّة للتأمين وكيفيَّة إثبات عقد الضمان ومُوجبات الضامن والمضمون وأسباب البُطلان والفسخ، وتأثير مُرور الزمن على العقد، وخصص فُصولًا للحديث عن ضمان الحريق وضمان الحياة وضمان الحوادث. وقد تأثَّر المُشرِّع اللُبناني في صياغته للنُصوص سالِفة الذِكر بِقانون التأمين الفرنسي الصَّادر في سنة 1930م، هذا بالإضافة إلى تأثره ببعض القوانين الأُخرى في هذا المجال كالقانون السويسري الصادر في سنة 1908م والقانون الألماني الصادر في ذات السنة. ويُلاحظ أنَّ القانون اللُبناني لم يهتم بالضمان الإجباري عن طوارئ العمل أو عن أمراض المهنة أو غيرها إلَّا في مرحلةٍ حديثةٍ بإصدار قانون الضمان الاجتماعي بالمرسوم رقم 13955 في 26 أيلول (سپتمبر) 1963م. وبمُقتضى هذا القانون أنشأ المُشرِّع اللُبناني صُندوقًا وطنيًّا للضمان الاجتماعي اعتُبر مؤسسةً مُستقلَّةً ذات طابعٍ اجتماعيٍّ، تتمتع بالشخصيَّة المعنويَّة وبالاستقلال المالي والإداري. ويضُمُّ هذا الصُندوق جهة الضمان التي تتعلَّق بضمان الأُمومة، وطوارئ العمل والأمراض المهنيَّة ونظام التعويضات العائليَّة ونظام تعويض نهاية الخدمة. وبذلك بدأ نظام التأمين الإجباري يدخل في مجال التشريع اللُبناني. مع مُلاحظة أنَّ هذا الضمان يدخل في إطار الضمان الاجتماعي وليس الضمان الخاص الذي يتم بين الأشخاص وشركات التأمين. أمَّا بالنسبة للضمان الإجباري عن حوادث السيَّارات فالمُلاحظ أنَّهُ رُغم إشارة قانون السير رقم 76 الصَّادر في 26 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1967م إلى هذا الضمان بمُقتضى المادَّة 734 «ب» منه إلَّا أنَّ القانون الخاص بهذا الضمان تأخَّر صُدوره إلى سنة 1977م، حيثُ صدر المرسوم الاشتراعي رقم 105 في 3 حُزيران (يونيو) من تلك السنة، الخاص بالضمان الإلزامي للمسؤوليَّة المدنيَّة عن الأضرار الجسديَّة التي تُسببها المركبة البريَّة للغير. ووفقًا للمادَّة الثامنة من المرسوم، يجب إنشاء مؤسسة خاصَّة ذات منفعة عامَّة تُعرف باسم «المؤسسة الوطنيَّة للضمان الإلزامي» تتولّى المهام المُحددة في المرسوم الاشتراعي، غير أنَّ القانون المُنظم للضمان الإلزامي عن حوادث السيَّارات لم يدخل حيِّز التنفيذ إلَّا بعد 26 سنة، وتحديدًا في 5 نيسان (أبريل) 2003م، بعد إجراء بعض التعديلات عليه. أمَّا عن تنظيم عمليَّات الضمان والإشراف على الهيئات القائمة بها، فقد تأخَّر هذا التنظيم أيضًا في ظل التشريع اللُبناني. فلم يصدر مثل هذا التنظيم إلَّا بالمرسوم رقم 9812 الصَّادر في 4 أيَّار (مايو) 1968م وذلك بقصد تنظيم هيئات الضمان في لُبنان. وقد أخضع هذا القانون لِأحكامه جميع الشركات والجماعات والمؤسسات اللُبنانيَّة والأجنبيَّة، التي تُزاول أو قد تُزاول في لُبنان كُل أو بعض العمليَّات التي تتعلَّق بصفة عامَّة بالضمان وإعادة الضمان في كافَّة المجالات التي ذكرها، سواء اتصلت بضمان الحياة والعجز والشيخوخة، وعمليَّات الاستثمار المُشترك، أم بعمليَّات الضمان وإعادة الضمان ضدَّ الأضرار الناجمة عن أخطار النقل، وضمان أجسام السفن البحريَّة والجويَّة، أم بِعمليَّات الضمان وإعادة الضمان الناجمة عن جميع الحوادث والمسؤوليَّة المدنيَّة والمركبات وطوارئ العمل والحوادث الشخصيَّة، وضمان القُروض وغير ذلك من الأخطار التي لم يُنص عليها صراحةً في هذا القانون.
تأسست شركة الكُويت للتأمين سنة 1960م بموجب المرسوم الأميري رقم 7 لِذات السنة، لِتكون بذلك الشركة الرائدة في مجالات التأمين الحيويَّة لِقطاع النفط والغاز في منطقة الخليج العربي. وكان الغرض من تأسيسها القيام بأعمال التأمين بجميع أنواعه كالتأمين على الحياة والتأمين ضد الحريق والسرقة والحوادث العامَّة والتأمين البحري والجوي والتأمين على السيارات، وكذلك القيام باستثمار رأس المال والموجودات المنقولة وغير المنقولة بالطريقة التي يقررها مجلس الأدارة مع مُراعاة أحكام القانون. وكانت الكُويت قد بدأت في تطبيق أنظمة المعاشات التقاعديَّة في 1 كانون الثاني (يناير) 1955م وذلك ضمن نظام الموظفين والتقاعد في الحكومة، ثم صدر أوَّل قانون مُستقــل للمعاشات بالمرسوم بالقانون رقم 3 لِسنة 1960م الذي بــدأ تطبيقـــه في 1 نيسان (أبريل) من ذات السنة، وشمل موظفي الحكومـــة من مدنيين وعسكريين، ثم تبعه قانون مُستقـــل لِمعاشات ومُكافآت التقاعد للعسكريين الصـادر بالمرسوم بالقانون رقم 27 لسنة 1961م والذي بدأ تطبيقه في 9 أيلول (سبتمبر) من ذات السنة. ولم يكن أيٌّ من الأنظمة السابقة نظامــًا مُتكاملًا للتأمينات الاجتماعيَّة حيثُ كانـــت تتنـاول جانبــًـا محدودًا منها يُغطي فئاتٍ مُحدَّدةٍ هي العاملون فـي الحُكومـــة مــــن المُعينين على وظائف دائمة والعسكريّون. صدر أوَّل قانون مُتكامل للتأمينات الاجتماعيَّة في 1 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1976م وذلك بالأمر الأميري بالقانون 61 للسنة المذكورة وقد أُنشئت بموجبه المؤسسة العامَّة للتأمينات الاجتماعيَّة لِتتولّى تطبيق النظام الصادر به، وهو يشمل تأمين الشيخوخة والعجز والمرض والوفاة للعاملين المدنيين في القطاع الحكومــي وفـي القطاعين الأهلي والنفطي، وتأمين الشيخوخة والعجز والمرض والوفاة لِغير العاملين لدي الغير من المُشتغلين لِحسابهم الخاص ومن في حُكمهم. وقد بدأ تطبيق القسم الأوَّل من القانون في 1 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1977م، والثاني في 1 آذار (مارس) 1981م، وقد بدأ التطبيق اختياريًّا لِمُدَّة خمس سنوات اعتبارًا من التاريخ المذكور، ثُمَّ أصبح هذا التأمين إلزاميًّا اعتبارًا من 1 آذار (مارس) 1986م. كذلك صدر القانون رقم 11 لِسنة 1988م بتطبيــق نظــام التأمينـــات الاجتماعيَّة اختياريًّا على الكويتيين العاملين لدي صاحــب عمل غير مُخاطب بقانون التأمينات الاجتماعيَّة داخل وخارج الكويت، وبدأ التطبيـــق في 1 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1988م. وفي سنة 1992م صدر القانون رقم 128 بِنظام التأمين التكميلي الذي عُمل به اعتبارًا من 1 كانون الثاني (يناير) 1995م، حيث اعتبر أنظمة التأمينات سالِفة الذِكر مدنيَّة كانت أو عسكريَّة أنظمة أساسيَّة يُكملها النظام التكميلي الذي يُغطي عناصر المُرتب التي لا تدخل في مفهوم المُرتب في التأمين الأساسي، ويُقرر عنها معاشًا يُحسب وفقًا لِقواعد خاصَّة، يُضاف إلى المعاش التقاعدي ويُعتبر جُزءًا منه.
يُنظمُ التأمين في الولايات المُتحدة الأمريكيَّة عبر قانون ماكاران - فيرگسون، المشهور باسم «القانون العام رقم 15»، وهو قانونٌ فدراليٌّ يُعفي شركات التأمين من أغلب التنظيمات والقوانين الاتحاديَّة، بما فيها قوانين مُكافحة الاحتكار الفدراليَّة حتَّى مقدارٍ مُعيَّن. وقد تمَّ إقرارُ هذا القانون سنة 1945م في الاجتماع التاسع والسبعين للكونغرس الأمريكي وذلك بعد أن أصدرت المحكمة العُليا للولايات المُتحدة قرارًا في قضيَّة الحُكومة ضدَّ جمعيَّة وكلاء الإقليم الجنوبي الشرقي للبلاد يقتضي بالسماح للحُكومة الفدراليَّة أن تُنظم وتضبط عمل شركات التأمين استنادًا إلى ما نصَّ عليه بند التجارة في الدُستور الأمريكي. وينُصُّ هذا القانون على وُجوب تقديم شركات التأمين الأمريكيَّة مجموعة من المُقترحات الدوريَّة تضمن تدخّل الحُكومة الاتحاديَّة في مجال التأمين، وإنشاء تحالف لاربحي من وكالات التأمين في كُلِّ ولايةٍ على حدى يُدعى «الجمعيَّة الوطنيَّة لِمُفوضي التأمين» (بالإنگليزيَّة: National Association of Insurance Commissioners) تعمل بِغرض التوفيق بين قوانين وتشريعات البلاد المُختلفة المُتعلِّقة بهذا الشأن. وأن يجري العمل بالتنسيق مع المُؤتمر الوطني لِمُشرعي التأمين (بالإنگليزيَّة: National Conference of Insurance Legislators) الذي يجب عليه كذلك أن يعمل على التوفيق بين قوانين التأمين في الولايات المُختلفة. هذا ويُلاحظ أنَّ التشريعات المُتعلِّقة بالتأمين بالولايات المُتحدة كانت تاريخيًّا تُسن من قِبل حُكومات الولايات المُنفردة، وأوَّلُ مُفوَّضٍ تأمينيّ تمَّ تعيينه في نيوهامشير سنة 1851م، ومُنذُ ذلك الحين ونظامُ التأمين الأمريكي في تطورٍ مُستمر. وفي سنة 2010م، أصدر الكونغرس قانون «دود فرانك لإصلاح سوق الأوراق المالية في وول ستريت وحماية المُستهلك» في سبيل الرفع من مُستويات الشفافيَّة والقابليَّة للمُساءلة في النظام المالي الأمريكي، في خُطوةٍ اعتبرها البعض تُمثلُ تغييرًا هامًّا في اللوائح الماليَّة الأمريكيَّة مُنذ فترة الكساد الكبير. وكان لِهذا القانون تأثيرًا ملحوظًا على نظام التأمين في الولايات المُتحدة، إذ أُنشئ بموجبه «مكتب التأمين الفدرالي» التابع لِوزارة الخزانة، وأُنيطت به صلاحيَّة مُراقبة جميع جوانب أعمال شركات التأمين في سبيل ضبط وتحديد أيَّة ثغرات قانونيَّة وتشريعيَّة في النظام التنظيمي للولاية حيثُ تتمركز تلك الشركة. كما أُنشئ بِموجب هذا القانون مجلس رقابة الاستقرار المالي المُكلَّف بِمُراقبة أسواق الخدمات الماليَّة، بما فيها شركات التأمين، في سبيل تحديد المخاطر التي قد تؤثر على الاستقرار المالي للولايات المُتحدة.
أدَّى إقرار القرار التوجيهي الثالث بشأن الضمان اللاحياتي والقرار التوجيهي الثالث بشأن تأمين الحياة سنة 1992م، ووضعهما موضع التنفيذ سنة 1994م، أدَّى إلى خلق سوقٍ تأمينيَّةٍ مُوحدةٍ في أوروبا، بحيثُ أصبح بالإمكان لأي شركة تأمين تحملُ جنسيَّة أي دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروپي أن تمنح خدماتها لأي شخص مُقيم فيها بعد أن تستحصل على الإذن اللازم من المركز الرئيسي. أمَّا بالنسبة للتأمين في المملكة المُتحدة فإنَّ هيئة الخدمات الماليَّة تتولّى تنظيمه مُنذ أن حلَّت محل مجلس المعايير العامَّة للتأمين سنة 2005م؛ ومن أبرز القوانين البريطانيَّة المُتعلِّقة بالتأمين قانون شركات التأمين لِسنة 1973م ونظيره لِسنة 1982م، وقانون سنة 2012م الذي أجرى عدَّة إصلاحات لِنظام الضمان. وفي فرنسا، فقد تمَّ تجميع الأحكام المُتعلِّقة بالتأمين في تقنينٍ واحدٍ سنة 1976م، وتضمَّن هذا التقنين بالإضافة إلى أحكام قانون التأمين الصادر في 13 تمّوز (يوليو) 1930م أحكام قانون التأمين البحري الصادر في 3 تمّوز (يوليو) 1967م، وكذلك كافَّة القوانين واللوائح والقرارات المُتعلِّقة بالتأمين. ويحتوي التقنين الحالي على ثلاثة أقسام: الأوَّل يتضمَّن الأحكام التشريعيَّة، والثاني يُخصص للوائح، والقسم الثالث يتضمَّن القرارات الوزاريَّة في شأن التأمين. ومُنذُ إصدار تقنين التأمين الفرنسي في سنة 1976م صدرت عدَّة قوانين أدَّت إلى تعديل أحكام هذا التقنين. ومن أهم هذه القوانين: القانون الصادر في 13 تمّوز (يوليو) 1982م الخاص بالتعويض عن المخاطر الطبيعيَّة، والقانون الصادر في 11 حُزيران (يونيو) 1985م بهدف تدعيم إعلام المؤمَّن لهم والشفافيَّة في عُقود التأمين على الحياة وتكوين الأموال، وقانون 5 تمّوز (يوليو) 1985م الهادف إلى تحسين تعويض ضحايا حوادث المُرور. وأخيرًا القانون رقم 89 الصادر في 31 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1989م، والهادف إلى تطويع تقنين التأمين الفرنسي لافتتاح السوق الأوروپيَّة.
من أبرز وظائف التأمين أنَّهُ يُقدِّمُ للإنسان المُؤمَّن له الأمان الذي يرغب في الحُصول عليه ضدَّ ما قد يلحقه من الأخطار التي تُهدده في نفسه أو في ماله، والذي تدفعهُ إليه غريزته الأساسيَّة. وهذا الأمان الذي يكفله التأمين يوجد في كافَّة أنواعه، سواء في التأمين من الأضرار أو تأمين الأشخاص. ففي التأمين من الأضرار يؤمِّن المُؤمَّن له ضدَّ الأخطار التي قد تُصيبه في ذمَّته الماليَّة. فإذا أمَّن على ماله ضدَّ خطر الحريق مثلًا، وتحقق هذا الخطر، وجد في مبلغ التأمين الذي يُستحق له ما يُعوضه عن تلك الخسارة، وما يُمكنهُ من الحُصول على بديلٍ لِما هلك من أمواله. وكذلك الحال في تأمين المسؤوليَّة، فقد أدَّت التطورات الحديثة إلى زيادة حالات المسؤوليَّة وأسبابها، وعن طريق التأمين ضدَّ المسؤوليَّة يستطيع الشخص أن يُجنِّب نفسهُ نتائج هذه المسؤوليَّة وأن يُباشر نشاطه بحُريَّةٍ واطمئنانٍ دون خوف. والتأمين على الأشخاص يلعب دورًا كبيرًا في بث روح الأمان والطمأنينة في النُفوس، فسلامة الجسد والروح من الأُمور التي لا تدوم، ولذلك يُمكنُ للإنسان، عن طريق التأمين، أن يقي نفسه ومن يعول آثار عجزه أو موته.
وإذا كان للتأمين مثل هذه الوظيفة على المُستوى الفردي، أي على مُستوى المُؤمَّن لهُ، فإنَّ الأمان الذي يُحققهُ التأمين بالنسبة لِمجموع المُؤمَّن لهم يترُكُ آثارًا هامَّة على المُستوى الاجتماعي. فهو من هذه الناحية، ونظرًا للثقة في المُستقبل التي يبُثُها في روح المُؤمَّن لهم، يُحقق مصلحةً اجتماعيَّةً عامَّةً، فبمنحهِ الأمان للمُؤمَّن لهم يُحقق التأمين ازدهار الاقتصاد القومي، ويُصبح أداةً لِزيادة الإنتاج في المُجتمع. فهو يُؤدي إلى المُحافظة على عناصر الإنتاج خاصَّةً اليد العاملة ورؤوس الأموال. ففي التأمين على الأشخاص لا يُصبح الفرد عند تعطُله أو مرضه عالة على المُجتمع لأنَّهُ يجد في مبلغ التأمين مصدر رزقٍ له إذا كان في شكل إيراد مُرتَّب مدى الحياة، كما يُمكنهُ استثمار هذا المبلغ إذا قبضهُ دفعةً واحدة. وفي التأمين على الأشياء يؤدي التأمين إلى استبدال أشياء جديدة بالأشياء الهالكة أو التالِفة، وتكون الأولى ذات قُوَّة إنتاجيَّة تفوق تلك الخاصَّة بالثانية.
عِند حُلول الأجل أو تحقق الخطر المُؤمَّن منه، يلتزم المُؤمِّن بأن يدفع للمُؤمَّن له مبلغ التأمين، ويُؤدي هذا المبلغ من مجموع الأقساط التي قام المُؤمَّن لهم بِدفعها، ومن هذه الناحية يُعتبر التأمين نوعًا من الادخار، وبالتحديد ادخارًا إجباريًّا، حيثُ يلتزم فيه المُؤمَّن لهُ بأن يقتطع جُزءًا صغيرًا وبصفةٍ دوريَّةٍ من دخله، يؤدّى للمُؤمِّن، مُقابل الحُصول على مبلغ التأمين عند استحقاقه. ورؤوس الأمو