اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في 2 آب 1914 صدر قرار الحكومة العثمانية بالتعبئة العامة، وفي 5 تشرين الثاني أعلنت الدولة رسميًا وقوفها إلى جانب ألمانيا في الحرب، ثم صدر في 7 تشرين الثاني فتوى شيخ الإسلام بوجوب الجهاد. كان ما يعرف باسم "الجيش الرابع" العثماني المكون من أربع فرقٍ (زيدت بعدئذٍ إلى خمسٍ) مرابضًا في دمشق تحت قيادة زكي باشا الحلبي، ولكونه عربيًا ومناهضًا للتحالف مع ألمانيا استدعي إلى إسطنبول، وعيّن والي أضنة جمال باشا الملقب "بالسفّاح" حاكمًا عسكريًا ومدنيًا على عموم بلاد الشام بصلاحياتٍ واسعة، وكان أحد ثلاثةٍ الأكثر نفوذاً في حزب الاتحاد والترقي.
في دمشق كان أعضاء الجمعية العربية الفتاة وجمعية العهد يتداولون بالاستقلال التام للبلاد العربية في إطار مملكةٍ تضم بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية، كان ذلك نتيجة تراكماتٍ لعلاقاتٍ متوترةٍ بين الجمعيات العربية والسلطات العثمانية عمومًا والاتحاد والترقي على وجه الخصوص، ويقول المؤرخ جورج أنطونيوس إن المجتمع الدمشقي بجميع أطيافه كان مؤيداً للثورة بما في ذلك العلماء من أمثال بدر الدين الحسني كبير علماء دمشق. ويعود ذلك لسياسة الاتحاديين الخرقاء القومية المتطرفة وبطشهم مع أن الرأي العام لم يكن مع الانفصال عن دولة الخلافة، غير أن الجمعيات السياسية رفضت أي تدخل من جانب بريطانيا أو مساعدة من الحلفاء، وبحثت عن نصير داخلي يتبنى قضيتها فاتصلت بوالي الحجاز الشريف الحسين بن علي عن طريق أحد أعضائها "نسيب البكري" حول دعم الشريف الحسين للثورة بما له من مكانةٍ سياسيةٍ ودينيةٍ بارزةٍ مقابل توليه عرش المملكة العربية المزمع تشكيلها.
كانت فكرة الثورة تراود الحسين لتخوفه من تعزيز نفوذ الدولة العثمانية في الحجاز على حساب سلطته حتى إنه أرسل ابنه الثاني عبد الله (1882-1951) للقاهرة قبل اندلاع الحرب يطلب مدافع من الإنجليز (شباط/فبراير 1914)، فلما أرسلت جمعيات المثقفين العرب له بادر بإرسال ابنه فيصل إلى دمشق -في إطار رحلته إلى اسطنبول لمقابلة الصدر الأعظم- فوصلها يوم 26 آذار/مارس وبقي أربعة أسابيع قبل سفره لاسطنبول، وفي عودته مكث بدمشق فترة أخرى. وقد اتصل بقادة الجمعيات واستمع لهم، وعندما عاد إلى مكة في 20 حزيران/يونيو 1915 قدّم لوالده تقريرًا حول رؤية رجال الجمعيات ووضع الدولة العثمانية وواقع الحال في المناطق العربية جراء سياسة الاتحاديين.
سيستغرق الشريف الحسين حوالي عامٍ لاستجماع قواه ومفاوضة بريطانيا لنيل تعهدها بالاعتراف باستقلال العرب بعد الحرب (راجع مراسلات حسين - مكماهون). خلال هذا الوقت كان تسلّط جمال باشا قد بلغ شأنًا عاليًا، فقد شنّ منذ شباط 1915 هجوماً لاحتلال مصر ظناً أن الشعب المصري سيثور ويقف بجانبه لكنه فشل في الهجوم ولم يُبد الشعب المصري تعاطفاً معه، ثم أخذ يبعد الفرق العربية من الجيش إلى الأناضول ويحلّ فرقًا تركيّة بدلاً منها ضمانًا لولائها، كما أسس ديوانًا للأحكام العرفية في دمشق وآخر شبيهًا في عاليه وأخذ ينكّل بوجهاء المدن ومثقفيها من العرب عن طريق المجلسين. أصدر المجلسان عدة أحكام بالنفي والإعدام والسجن مع الأشغال الشاقة على كثير من هؤلاء؛ وأخيرًا ألغى جمال باشا نظام متصرفية جبل لبنان وأعاده سنجقاً عادياً؛ ترافق ذلك مع انتشار المجاعة وغزو أسراب الجراد منذ ربيع 1915، فأتت على المحاصيل وارتفعت أسعار الطعام بل وفقد من بعض القرى والمدن، فأخذ الشعب يموت جوعًا، وشوهدت جثث الموتى على قوارع الطرق ومات في شمال سوريا وحدها من ستين إلى ثمانين ألفًا بالمجاعة. (مع أن الوضع كان صعباً حقاً إلا أن الدراسات تقلل من شأن المرويّات الشعبية المبالغ بها والأرقام (في غياب إحصاءاتٍ فعليةٍ) حول مجاعة سنة 1915، وخاصة لبنان الذي يقال إنها أصابته أكثر من غيره).
لحق بطش جمال باشا بمعظم وجهاء وأعيان الجمعيات العربية في دمشق واعتقل أغلب رموزها أمثال شكري القوتلي وفارس الخوري وغيرهما، وترافقت الاعتقالات مع التعذيب وقوافل الإعدام، وقد لقّب جمال باشا "بالسفّاح" منذئذ. وعندما زار فيصل دمشق للمرة الثالثة في كانون الثاني 1916 كان المناخ مؤاتيًا جدًا للثورة ومن جميع النواحي.
كانت بريطانيا عاجزة عن تحقيق نصر حاسم على العثمانيين طوال عام 1915 بل تلقت هزيمة قاسية في حملة جاليبولي وانسحبت من منطقة المضائق التركية، وكذلك تلقت هزيمة أخرى في الكوت العراقية في نيسان/أبريل 1916. دفعتها هذه الهزائم عن طريق مفوضها في مصر هنري مكماهون لمراسلة الشريف الحسين بهدف حضّه على إعلان الثورة على الدولة العثمانية. طالب الشريف حسين بدولةٍ عربيةٍ برئاسته وأياً يكن اعتبارها لأهدافه مطامع شخصية أم استقلال العرب ووحدتهم فقد وافقت بريطانيا على مطالبه (للاطلاع صفحة مراسلات الحسين-مكماهون). وبالرغم من أن الإنجليز لم يشيروا إلى الجمعيات السرية الناشطة في دمشق إلا أنهم كانوا يعرفون عنها الكثير ولاسيما منذ أعمال المؤتمر العربي الأول في باريس (حزيران/يونيو 1913). انتهت مراسلات الحسين مكماهون في 10 آذار/مارس 1916 وكان الخطابان الأخيران لمناقشة الأمور التفصيلية وفيهما أرسل الحسين يحدد موعداً مبدئياً لقيام الثورة حزيران/يونيو. أوفدت الحكومة الفرنسية إلى مصر جورج بيكو فوصلها يوم 9 شباط 1916 وبدأ مفاوضاتٍ مع مارك سايكس حول تنفيذ مقررات مؤتمر سان بطرسبرغ الذي عقده الحلفاء، ولد نتيجة المفاوضات اتفاق سايكس بيكو يوم 16 أيار 1916، ونصّ على تقسيم سوريا العثمانية بين بريطانيا جنوبًا وفرنسا شمالاً والعراق لبريطانيا التي كانت قد أنهت للتو اتفاقها مع العرب.