اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
خلال موجة الغزوات المغوليَّة، كان الصليبيُّون ما يزالون قابعين في المشرق العربي، وكانت البابويَّة مُتخوِّفة من المد المغولي باتجاه الدُويلات الصليبيَّة وأوروپَّا الغربيَّة، بعدما وصل المغول إلى بولونيا والمجر، لا سيَّما وأنَّ الغرب الأوروپي كان مُفكَّكًا وعاجزًا عن تشكيل قُوَّةٍ عسكريَّةٍ لِمُواجهة الخطر الداهم، لِذلك سعى البابا إنوسنت الرابع إلى الاتصال بِقادة المغول في سبيل التحالف معهم واتقاء شرَّهم والتقرُّب منهم لِحماية أوروپَّا من جهة وحرب المُسلمين من جهةٍ أُخرى. ويبدو أنَّ العالم المسيحي كان على استعدادٍ لِلتغاضي عن الأعمال الوحشيَّة التي ارتكبها المغول ضدَّ النصارى في روسيا وبولونيا، وأن يُمجِّد حُكَّامه هؤلاء مُقابل تحطيم قُوَّة المُسلمين. ووجد البابا أنَّ أفضل وسيلةٍ مُتاحةٍ له هي إيفاد رُسُلٍ ومبعوثين إلى المغول لِلتفاوض معهم، فأرسل أربع بعثات؛ اثنتين منها من جماعة الرُهبان الفرنسيسكان، هُما لورانس الپُرتُغالي ويُوحنَّا پلانو الكارپيني، والآخرتين بِقيادة اثنين من الرُهبان الدومينيكان هُما أندريه لونجومو وآسيلين اللومباردي. وفي تلك الفترة، كان الخاقان الأعظم أوقطاي قد تُوفي وخلفه ابنه گُيوك خان يوم 10 ربيع الآخر 644هـ المُوافق فيه 24 آب (أغسطس) 1246م، فأرسل إليه البابا بعثة لورانس الپُرتُغالي أولًا، ثُمَّ غيَّر مسار هذه البعثة إلى المشرق العربي لِتُؤدي رسالةً أُخرى هي حث الأُمراء والسلاطين المُسلمين على اعتناق المسيحيَّة، وإقناع رجال الدين النساطرة والأرثوذكس لِتوحيد كنائسهم تحت لواء الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة. أُرسلت بعد ذلك بعثة يُوحنَّا الكارپيني (بالإيطالية: Giovanni da Pian del Carpine)، التي وصلت قراقورم عاصمة المغول حاملةً رسالة البابا إلى الخاقان تُعلمه بِرغبة العالم المسيحي مُسالمة المغول، وبأن يعتنق گُيوك خان المسيحيَّة، ويتوقف عن قتل المسيحيين. جاء الرد المغولي مُحبطًا لِلآمال، فقد طلب الخاقان من البابا ومُلُوك الغرب الأوروپي أن يحضروا بِأنفسهم لِيُقدموا له فُرُوض الولاء والطاعة، وأنَّ تدمير الممالك المسيحيَّة والإسلاميَّة قد تمَّ بِأمرٍ من الرب الذي أبلغه إلى جنكيز خان، لأنَّ الشُعُوب المُسلمة والأوروپيَّة هي شُعُوبٌ مُتمرِّدة على حُكم السماء، ومن ثُمَّ فقد استحقَّت القتل والتدمير بِواسطة المغول، الذين يُنفذون المشيئة الإلٰهيَّة في إخضاع العالم. ومما قاله گُيوك خان في رسالته إلى البابا:
بناءً على هذا، شعر يُوحنَّا الكارپيني بِأنَّ لا جدوى من البقاء أكثر في قراقورم، فعاد من حيث أتى. وفي سنة 643هـ المُوافقة لِسنة 1245م، أرسل البابا أندريه لونجومو على رأس مجموعةٍ من الرُهبان الدومينيكان إلى سلاطين وأُمراء المُسلمين في الشَّام والعراق وإيران، وحُكَّام المغول، لِدعوتهم إلى اعتناق المسيحيَّة، وإلى كبار رجال الدين النساطرة والأرثوذكس لِدعوتهم للانضواء تحت لواء البابويَّة، لكنَّ البعثة فشلت في تحقيق أغلب غاياتها. تلت البعثة الأخيرة بعثة آسيلين اللومباردي، الذي اجتمع بِالقائد المغولي بايجو نويان في مُعسكره قُرب بحر الخزر (قزوين) سنة 1247م. ومن المعروف أنَّ بايجو استقبل هذه السفارة وردَّ على رسالة البابا بِأُخرى توضح أنَّهُ واجه صُعُوبةً في فهم ما يُريده النصارى، وعاود - بناءً على طلب الخاقان الأعظم - مُطالبة البابا بِالخُضُوع لِلمغول مع سائر حُكَّام أوروپَّا. عند هذه النُقطة، أدرك البابا أنَّ مُخططاته قد فشلت، وفقد ثقته بِالمغول وفي إقامة حلفٍ معهم أو الارتباط بهم بِرابط الصداقة على الأقل، إذ لم يبدُ في الأُفق السياسي بوادر قيام تحالف مغولي - أوروپي مُوجَّه ضدَّ المُسلمين، كما أنَّ المغول لم يتحوَّلوا إلى المسيحيَّة، ولم يوقفوا هجماتهم على النصارى. في تلك الفترة، كان الملك الفرنسي لويس التاسع يُعد لِحملةٍ صليبيَّةٍ على مصر في سبيل ضرب الخزَّان البشري والاقتصادي الهائل لِلمُسلمين واسترداد بيت المقدس منهم، ويبدو أنَّهُ تأثَّر باقتراح الراهب يُوحنَّا الكارپيني الذي نصحهُ بالاتصال بِالمغول أو مُواصلة ما بدأه البابا إنوسنت الرابع، في سبيل إشغال المُسلمين على جبهتين والحيلولة دون مُساعدة الأيوبيين في مصر والشَّام لِلخليفة العبَّاسي في بغداد، التي خطط المغول لِغزوها. أرسل الملك الفرنسي سفارةً إلى البلاط المغولي على رأسها الراهب أندريه لونجومو (بالفرنسية: André de Longjumeau) تحملُ بعض الهدايا، لكنَّ السفارة الفرنسيَّة عندما وصلت قراقورم اكتشفت أنَّ گُيوك خان قد مات، فقابل أعضائها أرملة الخاقان أوقول قايميش، الوصيَّة على العرش، التي سلَّمتهم رسالةً مفادها أن يُعلن الملك الفرنسي خُضُوعه ويُرسل جزيةً سنويَّة كالتي أرسلها (أي الهدايا). ولم يلبث لويس التاسع أن انهزم على يد المُسلمين في المنصورة وأُسر، ثُمَّ أُطلق سراحه بعدما دفع فديةً ضخمة، فحاول مُجددًا أن يتحالف مع المغول، وأرسل سفارةً بِرئاسة وليم روبروك إلى بلاط الخاقان الجديد منكو خان، الذي ردَّ على رسالة لويس التاسع بِذات الشُرُوط التي كان گُيوك خان قد طالب بها وفد البابا، مما قضى على آمال الغرب المسيحي بِالتحالف مع المغول.