اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد أن توافرت كُل أسباب الحرب بين العُثمانيين بِقيادة السُلطان بايزيد والمغول بِقيادة تيمورلنك، مضى الأخير إلى الأناضول الشرقيَّة قاصدًا مدينة سيواس، لكنَّه سار إليها وهو مُتردد، إذ على الرُغم من مشاعر العدائيَّة التي نمت بين الأمير المغولي والسُلطان العُثماني، لم يكن تيمور راغبًا بِإثارة مشاعر العالم الإسلامي - التي لم تكن أساسًا في صالحه بِسبب قساوته مع جيرانه المُسلمين - عبر شن حربٍ على بايزيد الذي كان في ذلك الوقت قد أصبح أكبر مُجاهدٍ في ديار الإسلام، واستقطب ودولته أنظار المُسلمين حول العالم، لكنَّهُ كان عازمًا على إخضاعه وإبقاءه تحت سُلطانه، وكان يُردِّد: «إِنَّهُ يَجِب أَلَّا يُوجَد سِوَى سَيِّدٌ وَاحِدٌ عَلَى الأَرضِ طَالَمَا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إلَّا إلَهٌ وَاحِدٌ فِي السَّمَاءِ». ضرب المغول الحصار على سيواس بِما لا يقل عن مائتي ألف جُندي، وكان يتولَّى المدينة الشاهزاده سُليمان بن بايزيد يُعاونه أخوه أرطُغرُل، فأقاما دفاعًا طويلًا بِحوالي 4,000 جُندي على أسوار المدينة، لكن بعد ثمانية عشر يومًا من الحصار سقطت المدينة بِيد المغول، فاقتحمها تيمور ورجاله يوم 5 مُحرَّم 803هـ المُوافق فيه 26 آب (أغسطس) 1400م ووضع السيف في أهلها وعاث فيها خرابًا، وقتل كافَّة الأسرى العسكريين العُثمانيين، بما فيهم الشاهزاده أرطُغرُل بن بايزيد، الذي قبض عليه وقطع رأسه، أمَّا الشاهزاده سُليمان فتمكَّن من الهرب. ولم يكن تيمور قد شاهد خِلال حياته الطويلة صُمُود مدينةٍ إلى هذه الدرجة من الشدَّة، وأدرك عدم إمكان إسقاط القلاع الأناضوليَّة الواحدة تلو الأُخرى على هذا المنوال، فكان عليه أن يظفر بِالجيش العُثماني السيَّار ويُبيده. أمام هذا الواقع، انسحب تيمورلنك من الأناضول إلى القفقاس بعد أن أخذ من العُثمانيين ملطية أيضًا. وقد برَّر تيمورلنك، فيما بعد، هُجُومهُ على سيواس بِأنَّ سُكَّانها قد أرسلوا بعض الهدايا إلى السُلطان المملوكي في مصر، ولِذلك وجبت مُعاقبتهم لِتواصلهم مع أعداء الدولة. وخِلال ذلك كان السُلطان بايزيد قد حضر مع جيشه إلى قيصريَّة، وتبادل مع تيمورلنك رسائل تُشير إلى أنهما كانا على وشك الاتفاق لِتوحيد كلمة المُسلمين وإصلاح ذات البين، فطلب بايزيد من تيمورلنك إعادة مدينتيّ سيواس وملطية إلى الحظيرة العُثمانيَّة، وأنَّهُ مُستعد، لِقاء ذلك، تنفيذ تحالُفٍ بينهما ويجعل ذلك شرطًا لِلصُلح، فردَّ تيمورلنك بِالمُطالبة بِقلعة كماخ، لأنها في نظره من أملاك تابعه طهارتن. كما أصرَّ تيمورلنك على تسليم يُوسُف نویان بن مُحمَّد القرة قويونلوي اللاجئ إلى السُلطان العُثماني بعد أن قام بِغارةٍ على إحدى قوافل الحُجَّاج المغول التي كانت تقصد الحجاز، إذ التجئ بعض من نالهم الأذى من أفراد القافلة إلى تيمورلنك وألحُّوا عليه لِلتدخُّل والانتقام لهم، لِذلك شعر تيمورلنك بِضرورة مُعاقبة يُوسُف المذكور وتنبيه حاميه السُلطان بايزيد من غفلته.
كان تيمور يأمل أن يُقر بايزيد بِتبعيَّته له مثل سائر سلاطين وأُمراء المُسلمين المُجاورين، لكن لم يتحقق أمله هذا، إذ ردَّ السُلطان بايزيد طلبات تيمورلنك بِصيغةٍ فيها تحقير، فأرسل لهُ يقول: «...إِنَّ الحَربَ دَأبَنَا، وَالضَّربَ طَلَّابَنَا، وَالجِهَادُ صَنعَتُنَا، وَشَرعَةُ الغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَىٰ شَرعَتَنَا، إِن قَاتَلَ أَحَدٌ تَكَالُبًا عَلَى الدُّنيَا، فَنَحنُ المُقَاتِلُونَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُليَا، رِجَالُنَا بَاعُوا أنفُسَهُم وَأَموَالَهُم مِن اللهِ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّة، فَكَم لِضَرَبَاتِهِم فِي آذَانِ الكُفَّارِ مِن طَنَّة، وَلِسُيُوفِهِم فِي قَلَانَس القَوَانِسَ مِن رَنَّة»، وختم كلامه بِاستعجال تيمور لِلحرب، فقال: «...فَنَحنُ المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ الَذِينَ لَا يَخَافُونَ لَومَةَ لَائِم وَأَنَا أَعَلَمُ أَنَّ هَذَا الكَلَامَ يَبعَثُكَ إِلَى بَلَادِنَا انبِعَاثًا، فَإِن لَم تَأتِ تَكُن زَوجَاتُكَ طَوَالِقَ ثَلَاثًا، وَإِن قَصَدّتَ بِلَادِيَ وَفَرَرتُ عَنكَ وَلَم أُقَاتِلُكَ البَتَّة، فَزَوجَاتِيَ إِذ ذَاكَ طَوَالِقٌ ثَلَاثًا بَتَّة». فلمَّا وصل الجواب إلى تيمورلنك ووقف عليه قال: «ابنُ عُثمَانَ مَجنُونٌ حَمِق، لِأنَّهُ أَطَالَ وَأَسَاء، وَخَتَمَ مَا قَرَأَهُ مِن كِتَابِهِ بِذِكرِ النِسَاء». وعاد تيمورلنك وأرسل إلى بايزيد كتابًا أهانه ضمنيًّا حين ذكَّرهُ بِغُمُوض أصل أُسرته، وعرض عليه العفو على اعتبار أنَّ آل عُثمان قد قدموا خدماتٍ جليلةٍ إلى الإسلام، ولو أنهُ اختتم رسالته - بِصفته زعيمًا لِلتُرك - باستصغار شأن بايزيد الذي قبل التحدي بأنه سيتعقب تيمورلنك إلى تبريز وسُلطانيَّة. حاول تيمورلنك خِلال قضاءه الشتاء في القفقاس، إقناع أُمرائه بِشنِّ حربٍ نهائيَّةٍ مع العُثمانيين، لكنَّ كان رأي أُمراء تيمور، وحتَّى أولاده وأحفاده، أنَّهُ لا يليق بهم الحمل على الدولة العُثمانيَّة المُسلمة السُنيَّة الحنفيَّة مثلهم، والتي تنطق بِالتُركيَّة، والتي تُعتبرُ حاملةً لِراية الجهاد ضدَّ أعداء الإسلام والمُسلمين. أقنع تيمورلنك قادته الذين خالفوه في رأيه باحتمال ضرب السُلطان بايزيد الجيش التيموري من الخلف أثناء حملته على الصين، التي كان المغول يتوقون لِفتحها وإدخالها إلى ديار الإسلام، وساعدهُ على إقناعهم بِهذا سياسة بايزيد ورسائله الناريَّة وما اشتهر به من جسارة وغُرُور وثقة بِالنفس.