English  

كتب إجمال القصة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

إجمال القصة (معلومة)


نُجمِلُ ما تقدم فيما يلي: كان على موسى أن يروي أفعال الصديقين إلى قومه بأسلوب حكاية أسرارية غير شخصية. وهذا يعني، پسيكولوجيًّا، أن التحول يجب أن نَصِفَه أو نشعر به حادثةً جرت للـ"آخر". فعلى الرغم من أن موسى نفسه كان هو الذي يحتل مكان ذي القرنين في خبرته مع الخضر، كان عليه أن يسمِّي هذا الأخير بدلاً من أن يسمِّي نفسه وهو يروي القصة. ليس هذا من قبيل المصادفة، لأن الخطر النفسي الأكبر الذي يتصل دائمًا بالتفردُن (الانتقال من الجزئية إلى الكلِّية أو من الانقسام إلى الجمعية) أو التطور إلى النفس أو الذات، يكمن في تماهي الأنيَّة الواعية مع النفس أو الذات. إن هذا يورِث انتفاخًا يهدد الواعية بالانحلال. وتُظهِرُ جميعُ الثقافات، ولاسيما أكثرها بدائية أو قِدَمًا، عن حسٍّ لطيف بـ"مخاطر الروح" وانتفاء مسؤولية الآلهة وما ينطوي عليه ذلك من خطر شامل. أي أنها مازالت محافِظةً على فطرتها النفسية أمام السيرورات الخفية والحيوية التي تحدث في الأغوار العميقة التي لا نكاد نسمع عنها شيئًا في ثقافتنا الحديثة. إثباتًا لذلك، أمام أعيننا تحذيرٌ مماثل تمامًا، هو ثنائي نيتشه وزرادشت الذي شوَّهه الانتفاخ، لكن هذا التحذير لم يلقَ ما يستحقه من مبالاة. ثم ماذا ترانا صانعين بفاوست ومفستوفيلِس؟ إن تعجرُف فاوست خطوةٌ أولى نحو الجنون. أن يكون بدء التحول عند فاوست كلبًا، لا سمكًا يؤكل، وأن يكون المتحول هو الشيطان، لا وليًّا حكيمًا، "آتيناه رحمة من عندنا وعلَّمناه من لدنَّا علمًا"، ربما يقدِّم لنا – كما أميل إلى الاعتقاد – مفتاحًا نفك بواسطته مغاليق الروح الجِرْمانية البالغة الغموض.

دون أن أدخل في تفصيلات أخرى تتعلق بالنص، أحب أن ألفت الانتباه إلى نقطة أخرى، وهي بناء السدِّ أمام يأجوج ومأجوج. فهذا "الثابت" تكرارٌ لآخر عمل قام به الخضر في القصة السابقة – وأعني إعادته لبناء جدار المدينة (الآية 77). لكن الجدار هذه المرة قُدِّرَ له أن يكون دفاعًا حصينًا أمام يأجوج ومأجوج. ولعل هذه الفقرة تشير إلى رؤيا القديس يوحنا 20: 7-10:

«وإذا انقضتْ ألف سنة، يُطلَق الشيطانُ من سجنه، فيسعى في إغواء الأمم التي في زوايا الأرض الأربع، أي يأجوج ومأجوج، فيجمعهم للقتال، وعددهم عدد رمل البحر. فصعدوا رَحْبَةَ البلد وأحاطوا بمعسكر القديسين بالمدينة المحبوبة، فنزلت نارٌ من السماء فالتهمتْهم. وطُرِحَ إبليسُ، فتَّانُهم، في مستنقع النار والكبريت، فلَحِقَ بالوحش والنبيِّ الكذاب، حيث يكابدون العذابَ نهارًا وليلاً أبدَ الدُّهور.»

هنا يأخذ ذو القرنين دور الخضر ويبني السدَّ المنيع للقوم الذين يسكنون "بين الصَّدَفين" أو بين الجبلين. واضحٌ أن هذا المكان هو نفسه الواقع في الوسط الذي يجب حمايته من يأجوج ومأجوج، وهي الكتل العدوانية الفاقدة الملامح. پسيكولوجيًّا، المسألة أيضًا هي مسألة "النفس" أو "الذات"، المستوية على العرش في الوسط، التي أشير إليها في رؤيا يوحنا بـ"المدينة المحبوبة" (أورشليم، مركز الأرض)؛ والنفس أو الذات هي البطل، الذي تهدِّده القوى الجماعية الحاسدة منذ ولادته، الجوهرة التي يتشهَّاها الجميع وتورِث العداوةَ والبغضاءَ وما ينجم عنهما من اقتتال؛ وهو أخيرًا الإله الذي تُقطِّع أوصالَه قوى الظلام الشريرة القديمة. سيرورة التفردُن Individuation Process، في معناها الپسيكولوجي، عمل مُنافٍ للطبيعة، يوجِد هَلَعًا في طبقة المجموع، وهو مهيَّأ للانهيار تحت تأثير قوى النفس الجامعة. والقصة الأسرارية التي تحكي حكاية الصديقَين المتعاونَين تَعِدُ بالحماية مَن يجد الجوهرةَ في سعيه الدائب للعثور عليها. لكن زمانًا سوف يأتي، وفقًا لما رسمتْه العنايةُ الإلهية، ينهار فيه السدُّ الحديدي ويتفتت، أي في اليوم الذي سوف ينتهي فيه العالم، أو، بالمعنى الپسيكولوجي، عندما تنطفئ واعيةُ الإنسان في مياه الظلمات، أي عندما يشهد العالمُ نهايةً "ذاتية" له. والمُراد بذلك اللحظةُ التي تعود فيها الواعيةُ تغوص في الظلمة التي انبثقت منها أصلاً، مثل جزيرة الخضر: لحظة الموت.

ثم تمضي القصةُ على خطوط إسكاتولوجية (= نشورية، تتعلق بأحوال القيامة والآخرة): في ذلك اليوم يعود النورُ نورًا أبديًّا، والظلامُ ظلامًا أبديًّا، وتنفصل الأضدادُ بعضها عن بعض، وتبدأ حالةٌ من الديمومة ليس فيها زمان. وهي حالة من التوتر الشديد، بسبب الانفصال المطلق بين الأضداد. ولذلك تنطبق على الحالة البدئية الأولى. ويحدث هذا خلافًا للنظرة التي ترى النهايةَ جمعًا بين الأضداد.

المصدر: wikipedia.org