English  

كتب أي أنموذج لتكوين المدرسين

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

أي أنموذج لتكوين المدرسين ؟ (كتاب)


ما الأنموذج في العلم والفلسفة وفي مجال التربية وتكوين المدرسين؟ وهل للأُنموذج التكويني مفهوم مُدَقَّق بين المختصين؟ ما النماذج التي عرفها تكوين المدرسين بالمغرب؟ وفي ماذا تختلف عن النماذج الدولية؟ ثم أيَّ أنموذج لتكوين المدرسين نحتاج اليوم بالضبط في ظل متغيرات المنهاج التربوي، ومقترحات الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار؟ ما المرجعية المهنية المعتمدة في التكوين؟ وهل زمن التكوين المتاح حاليا كافٍ لتكوين مدرسين بجودة عالية؟ هل يقوم تكويننا على معرفة فلسفية بكيفية العبور إلى هذه الذوات التواقة إلى ممارسة مهنة معقدة بإمكانيات ذاتية ومعرفية ومهارية متفاوتة؟ هل ننطلق من رؤية تكوينية فلسفية وجودية وتربوية شاملة لتحقيق الأنموذج التكويني المطلوب؟ هل وُفقت هندسة التكوين إلى بلوغ هذا المقام التكويني الذي يجمع بين فلسفة التكوين، وهندسة التكوين؟ هل وفق المكونون في تعميق النظر في الجانب الروحي الوجودي الذي يجعل المتدربين يحبون المهنة وينخرطون فيها بكل طاقاتهم؟ هل توفر مراكز التكوين وسياسة التكوين كل الشروط الضرورية لهذا المطمح؟

لا يزال الجواب عن هذه الأسئلة غير مكتمل عند كثير من المكوِّنين، بل عند المشرفين على هندسة التكوين ببلادنا. ولذلك ارتأينا أن نجدد إثارة النقاش في هذا الموضوع، وأن نشرك غيرَنا أسئلتَنا وقلقَنا بخصوص التقلبات التي يشهدها مجال هندسة التكوين، وتغير السيناريوهات التكوينية في ظرف زمني وجيز.
تسعى فصول هذا الكتاب إلى تحيين أسئلة الأنموذج التكويني والتربوي على مستوى الرؤية الفلسفية، وكذا مقتضيات الواقع العملي، محاولين الإسهام في رسم معالم أنموذج للتكوين الفعال، ليس بوصفه حلما أو طموحا منفصلا عن التجربة، بل أُنموذجا ناتجا عن الاطلاع على مناهج التكوين السابقة، وعن ممارسة فعلية لمهام التكوين وفق المقترحات الرسمية في السنوات السبعة الأخيرة.
اعتمدت في معالجة هذه الإشكاليات على تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين، مع تحليلها في ضوء المعطيات الواقعية. كما اجتهدت لتقديم معالم أنموذج تكوين المدرسين مستقبلا كما أراه، ومعالم لأنموذج مُكوّن المدرسين، وقد أعددت في هذا دليلا مفصلا يمكن أن يفيد المكونين القدامى والجدد.
وكما قدَّمتُ خلاصات تجربتي في ممارسة التدريس في كتاب "صحائف التكوين: كل ما يحتاجه مدرس اللغة العربية نظرا وعملا" وفي " صناعة التدريس ورهانات التكوين"، فإني أُقَدِّم للأجيال القادمة من المكوِّنين خلاصات تجربة تكوينية ومهنية، وفوائد متنوعة إغناءً لتجاربهم، فمن واجب من مَرَّ من طريق من طُرق المعرفة أن يدل من لم يسلكه على ما عَرف منه، وألا يرحل عن الدنيا بخبراته معه، بل يبقيها عملا نافعا للآخرين بعده. ذلك ما نرجوه.
ارتأيتُ في السنوات الأخيرة من عملي مُكوِّنا للمدرسين أن أُنشئ ملفا جانبيا، وأضع فيه خلاصات تجربتي التكوينية بعد التقاعد، وتكون أثرا بعد عين كما يُقال. وقد شرعت في ذلك فعلا، ثم تركته للتراخي الزمني، ولم يكن لي غرض للتعجيل به، فضلا عن شواغل التأليف المتشعبة، فكان ذلك الملف بمثابة خزانة من شَهْد أخبئ فيها عسل أفكاري ومقترحاتي. ثم حدث أن المؤسسة التكوينية التي أنتمي إليها اقترحتْ تنظيم ندوة دولية موضوعها الإبدالات التكوينية الممكنة، وواقع التكوين، وآفاق تطوير الممارسة التكوينية، والأنموذج التكويني المغربي. فعدت لتلك المدونات متأملا ومتسائلا: أليس هذا عاملا مناسبا كي تَنْتَظم تلك الأفكار، وتُرَتَّب تلك الخبرات ثم تُحرر عسى أن تفيد أهل الاختصاص.
قسمتُ الكتاب إلى أربعة فصول: الأول للتعريف بماهية الأنموذج في العلم والفلسفة، وأهمية بناء النماذج التصورية في هندسة التكوين. وخصائص الأنموذج.
وخصصت الفصل الثاني لنماذج التكوين التي مر منها تكوين المدرسين منذ إنشاء المراكز التربوية الجهوية بالمغرب، والإبدالات التي عرفتها، مع بيان وجهة نظري في الصعوبات التي يعرفها تنزيل المقترحات التكوينية الأخيرة، وإكراهات المؤثرات الخارجية(سياسية واقتصادية وثقافية...) في تكوين عال يستجيب للمتطلبات التربوية الراهنة.
وخصصت الفصل الثالث لمبادئ عامة في ممارسة تكوين المدرسين، ومواصفات المُكون العلمية والفلسفية والتكوينية وآدابه وقيمه، مقدما رؤيتي للصورة التي ينبغي أن يكون عليها تكوين المدَرِّسين، وكيف ينبغي أن يُعامل المتدربون، مستعرضا فلسفتي التكوينية عن ملامح المُكَوّن العصري، ومنظوري لتطوير كفايات المكونين باختصار، علما أن طَلَب الكمال مُحال، وأن المأمول أن يجعل المكون من كل ذلك مطمحا يسعى إليه، فيضعه نصب عينيه، فيجتهد باستمرار لبلوغ ما يستطيع منه، فهو فلسفة عامة عن حاجيات التكوين وما يتعلق به من علوم التعليم والتعلم، ورؤية للمستقبل التكويني المأمول.
ثم بسطت الحديث في الفصل الرابع عن مواصفات أنموذج المدرس المتدرب، أستاذ المستقبل القريب، وقدمت الملامح التي ينبغي أن تتوافر فيه خلال مدة التكوين قصيرة كانت أم طويلة. وهكذا حَفل الكتاب ببيان أن جوهر عمل التكوين الأساس هو تشكيل هُوية المدرس المتدرب، وصهرُ روحه في نسق من الكفايات المهنية الضرورية.
إن التحسيس بهذه الروح وتوهُّجها، وتحريكَ شرارتها عند المتدربين كاف ليكون سببا في تعلمهم أسرار المهنة وضرورياتها، لقد أصبح التكوين اليوم يركز على التمهين، وهذا مطلب وجيه، لكن بدون النزوع الروحي القوي في محبة المهنة، ومحبة المتعلمين، الطافح بالتساؤل، وبدون البهجة بضبط المعارف الضرورية، والتسلح بالصبر والعمل الدؤوب، فإن التكوين سيظل شكليا.
يحتاج المدرس المبتدئ بكل تأكيد إلى من يملأ نفسه بالطموح، ومحبة المتعلمين، ومحبة حِكمة التعليم، وتعميق فلسفته المهنية، وإغرائه بالاطلاع على مناهج التدريس، وتحسيسه بجمال امتلاك الكفايات المهنية الأساس، والأخلاق العليا.
وباختصار، يراهن الكتاب على تعميق المعرفة بماهية الأنموذج في العلم والفلسفة، وأهمية بناء النماذج التصورية في هندسة التكوين، وخصائص الأنموذج ووظائفه. مع تقديم مبادئ عامة حول ممارسة تكوين المدرسين، ومواصفات المُكَوّن العلمية والفلسفية والتكوينية وآدابه وعلومه. ومواصفات أنموذج المدرس المتدرب، وآدابه وعلومه.
والله المستعان.
أكادير، 1مارس 2023