اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حدث في أثناء القرن الثالث الهجري المُوافق لِلقرن التاسع الميلادي أنَّ فرعًا جديدًا من الجيش زادت أهميته هو «التاگماتا»، أي الفرق الأربع لِلحرس الإمبراطوري، وهي فرقة المدارس، والدبادبة، ووحدة الجُند المُسمَّاة «أريتموس» وهي فرقة المُراقبة، و«الهيكاناتي». ويبدو أنَّ الفرقة الأخيرة أنشأها نقفور الأوَّل، أمَّا الفرق الأُخرى، فمُنحدرة عن حرس القصر، وكُلَّها من فرق الفُرسان، والرَّاجح أنها لم تكن ذات قُوَّة عظيمة، حيثُ لم يتجاوز عدد أفراد فرقة المدارس ألف وخُمسُمائة جُندي، ويرأس كُل فرقة منها قائد يُسمَّى «دمستق»، أي ضابط القصر، باستثناء فرقة المُراقبة التي كانت تحت قائد كتيبة. وأُلحق بِهذه الفرق الأربع فرقة مُشاة تعدادها أربعة آلاف جُندي، وكانت هذه الفرق الخمس تُعسكر عادةً في تراقيا أو بيثينيا وتُرافق الإمبراطور عندما يخرج في حملة عسكريَّة حيثُ تكون تحت إمرته، وفي حال عدم خُروجه بنفسه إلى الحرب، يتولَّى دمستق فرقة المدارس قيادتها العُليا نيابةً عنه. وحُدِّدت واجبات فرق الجيش كافَّة بِدقَّة، ففرق ألوية الثُغُور مسؤولة عن حراسة مناطق الحُدود والدفاع عنها ضدَّ الغارات الأجنبيَّة، وإذا قام الجيش البيزنطي بِهُجومٍ مُضادٍ خرجت فرق الحرس الإمبراطوري الأربع من القُسطنطينيَّة بِقيادة الإمبراطور أو دمستق المدارس، فيلحق بها، عند نقاطٍ مُعيَّنةٍ من الطريق العسكري الذي يخترق آسيا الصُغرى، فصائل من جُند الثُغُور المُختلفة. ووُجد إلى جانب تلك الفرق العسكريَّة فرقة الحُدود، مُهمَّتُها صيانة القلاع والحُصُون والنقاط العسكريَّة الهامَّة والممرَّات الجبليَّة والطُرق المُهدَّدة من جانب الأعداء، وقد منح الإمبراطور جُنُودها إقطاعات يقومون على زراعتها مع أُسرهم مُقابل خدماتهم العسكريَّة. كان الحذر الطابع العام عند وضع الخُطط العسكريَّة، حيثُ كانت هجمات المُسلمين المُفاجئة والكثيرة تُفشل أي سياسة عسكريَّة جريئة، كما أنَّ الجيش البيزنطي لم يكن أحيانًا يُضارع الجيش الإسلامي في العدد، وأنَّهُ كثير النفقة، لِذلك كان على الجُنُود البيزنطيين أن يُحقِّقوا المنفعة المرجُوَّة من دون إسراف في إضاعة الأرواح أو العتاد، وأن يتجنَّبوا التسرُّع والتهوُّر، ويحرصوا على عدم الوُقُوع في الكمائن أو التعرُّض لِلهجمات المُفاجئة، وألَّا يترُكوا أجنحتهم بِغير حراسة، وأن يعتمدوا على نظام الكشَّافة والطلائع، وأن يستخدموا الحيل.
وفعلًا طبَّق العسكريُّون المبادئ العسكريَّة الموضوعة، فنصبوا شبكة من محطَّات المُراقبة على طُول خط الجبهة مع المُسلمين تتَّصل بِمراكز القيادة بِواسطة نظام الإشارات، وتنقل تحرُّكات العدوّ، في الوقت الذي يحتشد المُشاة في القلاع والحُصُون، ويقوم الفُرسان بِغاراتٍ على مواقع العدوّ بِهدف قطع خُطُوط مُواصلاته. وينقسم الفُرسان والمُشاة إلى فرقٍ ثقيلة السلاح وفرقٍ خفيفة السلاح، ولِكُلٍ منها لِباسٌ خاص، ودورٌ مُحدَّدٌ في القتال. يلبس الفارس ذو السِّلاح الثقيل خوذةً من الفُولاذ، ويحملُ عباءً خفيفةً أو برنسًا يرتديه فوق سلاحه أيَّام الصيف الحارَّة. ويتكوَّن سلاحه من سيفٍ عريضٍ وخنجرٍ ورمحٍ وقوس لِلرماية عن ظُهُور الخيل، وجُعبة لِلسِّهام. وإذا كان ممن يقفون في الصُفُوف الأماميَّة ويقومون بِالهُجُوم، جُعل لِحصانه دُرُوعًا فُولاذيَّة على صدره وعصاباتٍ فُولاذيَّة على جبهته. وأمَّا الفارس ذو السلاح الخفيف، فيكونُ من الرُماة عادةً، ويلبس سترة من الزَّرد. يلبس الجُندي المُشاة ذو السلاح الثقيل درعًا من الزَّرد يُغطِّي نصفه الأعلى، وخُوذةً فُولاذيَّة، ويتسلَّح بِالسيف والرمح والفأس ذي النَّصل القاطع من ناحية والسنّ المُدبَّبة من ناحيةٍ أُخرى. ويلبس الجُندي المُشاة ذو السلاح الخفيف، وهو إمَّا راميًا بِالقوس أو قاذفًا بِالحربة، قميصًا طويلًا من الزَّرد يصلُ إلى رُكبتيه أو درعًا خفيفًا في بعض الأحيان، ويحملُ جُعبةً لِلسهام تحتوي على أربعين سهمًا، وفأسًا في حزامه، ويُعلِّقُ خلفهُ ترسًا صغيرًا مُستديرًا. استخدم الجيش البيزنطي النار الإغريقيَّة والإشارات الناريَّة التي تُوقد على قمم الجبال والتلال لِرصد تحرُّكات الجُيُوش الإسلاميَّة من جبال طوروس حتَّى القُسطنطينيَّة، واعتمد على الفرق الكشَّافة الاستطلاعيَّة والجواسيس الذين كانوا يتغلغلون بين صُفُوف المُسلمين، لِرصد خططهم العسكريَّة، واستعمل الأسلحة المعروفة بِالدبَّابات، والأساطيل. ورافق الجيش البيزنطي فرقةً من المُهندسين لِتذيل العقبات الطبيعيَّة وإنشاء الجُسُور لِعُبور الأنهار.