اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يُعرَّف التفسير بالمأثور بأنّه: التفسير الذي يعتمد على المصادر التفسيريّة، وهي: القرآن الكريم، والسنّة النبويّة، وأقوال الصحابة، ويُضيف البعض أقوال التابعين، وينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ أولاها: تفسير القرآن بالقرآن، وثانيها: تفسير القرآن بالسنّة، وثالثها: تفسير القرآن بأقوال الصحابة، ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ إطلاق تفسير القرآن بالقرآن على التفسير بالمأثور هو من باب الإصطلاح لا غير؛ لأنّ الأثر يعني: كلّ ما رُوِي عن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم-، والصحابة، والتابعين، ومن أهمّ كُتُب التفسير بالمأثور كتاب الدرّ المَنثور في التفسير بالمأثور للسيوطيّ، أمّا كتاب التفسير لابن كثير، وكتاب التفسير لابن جرير الطبري، فهما وإن كانا من المصادر العظيمة في التفسير بالمأثور، إلّا أنّهما لم يقتصرا عليه؛ ففيهما التفسير بالرأي، وقد احتويا على الكثير من التوجيهات، والترجيحات التي اعتمدَت على الرأي، والاجتهاد.
تفسير القرآن بالقرآن هو: أن تُفسَّر بعض الآيات القرآنية بما ورد في القرآن نفسه؛ فقد تأتي بعض الآيات مُجمَلةً في موضع، ومُفصَّلةً في موضع آخر، وقد تكون مُوجَزة في موضع، ومُبسَّطة في موضع آخر، ومن أمثلة ذلك قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)، فقد فُسِّر قوله: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) في موضع آخر بقوله -تعالى-: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّـهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)، وينقسم تفسير القرآن الكريم بالقرآن الكريم إلى أربعة أنواعٍ كما يأتي:
تفسير القرآن بالسُنّة هو: أن تُفسَّر بعض الآيات القرآنيّة بكلام رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-؛ ويكون ذلك ابتداءً بتفسير رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الآيات لصحابته، أو أن يُفسِّر ما أُشكِل عليهم في فَهم بعض الآيات، أو أن يكون في كلامه ما يَصلح اعتباره تفسيراً، أو أن يتأوّل القرآن فيعمل بما به من أمر، ومن أمثلة ذلك قوله -تعالى-: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا)، إذ فسَّرَها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بقوله: (الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والْبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ، أوِ اسْتَزادَ، فقَدْ أرْبَى، الآخِذُ والْمُعْطِي فيه سَواءٌ).
للصحابة -رضوان الله عليهم- منزلة عظيمة في الإسلام لا تخفى على مسلم، والتقاؤهم برسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يكفيهم شَرفاً ومكانة؛ ولذلك فإنّ أقوالهم حُجّة يُعتَدّ بها، وقد اعتدّ المُفسِّرون بأقوالهم؛ لأنّهم أهل اللسان العربيّ، وقد نزل القرآن الكريم بلسانهم، كما أنّ أقوالهم لا تخلو من سلامة المَقصد، والفَهْم الحَسَن، بالإضافة إلى أنّ نزول القرآن الكريم كان في زمانهم؛ فعرفوا أحوال من نزل فيهم من عَرَبٍ، ويهود، واعتمد الصحابة في تفسيرهم للقرآن على القرآن، والسنّة، واللغة العربيّة، وعلى الفَهم، والاجتهاد، ومن أمثلة ذلك تفسير قوله -تعالى-: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ)؛ إذ فسَّرَ عليٌّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- السَّقْف الرفوع بأنّه: السماء، فقال: (وَجَعَلنَا السَّماءَ سَقفًا مَحفوظًا)، ففسّر القرآن بالقرآن.
تفسير القرآن بالرأي هو: أن تُفسَّر الآيات القرآنيّة، وتُوضَّح بإعمال العقل؛ وذلك بالنظر في الأدلّة، واستنباط ما يُمكن استنباطه من المعارف، دون معارضة العقل للنَّقْل الشرعيّ، واتِّباعه، ومن أهمّ الكُتب في ذلك: الكشّاف للزمخشريّ، ويُعَدّ أمّاً للتفسير بالرأي، وتفسير البيضاويّ، وتفسير النسفيّ، وتفسير القرطبيّ، وتفسير الرازيّ، وتفسير أبي السعود، وتفسير أبي حيان، ولا بُدّ من الاشارة إلى أنّ باب التفسير بالرأي ليس مُتاحاً للجميع، فهناك شروط وضوابط يجب توفُّرها في المُفسِّر بالرأي، وهي مُتعلّقة بأوصافه، ومَنهَجه، وطريقته، وتفصيل ذلك في ما يأتي:
والأمثلة على التفسير بالرأي كثيرة، ومن ذلك تفسير قوله -تعالى-: (مَن كانَ يُريدُ الحَياةَ الدُّنيا)؛ إذ يندرج ضمن هذه الآية كلّ مَن يريد الانتفاع والتمتُّع بشَهوات الدُّنيا، وطيّباتها، وهذا ينطبق على المؤمن، وغير المؤمن، إلّا أنّ قوله -تعالى- في الآية التالية: (أُولـئِكَ الَّذينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلَّا النّارُ)، دلّ على أنّ غير المؤمن هو المقصود بالآية الأولى؛ لأنّ النار لا تليق إلّا به.
التفسير اللغويّ هو: بيان معاني الآيات القرآنيّة حسب ورودها في لغة العرب التي نزل القرآن بألفاظها، وأساليبها؛ فتخرج بهذا البيان كلّ مصادر البيان الأخرى من قرآن، وسُنّة، وأسباب نزول، ولغة غير لغة العرب، وتكمن أهمّية التفسير اللغويّ في أنّ القرآن الكريم عربيُّ اللغة؛ قال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)؛ وذلك لأنّه نزل على رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بلسان قومه، وهذا من سُنّة الله -تعالى- في إرسال رُسُله؛ قال -تعالى-: (وَما أَرسَلنا مِن رَسولٍ إِلّا بِلِسانِ قَومِهِ)، ولذلك فإنّه لا يُمكن تفسير القرآن، وتوضيح معاني ألفاظه بغير لغة العرب التي نزل بها، ولا يمكن فَهم القرآن الكريم، والسنّة النبويّة، وتجنُّب الوقوع في الزَّلَل وتحريف فَهم الكلام دون الإلمام بكلّ ما يتعلّق باللغة العربيّة، ومن الأمثلة على التفسير اللغويّ تفسير لفظ (استوى) في قوله -تعالى-: (ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ)؛ فالمعنى المُراد للفظ استوى هو المعنى المَجازيّ؛ أي ظهر وعلا على العرش، وتفسير ذلك يكون باستخدام الأساليب البلاغيّة في اللغة العربيّة.
التفسير الإشاريّ هو: أن تُفسَّر الآيات القرآنيّة على غير ظاهرها؛ أي حسب إشارات خَفيّة لا تَظهر إلّا لأصحاب السلوك، مع إمكانيّة الجَمع بينه وبين التفسير الظاهر للنصوص حسب ما تقتضيه اللغة، والنصوص الشرعيّة الأخرى، إلّا أنّ هذا النوع من التفسير باطل وفيه إثم كبير يُخشى على مَن اعتقده خروجه من الإسلام، ومن أمثلته: تفسير لفظ فرعون بالنفس البشريّة في قوله -تعالى-: (اذهَب إِلى فِرعَونَ إِنَّهُ طَغى)، أو تفسير لفظ الكفّار بالنَّفس في قوله -تعالى-: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا قاتِلُوا الَّذينَ يَلونَكُم مِنَ الكُفّارِ).
تفسير آيات الأحكام هو: تفسير الآيات القرآنيّة المُتعلِّقة بالأحكام الشرعيّة المُقوِّمة لسلوك العباد، وقد أولى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- جُلّ اهتمامه لبيان وتوضيح هذا النوع من الآيات، بالإضافة إلى آيات العقيدة؛ لأنّ معظم آيات القرآن الكريم لا تخرج عن تقرير عقيدة، أو تقويم سلوك، ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ القرآن الكريم، والسنّة النبويّة هما المصدران الأساسيّان في استنباط الأحكام الشرعيّة، إلّا أنّ دلالة النصوص القرآنيّة على الأحكام قد لا تكون قطعيّة أحياناً، كما أنّ أحاديث رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قد لا تكون قطعيّة؛ إذ قد تتفاوت بين الصحّة والضعف في ثبوتها عنه -صلّى الله عليه وسلّم-، وهذا بدوره أيّد ضرورة الجَمع بين المصدرَين في استنباط الأحكام الشرعيّة؛ فكلاهما مُبيِّن للآخر؛ فما جاء على العموم أو على الإطلاق في أحدهما، جاء على الخصوص أو التقييد في الآخر، كما أنّ إعمال العقل، والاجتهاد في الاستنباط، أدّى لاحقاً إلى ظهور المذاهب الفقهيّة المعروفة التي تميَّزَ كلٌّ منها بطريقته في الاستنباط حسب قواعد، وأصول، ومَنهج خاصّ به.
وتشتهر بعض كُتُب التفاسير بهذا النوع من أنواع التفاسير، ومن ذلك: كتاب تفسير أحكام القرآن للرازيّ؛ وهو حنفيّ المَذهب، وكتاب تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبيّ؛ وهو مالكيّ المَذهب، وكتاب الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطيّ؛ وهو شافعيّ المَذهب، وكتاب تفسير زاد المسير لابن الجوزي؛ وهو حَنبليّ المذهب، ومن الأمثلة على تفسير آيات الأحكام تفسير قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)؛ فقد ورد عن الشيخ الشنقيطيّ في تفسير هذه الآية أنّ لفظ (وَأَرْجُلَكُمْ) فيه ثلاث قراءات؛ واحدة شاذّة بالرَّفْع، واثنتان مُتواتِرتان؛ إحداهما بالنَّصْب، والأخرى بالخَفْض (الجرّ)، أمّا قراءة النَّصْب فلا مشكلة فيها؛ لأنّ الأرجل تكون معطوفة على (وُجُوهَكُمْ) وهي منصوبة، وذِكر مَسح الرأس بين المَغسولات جاء حِفاظاً على الترتيب الذي اعتُبِرَ واجباً في أعضاء الوضوء.
أمّا في قراءة الجَرّ، فيُفهَم من الآية الاكتفاء بالمَسْح عن الغُسْل في الوضوء للرجلَين كما للرأس، وهذا المعنى يتنافى مع الأحاديث الصحيحة المُوجِبة لغُسْل الرجلَين في الوضوء؛ فقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ويْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)، وللجَمع بين القراءتَين؛ فإنّ قراءة النَّصب صريحة في وجوب غَسل الرجلَين، أمّا قراءة الخَفض (الجرّ)، فإنّ من أساليب اللغة العربيّة الخفض بالمُجاوَرة؛ أي قد تُخفَض (تُجَرّ) الكلمة المنصوبة، أو المرفوعة؛ لمُجاورتها للمَخفوض، وبذلك فإنّ قراءة الخَفض لا تتعارض مع قراءة النَّصْب، ولا مع الأحاديث الصحيحة الدالّة على وجوب غَسل الرجلَين؛ لذا اتّفقت المذاهب الفقهيّة الأربعة على أنّ الواجب في الرجلَين الغسل، وليس المَسح، وقد ذكر الشيخ السعديّ في تفسير هذه الآية عدداً من الأحكام، ومنها ما يأتي:
تنقسم تفاسير القرآن من حيث طريقة التفسير إلى أربعة أنواع، وهي كما يأتي:
يُعَدّ تفسير القرآن الكريم علماً يَهتمّ بالأصول التي تُعرَف بها معاني كلام الله -تعالى-، وما تُشير إليه آياته حسب المقدرة البشريّة، وهو من أشرف العلوم، وأجلّها؛ لأنّ موضوعه مُتعلّق بكلام الله -تعالى-، ويسعى هذا العلم إلى تحقيق الإلمام بما في كتاب الله-تعالى-؛ للوصول إلى الغاية العُظمى؛ وهي السعادة في الدارَين؛ الدُّنيا، والآخرة، وهو يستمدّ مصادره من القرآن نفسه، ومن السنّة النبويّة، ومن كلام المُتخصّصين فيه، ولأهميّة هذا العلم، ومكانته، فإنّ حُكم تعلُّمه واجبٌ كفائيّ على أهل كلّ بلدة، ويُشار إلى أنّ هذا العلم يشتمل على قضايا الأمر، والنَّهي، والمواعظ، وبيان الأخبار الواردة في القرآن الكريم.