اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
توعَّد الله -سبحانه وتعالى- من كفر به وعصاه وسلك طريق الضَّلال ناراً يُخلَّد فيها، كما أعدَّ لمن آمن به وكفر بالشيطان وشركه جنّةً عرضُها السماوات والأرض أُعِدَّت للمُتّقين، أمّا نارُ جهَّنم فهي متعدّدة أصناف العذاب، وتتّسع لجميع من كفر بالله، قعرها أشدُّ حُلكةً من الليل البهيم، وقد سمَّاها الله -سبحانه وتعالى- بالعديد من الأسماء في كتابه العزيز، كما جاء ذكر النار بأسماء أخرى في سُنّة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ولكلّ اسمٍ من تلك الأسماء خاصّية ومدلول معيّن، حيث جاء اسمها في الآيات في نسقٍ محدّد، ولكلّ موضع من المواضع التي وردت فيه أسماء النار معنى خاصّ، فما هي أسماء النار، وما هي مدلولات تلك الأسماء، ولماذا تنوَّعت تسميات النار في كتاب الله؟
لكلّ معنى ومصطلح في اللغة العربية والشريعة الإسلاميّة دلالة خاصّة حسب موضع استخدامه، حيث إنّ مصطلحات اللغة غزيرة المعاني، فقد يكون للّفظة الواحدة عدّة معانٍ، ويتحدّد المعنى لتلك اللفظة حسب مكانها من الجملة، ومعنى النار في اللغة: هي مصدر نَأر، والاسم منها نَار، وجمعها: نِيرَانٌ، كما تُجمَع على أَنْوُر، والنَّار هي: عنصر طبيعيّ فعّال، يمثّله النّور والحرارة المُحرِقة، كما تُطلَق لفظة النار كذلك على الحرارة التي تُدرَك بالإحساس، وتُطلَق إذا أتت بغير مدلول الحرارة على الرّأي والبَصيرة، فيُقال: استضاء فلان بنار أخيه؛ أيّ أنّه استشاره في أمر معيّن وأخذ برأيه وخبرته في الحياة، وتُطلَق النار على القوّة إذا اقترنت بما يُؤيّد ذلك المعنى؛ فيُقال: بالحديد والنَّار؛ أيّ أنّه يستخدم قوة السّلاح.
جاءت في القرآن الكريم والسُّنة النبوية المُطهَّرة عدّة أسماء للنار، وقد ثبت ذلك في العديد من المواضع، ومن أسماء النّار التي ثبتت بنصوص صحيحة وأيّد العلماء تسميتها بها ما يأتي:
وقد أضاف بعض العلماء أسماء أُخرى إلى هذه الأسماء للنّار، بينما يرى البعض أنّ هذه الأسماء هي لدرَكات النّار وطبقاتها، فلكلّ منزلةٍ من منازل النّار اسمٌ من الأسماء سالفة الذكر على رأي من قال بذلك، وقد قسَّم من قال بذلك من الناسَ نار جهنَّم في منازل بناءً على رأيهم، ولكن هذه التقسيمات والتسميات لا يصحّ -والله أعلم- إطلاقها على منازل النّار، إنّما هي أسماء مُطلَقة على النّار، وليست خاصّةً بمنزلة منها دون أخرى.
يتردّد تساؤلٌ عند عامّة الناس عن وصف النار ومكانها، وكيفيّة العذاب فيها، أمّا مكانها فقد اختلف فيه أهل العلم، فيرى فريق أنّها في أسفل طبقة من طبقات الأرض، ويرى آخرون أنّها في السماء، بينما يرى آخرون أنَّ مكانها مجهول لا يعلمه إلّا الله، حيث لم يثبت نصّ صحيح في السنة النبوية الصحيحة، ولم تأتِ آية صريحة في كتاب الله تُثبت رأي أحد الفريقين السابقين، وقد مال إلى الأخذ بهذا القول الإمام السيوطيّ -رحمه الله- وغيره من العلماء.
أمّا صفة النار فهي كبيرة وواسعة، ولها قعر عميق شاهق، وقد جاء في شِدّة عمقها أنّ الحَجَر إذا أُلقِي فيها فإنّه يحتاج إلى مدّة زمنية طويلة حتّى يصل إلى قعرها؛ فقد ثبت عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (لو أنَّ حجَراً يُقذَفُ به في جَهنَّمَ هوى سبعينَ خريفاً قبْلَ أنْ يبلُغَ قعرَها)، وهي عظيمة بحيث تتّسع لجميع الأعداد التي تدخلها من أهل النار من الكفار، فمهما زاد عددهم وكثُرت جماعاتهم إلّا أنّ النار لن تمتلئ بهم، وسيبقى فيها المزيد من المساحة لتحوي غيرهم، قال تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ)، أمّا كيفيّة عذاب أهل النّار فيها؛ فهي على شكل طاحونة، وفيها يهوي الناس كما تهوي الحُبوب التي ستُطحن، فتدور عليهم النّار دورات ودورات، وهم بين رحاها يُعذَّبون.
كما أنَّ للجنّة درجاتٍ تتفاوت في المنزلة، فإنّ للنار كذلك درجاتٍ ومنازلَ متفاوتةً، وتُسمّى تلك الدرجات بالدّركات، أمّا ما ثبت من المنازل فيها فهي منزلة المنافقين؛ حيث جاء في كتاب الله أنّهم في الدركة السُّفلى من النّار، قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا)، أمّا أقلُّ منازل النّار ودركاتها من حيث العذاب فهي منزلة يُعذَّب أصحابها بأن توضَع تحت نعالهم جمرة أو جمرتان يغلي من شدّة حرِّهما الدماغ، وقد ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً مَنْ لَهُ نَعْلانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ -وفي رواية توضع في أخمص قدميه جمرتان- يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ -أي القِدْرـ مَا يَرَى أَنَّ أَحَداً أَشَدُّ مِنْهُ عَذَاباً، وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَاباً)، وقد خصّصت إحدى الروايات هذا الصِّنف من أهل النّار بأبي طالب عمّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم.